كيف سيتعامل ترامب مع لبنان؟.. مخاوف من أن يدفع اللبنانيون ثمن تقاربهم مع إيران

تم النشر: تم التحديث:
TH
ث

لعل ما من دولةٍ أخرى تمثِّل هذا القدر من الأهمية الكبرى، بالنسبة للنفوذ الإقليمي لإيران، بقدر لبنان، حيث تضطلع ميليشيات حزب الله الشيعية بدورٍ هائلٍ في البلاد. والآن، بينما يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتصدَّي لسيطرة إيران، يخشى الكثير من اللبنانيين من أن تدفع بلادهم الثمن في النهاية.

وفي دولةٍ تضم 18 فئةً دينيةً مُعترَفاً بهم، يمثِّل الشيعة حوالي 27% من سكان لبنان، بحسب تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية. (فلم يُجرَ تعدادٌ سكانيّ في لبنان منذ 1932).

وكان حزب الله، الذي دخل في عدةٍ مواجهات ضد إسرائيل، هو الميليشيا الوحيدة التي خرجت من رحم الحرب الأهلية في لبنان بين عامي 1975 و1990 بمخزونِ أسلحتها كما هو. ثم تحوَّل حزب الله، بعد الأعوام الخمسة الأخيرة من القتال العنيف في سوريا، إلى واحدٍ من أكبر القوى العسكرية في الشرق الأوسط، وأصبح أقوى بشكلٍ ملحوظ من الجيش النظامي اللبناني متعدِّد الطوائف، بحسب ما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

وبرغم إعلانه منظَّمةً إرهابية من قِبَل الولايات المتحدة، يمثِّل حزب الله أيضاً جزءاً هاماً من الحكومة اللبنانية. وبعد وقوف لبنان في طريقٍ مسدود لمدة عامين ونصف، ضَمَنَ حزب الله صعود حليفه السياسي والقائد العسكري السابق ميشال عون، وهو مسيحي، إلى منصب الرئاسة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وبدوره، وصف الرئيس عون أسلحة حزب الله بأنها "جزءٌ أساسي من دفاع البلاد"، وهو تصريح دفع مبعوث الأمم المتحدة لتذكير الرئيس اللبناني بقرار مجلس الأمن الذي ينادي بنزعِ سلاح الحزب.


سياسة أوباما تجاه لبنان


واختارت إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، نتيجة وعيها لمدى تعقيد ديناميكيات السلطة في لبنان، عدم مواجهة نفوذ حزب الله بطريقةٍ مباشرة. لكنها عملت بدلاً من ذلك على تعزيز مؤسسات الحكومة المركزية اللبنانية، خاصةً الجيش، على أملِ أن يصبح الجيش يوماً أكثر قوة من الميليشيا المدعومة من قبل إيران.

وفي المقابل، تبنَّى الرئيس ترامب موقفاً أكثر جرأة تجاه إيران وحلفائها في بيانٍ مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أثناء زيارة الأخير للولايات المتحدة الأسبوع الماضي، وشدَّد فيه على ضرورة "مجابهة التهديدات التي تمثِّلها إيران ووكلاؤها".

وبلا شك، يُعد حزب الله أهم وكلاء إيران الإقليميين الذين ذكرهم ترامب، ويأتي تغيُّر موقف واشنطن متزامناً مع وصول حزب الله، مستفيداً من انتصارات النظام في سوريا، إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ من السلطة داخل لبنان.

وقال عضو البرلمان اللبناني رئيس حزب الكتائب ذي الأغلبية المسيحية، سامي الجميِّل، الذي ينتمي للتحالفٍ السياسي ذي القيادة السنيُّة والمعروف باسم (14 آذار): "اليوم، يتصرَّف حزب الله كما لو كان صانع القرار الأول في لبنان. وهذا شيءٌ شديدُ الخطورة. لأنه يمكن فرض العقوبات على الدولة اللبنانية بأكملها إذا اعتُبرت تحت مظلة حزب الله. وهذا ما نخشاه".

وهناك عدة طرق قد تستخدمها إدارة ترامب للضغط على لبنان إن أرادت، بدايةً من استهداف البنوك اللبنانية، وحتى تضييق التمويل على الجيش الوطني وعلى 1.5 مليون لاجئ سوري يعيشون في لبنان.

