مدينة فرنسية صغيرة تتحول إلى معقل لليمين المتشدد.. عمدتها يستفز المسلمين بهذه الطريقة!

تم النشر: تم التحديث:
S
س

تشهد الجالية المسلمة في مدينة بيزييه هجوماً شرساً واستفزازات عدّة بسبب قرارات وتصريحات عمدة المدينة، روبير مينار، الذي يعتبر أحد مؤسسي منظمة مراسلون بلا حدود.

وفي هذا السياق، قالت الممرضة المغربية، صفية، خلال حديثها مع الصحيفة إن "عمدة بيزيه يملك أكثر من وجه.. عندما نلتقي به في الشارع نرى الاحترام من خلال التحية التي يلقيها علينا فضلاً عن رحابة صدره، لكن عندما نسمعه عبر وسائل الإعلام نشعر بالخوف الشديد"، بحسب ما ذكرت صحيفة ريبوبليكا الإيطالية.

في الواقع، انتقلت صفية للعيش في جنوب غرب فرنسا منذ 10 سنوات، وذلك من أجل مزاولة مهنتها في التمريض بإحدى الحضانات، لكنها لم تتخيل يوماً أن تتحول مدينة بيزييه إلى مختبر أيديولوجي جديد لليمين المتطرف، بعد تولي روبير مينار سلطة المدينة.

sh


"نحو تنقية فرنسا من الإسلام"


من جهة أخرى، حضر العمدة روبير مؤتمراً يحمل عنوان "نحو تنقية فرنسا من الإسلام"، إذ تعدّ هذه الخطوة من بين الخطوات التي يسعى العمدة من خلالها إلى مهاجمة المسلمين في المدينة.

ومنذ انتخابه عمدةً لمدينة بيزيه، عمل روبير على مضاعفة الاستفزازات ضد الجالية المسلمة، من خلال مهاجمة محلات الكباب والأطفال والنساء المحجبات.

وفي هذا الصدد، قالت صفية: "بعد الهجمات الإرهابية، تغيّر كل شيء، الأمر الذي دفع ببعض صديقاتي إلى خلع الحجاب، خوفاً من التعرض لهجوم، لكنني لا أرى أنه حل صائب من شأنه حل المشكل".

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الأحياء في مدينة بيزيه اتخذت تسمية جديدة، نظراً لكثرة تواجد الجاليات العربية والمغاربية فيها، فعلى سبيل المثال اتخذ حي غاريبالدي تسمية "الدار البيضاء الصغيرة".

من جهته، أفاد جون فيليب تورين، رئيس مركز "سيماد" للاجئين، في ردّه على هذه الاستفزازات التي طالت الجالية المسلمة واللاجئين بصفة مقلقة ومخيفة، بأن "عمدة هذه المدينة لا يستطيع فعل شيء ضد اللاجئين، نظراً لأن تمويلنا يأتي من الدولة".

الجدير بالذكر أن هذا المركز يعتبر من أكثر الجمعيات نشاطاً فيما يتعلق بقضايا اللاجئين، حيث تأسس بهدف الدفاع عن اللاجئين السياسيين الإسبان، ويضم اليوم حوالي 50 لاجئاً من سوريا، وإريتريا، والسودان.

فضل جون فيليب الرد ببرود وثقة على حملة العمدة المُعادية للمسلمين والأجانب، ودعاه إلى أن يكون "واقعياً أكثر وعملياً"، وأكد أن "الإجراءات ستكون هي الفيصل". وحتى الآن، فازت هذه المنظمة بالعديد من القضايا.

في الحقيقة، تعمد العمدة مينار، على إثر فوزه بالانتخابات البلدية، استفزاز عائلة سورية وأعلن عن رفضه لها بعبارة "أنتم غير مرحّب بكم هنا". لكن على الرغم من ذلك، أكد رئيس مركز "سيماد" أن العائلة لا تزال تعيش في المدينة حيث حصلت أخيراً على الإقامة.


صرح تورين بأن "مينار أحياناً يعتبر محرضاً بالدرجة الأولى". وأضاف أنه "يشبه ترامب كثيراً، وسياسته تشهد بذلك، لكن الفرق الوحيد يكمن في مدى اعتماده على جهاز الدولة". لكن التحدي الأكبر يظل في مدى تجاوب الدولة مع المركز وقرارات مينار.

وفي هذا الصدد، أشار جون بول فندرمران، مرشح عن اليسار في الانتخابات المحلية لسنة 2014، إلى وضع الحزب بقوله: "سقوطنا يعتبر أكبر دليل على أن كل شيء يستطيع أن ينهار بسرعة كبيرة في أية لحظة".

