قرارات ترامب السرية للـ "سي آي إيه" بشأن المشتبه بهم تثير نزاعاً مع الـ"بنتاغون"

تم النشر: تم التحديث:
DONALD TRUMP
Jonathan Ernst / Reuters

قال مسؤولون أميركيون إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد مَنَحَ وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية سلطةً سريةً جديدة لشنِّ ضرباتٍ جوية بطائراتٍ بدون طيَّار على إرهابيين مُشتبَهٍ بهم، الأمر الذي يُغيِّر السياسة التي كانت تتبعها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما للحدِّ من الدور شبه العسكري لوكالة الاستخبارات، ويعيد فتح الباب أمام نزاعٍ بين الوكالة ووزارة الدفاع - البنتاغون.

وتُمثِّل هذه السلطة الجديدة، التي لم يُكشَف عنها من قبل، تغيُّراً كبيراً عن النهج التعاوني الذي صار بمثابة ممارسةٍ مُعتادةٍ بحلول نهاية ولاية الرئيس السابق أوباما؛ إذ كانت وكالة الاستخبارات المركزية تستخدم الطائرات بدون طيَّار، وغيرها من المصادر الاستخباراتية لتحديد مواقع الإرهابيين المُشتبَه بهم، ثم يشنّ الجيش الضربات نفسها. وقال مسؤولون إن الغارة الجوية التي استُخدِمَت فيها طائراتٌ بدون طيَّار، والتي قتلت زعيم حركة طالبان المُلا منصور في مايو/أيار 2016 في باكستان، تُعد أفضل مثال على هذا النهج الهجين بين الوكالة والبنتاغون.

"ضغط الزناد" على الجيش

وكانت إدارة أوباما تلقي مسؤولية "ضغط الزناد" على الجيش نفسه من أجل تعزيز الشفافية والمُحاسَبة. ففي حين لم يكن يُطلَب من وكالة الاستخبارات المركزية، التي تدير أعمالها في مناخٍ من السرية، الكشف عن عددِ الإرهابيين المُشتبَه بهم أو المدنيين العُزَّل الذين قتلتهم في غاراتِ الطائراتِ بدون طيَّار، يتعيَّن على البنتاغون أن يُقدِّم تقريراً علنياً عن معظم الضربات الجوية.

وأشار الرئيس ترامب إلى أنه يريد التعجيل من المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وغيره من المجموعات الإرهابية. وقال مسؤولون أميركيون إن وكالة الاستخبارات قد استخدمت سلطتها الجديدة في نهاية فبراير/شباط، حين شنَّت غارةً جويةً على قائدٍ كبيرٍ للقاعدة في سوريا، وهو أبو الخير المصري. وأفادت تقارير بأن الغارة الجوية التي استهدفت المصري، وهو صهر زعيم القاعدة السابق أسامة بن لادن، شمالي سوريا، لكن لم يكن من المعروف أن وكالة الاستخبارات قد شنَّت هذه الغارة بموجب السلطة الجديدة. ولا يزال مسؤولون أميركيون يقيِّمون نتائج الغارة.

وامتنع المتحدثون الرسميون باسم البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية، على السواء، عن التعليق.

وبينما تنطبق خطوة الرئيس ترامب بشكلٍ خاص على صلاحية وكالة الاستخبارات المركزية لإجراءِ عملياتٍ في سوريا، وفق ما جاء على لسان مسؤولين أميركيين، فهذا يعني أن الوكالة في نهاية المطاف قد تتمكَّن، في ظل حكم ترامب، مرةً أخرى من شنِّ غاراتٍ جويةٍ في أماكن أخرى تستهدف الولايات المتحدة متشدِّدين فيها، مثل اليمن، وليبيا، والصومال، وغيرهم.

سوريا ليست البلد الوحيد

وربما ليست سوريا البلد الوحيد الذي تُخوَّل فيه وكالة الاستخبارات بشنِّ غاراتٍ جويةٍ باستخدام طائراتٍ بدون طيَّار. ففي وقتٍ مبكرٍ من الشهر الجاري، مارس/آذار، أفادت تقاريرٌ بأن غارةً جويةً استهدفت رجلين في قريةٍ باكستانية بالقرب من الحدود مع أفغانستان، إلا أن وزارة الدفاع لم تعترف بإدارة هذه العملية كما كان الأمر يجري في السابق.

ويظل من غير المعروف بعد ما إذا كانت السلطة الجديدة التي مُنِحَت لوكالة الاستخبارات قد تتوسَّع أم لا. وقال مسؤولون أميركيون إن البيت الأبيض يتباحث مع كلٍ من البنتاغون ووكالة الاستخبارات حول نهجٍ طويلِ المدى لشنِّ عملياتٍ ضد المعاقل الإرهابية وتحديد سلطاتِ كلٍ منهما.

وقال مسؤولون إن الرئيس ترامب مَنَحَ هذه السلطة لوكالة الاستخبارات بعد وقتٍ قصيرٍ من اجتماعه مع مسؤولين في الوكالة داخل مقرها، في 21 يناير/كانون الثاني 2017، أي بعد يومٍ واحدٍ من تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة. ولم يكن الكونغرس حينها قد أكَّدَ بعد تعيين مُرشَّح ترامب لمنصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، مايك بومبيو.

ورفض متحدثٌ باسم البيت الأبيض التعليق على هذا الأمر.