وأوضح إيميل حكيّم، وهو زميل بارز في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: "سيكون لبنان خاصةً عُرضة للتأثُّر بالتصعيد الأميركي الإيراني، فنظامه البنكي مُعرَّضٌ لإجراءاتٍ ماليةٍ يمكن لأميركا فرضها بسرعة وبقسوة".

وقال محافظ البنك المركزي اللبناني، رياض سلامة، لصحيفة وول ستريت جورنال إنه لم يتلق أي اتصالات من الإدارة الأميركية الجديدة. وأضاف أن لبنان قد أقرَّ بالفعل جميع التشريعات البنكية التي طلبتها الولايات المتحدة، ووُضِعَت ضوابط تضمن أن عدم استغلال حزب الله أو إيران نظام لبنان البنكيّ، حيث توضع 65% من الودائع بعملة الدولار الأميركي.

وقال سلامة: "تهدف السياسة العامة التي نتبعها لإبقاء لبنان متحداً مع النظام المالي العالمي. وقطاع البنوك يمثِّل حجرَ أساسٍ للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.. فنحن نُطبِّق القوانين التي نُفِّذت في بلادٍ نقيم معها علاقاتٍ مصرفية أو بلادٍ نستخدم عملاتها في معاملاتنا البنكية. وبهذا يكون القطاع البنكي متوافقاً بطريقةٍ صارمةٍ ولكن عادلة".

وقال: "الحكومية اللبنانية هي حكومة ائتلافية تمثِّل جميع فصائل البلاد، فمن الطبيعي أن يكون حزب الله جزءاً منها. لكن الحكومة تقبل أيضاً حاجتها لأن تكون متوافقة مع المشهد الدولي. لكن لن يكون هناك ما يبرِّر العقوبات لأننا فعلنا المطلوب منا باتباع الممارسات الدولية".

وانتقد حزب الله البنك المركزي والبنوك التجارية بشدة، العام الماضي، لإغلاقها حساباتٍ يُرجَّح ارتباطها بأعضاءٍ في المنظَّمة.

لم يرد حزب الله على رسالة إلكترونية تطلب تعليقه على ذلك.

وأشار النائب علي بزي، المنتمي لحركة أمل المتحالفة مع حزب الله، إلى أن إيقاف الولايات المتحدة المعونة المعطاة للجيش اللبناني سيأتي بنتائجٍ عكسية، في ضوء مواجهة الجيش اللبناني الآن للقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على الحدود السورية.

وقال: "يقوم الجيش اللبناني بعملٍ رائع في الدفاع عن البلاد ضد الإرهابيين. ونحن ندرك قيمة المساعدة من جانب الولايات المتحدة أو أية دولة أخرى في إنجاز تلك المهمة. لكنكم لا تساعدوننا فقط، إنكم بهذا تساعدون أنفسكم أيضاً".

وكانت السعودية قد اقتطعت، العام الماضي، 3 مليارات دولار من تمويلها للجيش اللبناني، وفرضت الكثير من القيود الأخرى على لبنان، وقرَّرت أن تعاقب لبنان على ما اعتبرته ميلاً للبلاد لصالحِ إيران في نزاعِ النفوذ الإقليمي.

لكن العلاقات السعودية اللبنانية استعادت بعضاً من دفئها بعد تنازل أكتوبر/تشرين الأول بانتخاب البرلمان الرئيس عون - فقد تضمَّن ذلك أيضاً تعيين المُرشَّح المدعوم من قبل السعودية، السياسي السُنِّي سعد الحريري، لمنصب رئيس الوزراء.

يقول حلفاء عون إنهم يأملون بأن تدرك إدارة ترامب، مثلما فعل السعوديون، أن حملته ضد إيران لن يفيدها إيذاء لبنان ككل.

وقال المستشار الاقتصادي شربل قرداحي، وهو عضوٌ في التيار الوطني الحر الذي ينتمي إليه الرئيس: "مهما يحدث بين الولايات المتحدة وإيران، تظل مصالح الغرب في لبنان كما هي. فإذا حدث ما يهدد الاستقرار هنا، لن يدفع اللبنانيون وحدهم الثمن".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Wall Street Journal الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.