الأغنياء سبقوا.. حكايات النزوح الكبير للأقباط من شمال سيناء خوفاً من ملثمي داعش

تم النشر: تم التحديث:

عند آخر خيط من ظلام الليل، فجر الجمعة، اختار العشرات من الأسر القبطية، هجرة مدينة العريش في شمال سيناء المصرية. بعد أيام من مقتل سبعة أقباط مصريين في حوادث متفرقة بمدينة العريش في شمال سيناء برصاص مجهولين، ونشر تنظيم "داعش" مقطع فيديو يتوعد الباقين بالقتل.

اكتفى أبناء تلك الأسر ببعض الملابس والبطاطين، تاركين خلفهم القليل من المتاع والمال، والكثير من الذكريات الأليمة التي عاشوا أحداثها الدامية على مدار السنوات القليلة الماضية.

وقال المسؤولون إن قوات الأمن تطوق مناطق جنوبي العريش، بحثاً عن الخلايا المسؤولة عن حوادث قتل الأقباط وحرق بيوت بعضهم، وأغلقت الدبابات والعربات المصفحة محاور رئيسية في محيط المدينة، فيما منحت سلطات المحافظة جميع المسيحيين بالمصالح الحكومية إجازة لمدة شهر، لحين استقرار الأوضاع.

ولم يرد اللواء سيد حرحور، محافظ شمال سيناء، على اتصالات هافينغتون بوست عربي، إلا أن مدير مكتبه العميد محمد عبد المنعم، رفض وصف خروج المواطنين الأقباط من مدينة العريش إلى الإسماعيلية بـ"النزوح"، وقلَّل من صحة الأعداد المتداولة عن الأسر التي لجأت إلى الإسماعيلية، بدعوى أنه "لا يوجد إحصاء لعدد الأسر القبطية التي هجرت العريش، والمؤكد هو أن بعض الإخوة الأقباط تقدموا بطلبات للحصول على إجازات أو ندب لجهات أخرى".

وأعلنت رئاسة مجلس الوزراء، عصر السبت، أن رئيس الحكومة في حالة اتصال بعدد من الوزراء والمسؤولين، والبابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وأنه قرر تشكيل غرفة عمليات في مجلس الوزراء لمتابعة الموقف.

وهربت أكثر من 70 أسرة قبطية من مدينة العريش خلال اليومين الماضيين، خوفاً من التهديدات بالقتل من قبل مسلحين يشتبه بانتمائهم لتنظيم ولاية سيناء، الفرع المصري لتنظيم الدولة الإسلامية، بعدما قتل سبعة مواطنين أقباط خلال شهر فبراير/شباط الجاري.


مع النازحين في معسكر الاستقبال بالإسماعيلية


أمضت أسرة أبانوب، 13 عاماً، خمس ساعات في سيارة استأجرها للفرار من "التهديد بالقتل" من منزلهم في مدينة العريش في شمال شبه جزيرة سيناء المضطربة إلى محافظة الإسماعيلية المجاورة على قناة السويس.

يقول أبانوب، الطالب في الصف الأول الإعدادى لـ"هافينغتون بوست عربي"، إنه لم يذهب إلى المدرسة منذ شهر تقريباً، بسبب الخوف من القتل. "ومدير مدرسته قال لنا: اعتبروا نفسكم في إجازة لحد ما الدنيا تهدى". أبانوب الذي تحمل يده اليسرى وشم الصليب، يحكي أنه في طريقه لمدرسته كان يمر على كمين لقوات الأمن، وعلى بعد 500 متر يمر بكمين آخر للمسلحين.

أبانوب هو الابن الأصغر لكمال جورج، الموظف بمديرية التربية والتعليم بمحافظة شمال سيناء، الذي لم يستطع الفرار إلى الإسماعيلية مع باقي أفراد العائلة التي وصلت إلى الإسماعيلية، مساء يوم الجمعة الماضي، بسبب ظروف عمله.

يخلع أبانوب سترته البنية ليعطيها لأخته الكبرى شوق، 18 سنة، طالبة، التي كانت تنتفض من البرد في سترة بيضاء خفيفة. بسبب الاستعجال في الرحيل لم تحضر أي جاكيت ثقيل.

تتذكر شوق بعض وقائع ما قبل الهروب: "قبل أيام قتلوا ابن خالتي كامل. كان رجلاً مسالماً لا علاقة له بأي شيء. أطلقوا عليه سبع رصاصات وحرقوا المنزل بجثته. مات كامل وترك وراءه طفلين".