وتمنح إدارة ترامب الجيش الأميركي سلطةً أكبر لإجراءِ عملياتٍ عسكرية دون الحصول على موافقةٍ من البنتاغون أو البيت الأبيض أولاً.

وبحسب المسؤولين الأميركيين، خلق القرار غير المُتوقَّع للرئيس الجديد بمنح وكالة الاستخبارات المركزية سلطة شن الغارات الجوية حالة غليانٍ داخل الحكومة الأميركية بعد أيامٍ من زيارته، كما سارع المسؤولون العسكريون الأميركيون بالاستجابة للتوجيهات الجديدة.

ومن المؤكَّد أنَّ سياسة ترامب الجديدة ستعيد إثارة الجدل بشأن القتل المُستهدف من جديد. وتعتقد جماعات حقوق الإنسان أنَّ وزارة الدفاع، في ظل تقاليدها والمُتطلَّبات القانونية التي تجعلها أكثر شفافيةً وخضوعاً للمسائلة العلنية، هي المكان الذي يجب تُوكَل إليه عمليات الطائرات بدون طيار.

وقال كريستوفر أندريس، نائب مدير مكتب واشنطن في الاتحاد الأميركي للحريات المدنية: "تُوجد الكثير من المشكلات فيما يتعلَّق ببرنامج الطائرات بدون طيار، وبرنامج القتل المستهدف، لكن يجب أن تبقى وكالة الاستخبارات المركزية بعيدةً عن إصدار الأمر بشن الغارات المُميتة".

وقال أندريس إنَّه تجب الاستعانة بالبنتاغون للقيام بمثل تلك الغارات لأنَّه أكثر خضوعاً للمحاسبة العلنية أمام صانعي السياسة، وأعضاء الكونغرس، والرأي العام الأميركي.

وقال: "لا يعني هذا أنَّه لا يمكن لوكالة الاستخبارات المركزية أن تقوم بدورٍ في المساعدة على استخدام القوة من خلال تحديد مواقع الأهداف، لكن قرار ما إذا كان يجب شنَّ الغارة أم لا وعملية إصدار الأمر يجب أن يجريا عبر تسلسل القيادة العسكرية (أي من وزارة الدفاع). ويجب أن تكون وكالة الاستخبارات المركزية جهازاً استخباراتياً خارجياً يجمع ويحلِّل المعلومات، لا أن يكون جهازاً شبه عسكري".

طريقة أوباما بشأن استهداف الجهاديين

وتحت ضغوطٍ من الاتحاد الأميركي للحقوق المدنية، وجماعات حقوق الإنسان الأخرى، وغيرها من المُنظَّمات، بدأ أوباما في 2013 الدفع باتجاه تولِّي وزارة الدفاع مسؤولية القيام بعددٍ أكبر من عمليات الطائرات بدون طيار.

لكنَّ جهود نقل المسؤولية عن تلك العمليات إلى وزارة الدفاع واجهت مشكلاتٍ، تمثَّلت في مزيجٍ من الخلافات بين الوكالات، والتنافس على الميزانية، والجمود البيروقراطي.

وقاوم بعض أعضاء الكونغرس أيضاً الجهود الرامية إلى إخراج عمليات الطائرات بدون طيار إلى العلن. وحرص أعضاء لجان الاستخبارات والقوات المسلحة في مجلسي النواب والشيوخ على الإبقاء على رقابتهم المنفردة على عمليات الطائرات بدون طيار.

وعلى سبيل المثال، يُفضِّل أعضاء لجنتي الاستخبارات في الكونغرس بصورةٍ عامة وجود دورٍ شبه عسكري لوكالة الاستخبارات المركزية، ويعتقدون أنَّهم الأقدر على ممارسة الرقابة على العمليات السرية، في حين يرى أعضاء لجنتي القوات المسلحة أنَّ الجيش يجب أن يسيطر على المهمة.

وفي غضون ذلك أثارت خطوة ترامب، بحسب المسؤولين الأميركيين، التنافس بين وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع بشأن القيام بعمليات مكافحة الإرهاب المُميتة.

ويتَّخذ كل منهما خطواتٍ لتحديد صلاحية الأهداف قبل ضربها. فحينما يتعلَّق الأمر بالتدقيق في الأهداف، تستخدم وكالة الاستخبارات المركزية معايير عالية، أو "شبه يقينية"، في حين تعتمد وزارة الدفاع على "درجة معقولة من اليقينية" في مناطق الحرب، برغم أنَّها تتمسَّك بالمعايير العالية حينما تقوم بعملياتٍ فيما سوى ذلك.

ونتيجةً لذلك، يمكن، بحسب المسؤولين الأميركيين الحاليين والسابقين، أن يؤدي منح مزيد من السلطات لوكالة الاستخبارات المركزية لشن الغارات إلى تقويض توجيهات ترامب بتسريع المعركة ضدَّ داعش، وتنظيم القاعدة، والتنظيمات المُتشدِّدة الأخرى لأنَّه يُعتَقَد أنَّ وكالة الاستخبارات المركزية أكثر تأنياً في عملياتها.

ومع ذلك، فمن الممكن أيضاً أن تتزايد وتيرة الضربات مع منح وكالة الاستخبارات المركزية حرية أكبر للعمل بنفسها دون الاعتماد على الجيش في شن الضربات.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Wall Street Journal. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.