وبعد توليه قيادة المدينة، عمد مينار إلى قلب المعادلة، بعد مرور 15 سنة من الحكم المتواصل لليمين المتطرف، وبعد التحول في مواقفه من النقيض إلى النقيض، بسبب دعم الجبهة الوطنية له.

وفي هذا الصدد، علّق ديدييه ريبو، مدير تحرير موقع "أونفي"، بأن "مينار انتقل في مدينة بيزييه من اليمين المتطرف إلى أقصى التطرف"، وذلك خلال ردّه على صور الكراهية التي نشرها مينار ضد المهاجرين.

وفي مكتبه، يظهر هذا العمدة وجهين مختلفين ويدعي أنه "القشة التي قصمت ظهر البعير". وقد صرّح مينار بأنه "لا يملك شيئاً ضد المسلمين"، وكان تبريره متمثلاً في أن هذه السياسة من شأنها أن تسهم في مكافحة ارتفاع نسبة البطالة.

وتجدر الإشارة إلى الدور الذي تلعبه إمانويل، زوجة مينار ومديرة موقع "بوليفار فولتير" لليمين المتطرف، في حياة زوجها السياسية، على إثر التحول المفاجئ في مواقفه. صرحت إمانويل قائلة: "يعتبر روبير أهم شخص في حياتي". من جهة أخرى، اعترف مينار بأنه لا يمانع تشبيهه بترامب، كما صرح بأن "ما يقوم به تجاه المسلمين لا يعتبر شيئاً أمام ما يقوم به ترامب". وبعد مرور أسبوعين على هذا التصريح استقبل مينار ممثلين عن الإدارة الأميركية الجديدة.

من جهة أخرى، لا تعتبر مدينة بيزييه مرآة فرنسا فحسب، وإنما أيضاً مقياساً جيّداً للتوترات التي تعيشها هذه الدولة. فبعد هجمات سنة 2015، سجلت فرنسا رقماً قياسياً في عدد الهجمات العنصرية والمعادية للمسلمين. لكنه سرعان ما انخفض هذا العدد خلال السنة الماضية.

في هذا السياق، أفاد المؤرخ الفرنسي والمختص في الهجرة والمواطنة، باتريك ويل، بأن "مسألة الهوية تعتبر المتسبب الأول في الانقسام الذي تعيشه الدولة"، مضيفاً أنه "خلال قضية دريفوس، كنا على وشك الوقوع في حرب أهلية، لكننا نجحنا في تجاوزها بفضل إرساء مبدأ العدالة والمساواة".

كما أردف ويل أن "ذكرى الحرب الجزائرية تبقى بمثابة الجرح المفتوح بالنسبة للمجتمع الفرنسي، لذلك اضطر إيمانويل ماكرون إلى الاعتذار عن اعتباره الاستعمار الفرنسي للجزائر بمثابة "الجريمة ضد الإنسانية".

في المقابل، ظل شعور الخيانة قابعاً في نفوس المقاتلين الجزائريين والمسلمين والقوات الاستعمارية وفرنسيي الجزائر، منذ سنة 1962 خاصة في جنوب البلاد ما ساهم في زيادة التوتر والانقسام.

لقد اندرجت هذه الفكرة، وغيرها من الأفكار من قبيل الرغبة في الانتقام، ضمن النقاشات القائمة حول قضية اندماج المسلمين في فرنسا.

وُلد روبير، عمدة مدينة بيزيه، في مدينة وهران وانتقل إلى مدينة بيزييه في سن التاسعة. وفي تصريحاته أكد أن "أصولنا تشعرنا بالخوف الشديد، وتجعلنا نشعر بأننا غرباء".

من جانب آخر، كان والداه مجبرين على الفرار من الجزائر والانتقال إلى منطقة "ديفيز"، التي شيدت في الستينات لأجل الفرنسيين العائدين إلى الوطن.

وفي الواقع، تعجّ هذه المنطقة اليوم بالمسلمين المغاربة، على غرار محمد، البالغ من العمر 27 سنة، الذي قال إن والدته وُلدت في وهران واضطرت بعد الاستقلال إلى الهجرة بحثاً عن عمل. كما أشار محمد قائلاً: "نحن الآن نعيش في الحي اليهودي، وأستطيع القول إن الكراهية غالباً ما تقبع في التاريخ الذي يضم وجوها مختلفة".

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Repubblica الإيطالية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.