تضع شوق بعض الكتب الدراسية على أحد المقاعد بالكنيسة الإنجيلية بالإسماعيلية، التي استقبلت العشرات من الأسر القادمة من شمال سيناء.

تتحدث عن استكمال دراستها بالإسماعيلية، وهي تخرج من جيبها بخاخة للتنفس، خاصة بوالدتها التي عادت لتفقد الوعي من جديد. "تصاب أمي عادة بصعوبة في التنفس نتيجة حساسية في الصدر، ولكنها تذهب في غيبوبة كلما شعرت بالخوف، وهو ما اعتدنا عليه خلال الشهر الماضي.

شقيقها الأكبر أيمن، 28 سنة، يعمل سائق تاكسي بمدينة العريش، ويعتبر الأمن المسؤول الأول عما يحدث "قبل 2011 كنا نعيش بدون شرطة وجيش، ولكن لم يحدث لنا ما نراه هذه الأيام".

يجلس شقيق شوق وأبانوب على كيس من البلاستيك، وضعت فيه الأسرة بعض الملابس، وفي يده مجموعة من الأوراق في مظروف أصفر، قال إنها وثائق بيتهم هناك، وبعض أوراق إثبات الهوية وشهادات التعليم لأفراد الأسرة.

يحكي عن دوريات مستمرة للجيش والشرطة "ولكن بعد الدورية يقوم المسلحون بالهجوم على المنازل، الأمن يلقي القبض على الأشخاص المسجلين خطر، وليس على من يقومون بتنفيذ الأعمال الإرهابية، وهذه هي الأزمة".


وقتها قررنا أن نستقر في العريش


"لم أجلس معه كثيراً، طول عمره في خدمة البلد وفي النهاية مات في سيناء، المكان الذي حارب فيه".

السيدة أنجيل جرجس، التي وصلت أمس الأول إلى نزل الشباب بالإسماعيلية، تتحدث عن زوجها عطية شحاتة، الذي لقي مصرعه في أحداث كمين المطافي في التاسع من الشهر الماضي.

عطية كان ضابط جيش متقاعداً، وشارك في حربي 1967 و1973. "حين قررنا أن نستقر في العريش الإرهاب أخذه مني. كان كل يوم أقول له دعنا نرحل عن العريش يقول لي لو خايفه روحي إلى أولادك واتركيني هنا، أنا لن أترك الأرض التي حاربت من أجلها".

anjyljrjsmmsktbswrtzwjhawaldhyqtlqblayamfy

وتضيف: لا أحد يستطيع الخروج من المنزل هناك الآن، كنت أشتري طلبات المنزل لأسبوع كامل حتى لا أخرج من البيت.

anjylmaailtha


أما الأغنياء فقد سافروا "من بدري"


في جلستها الصامتة بنزل الشباب بالإسماعيلية، تتذكر نبيلة فوزي، 65 عاماً، ربة منزل، مقتل زوجها وابنها أمام عينيها. جاءت هنا مع ابنتها عبير وأحفادها، بعد احتراق المنزل أيضاً.

كانت العائلة تتهيأ للنوم، حين دق بعضهم الباب بعنف، كانوا ثلاثة ملثمين اندفعوا للداخل، وألقوها إلى الخرج، ثم أطلقوا النار على الزوج والابن. "نزعوا مني الخاتم الذي كنت أرتديه في أصبعي، وحرقوا المنزل بجثة ابني وزوجي داخله".

تجلس عبير بجوار والدتها، ولا تتحدث كثيراً. شقيقها الراحل كان بمثابة والدها الثاني كما تقول. "كان يعمل في إصلاح الأجهزة الكهربائية، ولا علاقة له بأي شيء، وكان طيباً ومحبوباً جداً وبلا أعداء. تحدث معي أكثر من مرة في ضرورة ترك العريش، ولكنه قتل قبل أن نرحل".

ترى عبير أن من تبقى في العريش من الأقباط هم الأكثر فقراً "الأغنياء سافروا من فترة، والبعض محاصر في العريش لا يستطيع الخروج من منزله".

سامح زوج عبير نجا من الموت على أيدي الملثمين بالمصادفة، إنه كان معها في بيت أسرتها، حسب قوله. "طرقوا الباب أكثر من مرة، حتى خرج جاري ليخبرهم بعدم وجود أحد في المنزل، فأطلقوا النار عليه. مات بدلاً مني".

anjyljrjsmmsktbswrtzwjhawaldhyqtlqblayamfy


عندما طلبت من مدير الأمن ترخيصاً بحمل سلاح


على طريق يزيد طوله عن 200 كيلومتر، كان الشاب الثلاثيني روفائيل بهيج يتذكر مشوار حياته الذي بدأ في الجمالية بالقاهرة، مروراً بالعريش، المدينة التي استوطنتها أسرته منذ عام 1995، وأدار فيها مشروعه الصغير في إعادة تدوير المخلفات البلاستيكية، إلى بيت الشباب هنا، في الإسماعيلية.

