فورين بولسي: حكومة السيسي تشبه أبوالهول.. وبهذه الخطوات يمكن لترامب مساعدة مصر

تم النشر: تم التحديث:
Q
ق

تتشابك مصالح مصر بشكل قوي مع أميركا، حيث إن النظام الحالي في القاهرة يعد شريكاً بالغ الأهمية بالنسبة لإسرائيل. لذلك فإن على الأميركيين، بحسب ما يقول جيمس ستافريديس وهو أدميرال بحري أميركي متقاعد، أن يفعلوا كل ما في وسعهم لمساعدة شركائهم المصريين.

ويشرح ستافريديس الذي يشغل حالياً منصب عميد كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس، في مقاله بمجلة Foreign Policy الأميركية، الخطوات العملية التي ينبغي على إدارة ترامب اتخاذها تجاه النظام المصري الحالي في إطار من العلاقات المترابطة والمصالح المشتركة.


نص المقال


بينما تبدأ إدارة ترامب في التفكير بأفضل السبل لصياغة علاقة ثنائية مع مصر، قد يكون من الجيد وضع أسطورة أبوالهول المصرية في الاعتبار. في الميثولوجيا اليونانية، كان أبوالهول مخلوقاً حقوداً بجسم أسد ورأس إنسان. أما في مصر القديمة فساد الظن بأن أبوالهول هو حارس خيِّر للمعابد، مسلّح بقوة عاتية، وبالحكمة العميقة التي منحتها إياه الآلهة.

تمتلئ حكومة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، مثل أبي الهول الأسطوري، بالعديد من التناقضات التي تجعل من المرجح لها أن تصبح إما مشكلة أو حليفاً مهماً. ستتمثل مهمة إدارة ترامب في صياغة سياسة تضمن النفع المتبادل للطرفين، ويمكنها أن تدفع العلاقات – والشرق الأوسط بالتبعية - في اتجاه مثمر.

هذه أوقات عصيبة بالنسبة لمصر. فبعد الأحداث السياسية المتتالية التي عصفت بها من ميدان التحرير والربيع العربي، فقدت هذه الدولة العربية الحيوية ذات الأغلبية السنية التي تزيد على 90 مليون نسمة هُداها وجرفها التيار بعيداً.

أعادت حكومة الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى البلاد نوعاً من الاستقرار (على حساب المزيد من المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان)، إلا أنه مازال عليها التخطيط لمسار طويل المدى. وهو ما يحمل مخاطر جمّةً، وليس على مصر فقط. سيجعل عدم استقرار مصر منها عامل جذب للدولة الإسلامية، ومصدراً غنياً لتجنيد أفراد هذه الجماعة الجهادية وتوفير الموارد لها.

أظهرت سلسلة المحادثات الأخيرة التي جرت بين خبراء الدفاع الأميركي والحكومة المصرية، العديد من الموضوعات الرئيسية التي ترسم فكر الحكومة المصرية. أولاً، ترى مصر نفسها بمثابة مرتكز استقرار الشرق الأوسط وأمنه. كما أن المنهج الرئيسي للحكومة المصرية، والمكونة من فريق من التكنوقراط الذين جمعهم السيسي، هو "الأمن قبل الإتقان"، ما يعني أنها ستحاول تحسين حقوق الإنسان، إلا أن أولويتها الرئيسية تبقى ضمان الأمن اليومي في الشوارع والتخلص من الإرهاب.

ثانياً، تسعى الحكومة لدفع عجلة النمو الاقتصادي، التي اكتسبت بعض القوة خلال العام المالي الماضي (حوالي 4.2%) بالرغم من التدهور الحاد في قطاع السياحة. وتقوم الحكومة بهذا عبر العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتعاون مع إسرائيل في العديد من المشروعات المشتركة والتكنولوجيا، وإعادة تنشيط قطاع السياحة.

ثالثاً، يرغب المصريون في التأكد من حماية قناة السويس، باعتبارها مصدراً هاماً للدخل القومي، ورمزاً لمجتمع الشحن والخدمات اللوجيستية العالمي، والذي تشعر مصر بمسؤوليتها عنه. رابعاً وأخيراً، تلتزم مصر بعلاقتها مع إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أنها ستسعى للبحث عن شركاء آخرين غير تقليديين.

وعلى الرغم من أن مصر تواجه الإرهاب النابع من الداخل، ومن ضمنه ما يُدعى بمحاولة الدولة الإسلامية اختراق البلاد، تقوم أجهزة الأمن والاستخبارات بعمل جيد فيما يتعلق بالسيطرة على هذا التهديد واحتوائه. كما أنهم يراقبون ليبيا في الغرب وأحداث غزة في الشرق بعين قلقة، بينما يسير التعاون مع أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية على نحو جيد.

على صعيد اقتصادي، قد يزداد النمو الاقتصادي إذا تحسنت السياحة، وانخفض معدل البطالة بنقطة مئوية كاملة. انخفض عجز الميزانية السنوي 10%. كما تسود البيروقراطية المفرطة والفساد بعض الصناعات (الزراعة والمنسوجات والصناعات التحويلية)، إلا أن الحكومة تدرك جيداً هذه المشكلات وتعمل على بذل جهد واضح لإصلاحها. يحتاج المصريون أيضاً إلى تحسين استخدام التكنولوجيا المالية في اقتصادهم، الذي لا يزال 90% منه يسير على نهج الدفع النقدي والاستلام، مع ما يحمله ذلك من أوجه قصور كامنة وقابلية للفساد.