يقول روفائيل، وهو اسم مستعار، إن أسرته كانت تفتقد الأمن في أصغر خروجة لشراء الطعام مثلاً. روفائيل رفض عرضاً بالذهاب إلى شقة بمدينة المستقبل القريبة من الإسماعيلية، لأنها مدينة يغلب عليها السكون ليلاً، وبعض أحيائها خالية من السكان "وخاصة في ظل الأجواء التي يعيشها الأقباط الفارون من العريش"، بحسب قوله.

"الله يعين الأمن، لكن في نفس الوقت لا يجب أن يتجاهل المسؤولون أوضاعنا، قالوا إنهم يقتلون الكثيرين من المسلحين. المفترض أن يقل عددهم، لكن ما يحدث هو أن عددهم يزداد".

روفائيل، وهو واحد من سبعة أشقاء؛ بنتين وخمسة ذكور هو أصغرهم. "كلنا جئنا إلى الإسماعيلية عدا اثنين من أشقائي الذكور، وكل واحد منا له منزله في العريش بخلاف منزل العائلة. أكثر من خمسين أسرة وصلت إلى الإسماعيلية، وهناك أسر أخرى في الطريق إلينا، وهناك أسر غير قادرة على الخروج من العريش، لأن التكفيرين عندما علموا بخروجنا بادروا بتهديد السائقين بالقتل إذا أوصلونا إلى خارج المدينة، يريدون قتل كل أقباط العريش".

بيان الكنيسة الأرثوذكسية الصادر أمس، بشأن استهداف الأقباط في العريش، والحديث عن "تواصل مستمر مع المسؤولين ومع المحليات لتدارك الموقف والتخفيف من آثار هذه الاعتداءات"، لا يمنع روفائيل من انتقاد المسؤولين الكنسيين "لأنهم يتجاهلون مشكلاتنا".

فجأة يقول روفائيل إنه طلب من مدير أمن شمال سيناء رخصة سلاح، فماذا كان الرد؟ "جلست معه منذ أسبوع تقريباً، وطلبت منه منحي ترخيصاً بحمل سلاح، فقال لي: لا يصح أن أترك الدنيا فوضى ونصبح مثل سوريا. فسألته: طيب لو قابلتني حاملاً مطواة ماذا ستفعل؟ فقال: هاخدك على الحبس. مدير الأمن يقول هذا بينما يسير في الشوارع في حراسة 15 مدرعة، وحين تقع حادثة قتل ويذهب الناس للاستغاثة بأقرب كمين موجود ولو على مسافة مائة متر يأتي الرد: لا أمر لدينا بالتحرك.

sd


استراتيجية مكافحة الإرهاب فاشلة


مينا ثابت مدير برنامج الأقليات بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات قال لـ"هافينغتون بوست عربي" إن الأسر القبطية التي وصلت الإسماعيلية توزعت بين شقق سكنية وفرتها الكنيسة، وبين بيت الشباب "لكن نسمع باستمرار عن قدوم آخرين من العريش. الموضوع خطير للغاية، ونحن بحاجة للتعامل معه بمنتهى الجدية، وهو مؤشر على عدم جدوى الاستراتيجية المتبعة لمكافحة الإرهاب منذ عام 2011، فقد ثبت أنها غير مجدية، ولم تحقق النتائج التي كنا نؤملها، وبالتالي فهي بحاجة إلى المراجعة والتعديل".

وأضاف: الخطر موجود ويهدد سلامة الدولة نفسها وسلامتنا كمواطنين، ولا بد من التعامل مع هذا الخطر بالجدية اللازمة.

واعتبر ثابت أن "استهداف الأقباط بمدينة العريش في وضح النهار من جانب مسلحين، دون تدخل من بقية المواطنين أمر يدل على أن الحاضنة المجتمعية لفكرة داعش باتت أكثر قوة".

ثابت، الذي ساهم في استقبال كثير من الأسر التي لجأت إلى الإسماعيلية، أضاف أن "النظام عاجز عن إيجاد الحلول، ويفتقد للكفاءة، ولأن مواجهة الإرهاب مسؤولية مجتمعية، علينا أن نجد بدائل ونقدم نحن حلولاً سياسية لمجتمعنا ولدولتنا".