كيف يمكن للولايات المتحدة مساعدة المصريين للاستمرار في مسار إيجابي؟ أين تتلاقى المصالح المتبادلة بين الولايات المتحدة ومصر؟

أولاً، وقبل كل شيء، يجب علينا ضمان علاقات فعالة وجيدة بين مصر وإسرائيل. هذه شراكة إيجابية بالفعل، ذات مصالح أمنية واستخباراتية وتجارية مشتركة بين الجانبين. يمكن للولايات المتحدة تحسينها عن طريق تشجيع مستويات أعلى من التواصل العسكري.

لحسن الحظ، يعرف وزير الدفاع الأميركي الجديد جيمس ماتيس – القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية - جميع اللاعبين بشكل جيد منذ أيام وجوده في الخدمة. عليه إذاً أن يقوم برحلة مبكرة لكلا العاصمتين، مؤكداً أهمية هذه العلاقة، ومقدماً لها مستوى معقولاً من الدعم العسكري والتكنولوجي. كما أن علينا الحذر من الأفكار المثيرة للجدل مثل نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، وهو ما يمكن أن يشعل الغضب في أوساط المصريين العاديين.

العلاقة الرئيسية الثانية من وجهة نظر الولايات المتحدة - والتي أصبحت متوترة على نحو متزايد - هي تلك التي بين مصر والسعودية. وتسعى الرياض لقيادة العالم السني وتريد شريكاً راغباً - وقد يقول البعض "مُطيعاً" - في القاهرة.

يرى المصريون أنفسهم بمثابة القادة الحقيقيين وهم غير مستعدين لمجرد اتباع إملاءات السعودية في اليمن (حيث تقود الرياض الحرب ضد المتمردين الحوثيين) والقضايا الإقليمية الصعبة الأخرى. كما يوجد لدى البلدين أيضاً نزاع لا يمكن القول بأنه غير ذي صلة على جزر في البحر الأحمر والتي لا تزال توتر العلاقات الثنائية بينهما.

يجب على الولايات المتحدة أن تعمل بجد لمساعدة هذين الحلفين شديدي الأهمية ليريا أن الخطر الذي تمثله إيران الشيعية هو المسألة الأمنية الرئيسية في المنطقة. وينبغي على وزير الخارجية الأميركي الجديد ريكس تيلرسون أن يزور الرياض والقاهرة قريباً.

ثالثاً، يمكن للولايات المتحدة المساعدة من خلال تشجيع النمو الاقتصادي في مصر. المشاركة بين الحكومتين الأميركية والمصرية تضفي شرعية دولية على الأخيرة، وهو الأمر الذي يمكن أن يساعدها في جلب الاستثمار الأجنبي المباشر. ومن هذا المنطلق، كانت مكالمة ترامب في وقت مبكر من رئاسته مع السيسي خطوة ذكية.

كما يمكن للولايات المتحدة أيضاً تقديم الدعم الدبلوماسي لمصر عن طريق الهيئات الاقتصادية الدولية بما في ذلك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكذلك في المحافل التابعة للأمم المتحدة. يجب أن تدرك إدارة ترامب أيضاً أن الهجرة إلى الولايات المتحدة هي قضية اقتصادية مهمة لمصر. ويجب أن تُدرك الولايات المتحدة الحاجة إلى السفر الشرعي إلى أميركا للطلاب ورجال الأعمال والأكاديميين المصريين، وغيرهم ممن يمكن أن يساعدوا بفاعلية كسفراء ثقافيين.

رابعاً، يجب أن نعمل مع الشركاء المصريين لضمان أمن قناة السويس، الممر المائي العالمي والحيوي والذي يعتبر جزءاً أساسياً من المشاعات البحرية. سيتطلب هذا مستويات أفضل من تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير الحلول التكنولوجية الجديدة للمراقبة ولإجراءات مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الصناعية البحرية باستمرار.

وأخيراً، يمكن للولايات المتحدة تشجيع الشراكات الإقليمية لمصر بخلاف الشراكات التقليدية مع إسرائيل والسعودية. إمكانية العمليات البحرية والهيدروكربونية في شرق البحر المتوسط ​​من الممكن أن تجعل اليونان وقبرص على حدٍ سواء شركاء محتملين. وينبغي أيضاً ألا ننسى أن الناتو لديه برنامج قوي للتعاون الإقليمي في منطقة البحر المتوسط ​​للدول غير الأعضاء في الحلف، يسمى "الحوار المتوسطي". ويمكن أن يكون هذا مكاناً جيداً لبدء تلك الاتصالات.

بشكل عام، تتشابك مصالح مصر بشكل قوي مع أميركا، وأبرزها (وإن لم تكن وحدها) كونها شريكاً بالغ الأهمية بالنسبة لإسرائيل. على الأميركيين أن يفعلوا كل ما في وسعهم لمساعدة شركائهم المصريين. استقرارهم ونجاحهم سيكون ضرورياً للتقدم النهائي في المنطقة بأسرها.

جيمس ستافريديس أدميرال بحري أميركي متقاعد، ويشغل حالياً منصب عميد كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس.

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign Policy الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.