بعد خسائرها المتتالية أمام القاعدة.. أميركا تستخدم السلاح لتوحيد المعارضة السورية

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

يسقط أكبر معاقل المعارضة شمالي سوريا في قبضة المتطرفين الموالين لتنظيم القاعدة وسط موجة من اقتتال طوائف المعارضة، التي تهدد بانهيار ما تبقى من الثورة المعتدلة.

وتتزامن سيطرة المتطرفين على شمالي غرب محافظة إدلب مع وقف المساعدات التي يقدمها الحلفاء الدوليون إلى جماعات المعارضة المعتدلة.

ويذكر قادة خمسة من تلك الجماعات أنهم علموا في وقت سابق من هذا الشهر من خلال ممثلي الولايات المتحدة ودول أخرى أنهم لن يحصلوا على المزيد من الأسلحة أو الذخيرة لحين توحّدهم وتشكيل جبهة متماسكة ضد المتطرفين؛ وهو الهدف الذي لم تتوحد عليه جماعات المعارضة المتفرقة على مدار 6 سنوات من الاقتتال، بحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، الجمعة 24 فبراير/شباط 2017.

ولا يرتبط تجميد المساعدات والإمدادات بتغير القوى في واشنطن، حيث تشارك إدارة ترامب في مراجعة السياسة الأميركية بشأن سوريا، بحسب ما أورده مسؤولون أميركيون. ولا تشير أيضاً إلى الوقف الكامل للدعم المقدم إلى المعارضة التي تواصل تلقي الرواتب، وفقاً لما ذكره الدبلوماسيون وقادة المعارضة.

بل يتمثل الهدف في ضمان عدم وقوع تلك الإمدادات في أيدي المتطرفين من خلال الضغط على المعارضة لتشكيل قوة أكثر فعالية، بحسب ما نما إلى علم قادة المعارضة.

وبدلاً من ذلك، قام المتطرفون بتوحيد صفوفهم وقتال المعارضة التي تدعمها الولايات المتحدة وجعل الجماعات الموالية لتنظيم القاعدة التي تعايشت الجماعات المعتدلة معها من قبل تتولى المسؤولية عن أجزاء كبرى من إدلب، التي تعد أهم المعاقل التي كانت المعارضة تأمل من خلالها مواصلة تحدي الرئيس السوري بشار الأسد.

ولا تزال جماعات المعارضة المعتدلة تسيطر على مناطق جنوب سوريا والمناطق المحيطة بدمشق وأجزاء من حلب، حيث تقاتل في صف القوات التركية ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش).


تبعات فقدان إدلب


ومع ذلك، يبدو أن فقدان إدلب وسيطرة المتطرفين عليها يمكن أن يطيل مسار وأمد الحرب في الوقت الذي تعقد خلاله الأمم المتحدة محادثات سلام في جنيف تستهدف التوصل إلى تسوية سياسية. وقد بدأت المحادثات أمس الخميس دون تحقيق أي تقدم محتمل.

وسوف تتمكن الحكومة السورية وحليفتها روسيا حالياً من تبرير تكثيف الضربات الجوية في المنطقة، ربما من خلال التحالف مع الولايات المتحدة، التي تقوم بالفعل بتنفيذ ضرباتها الجوية ضد أهداف تنظيم القاعدة في إدلب، بحسب ما أورده محللون.

آرون لوند، زميل مؤسسة سينشري قال: "لقد تم التخلي عن إدلب الآن لصالح الجهاديين. وربما تكون تلك نهاية المعارضة وفقاً لما أدركه مؤيدوها في الخارج. فلن يكون لديهم أي مبررات لتأييدها".

ويبدو أن الهجمات التي يدعمها تنظيم القاعدة ناجمة عن تشجيع روسيا خلال الشهر الماضي على السعي وراء التوصل إلى اتفاق سلام مع نفس جماعات المعارضة المعتدلة التي أيدتها الولايات المتحدة في الماضي، دون تحقيق أي نجاح، من أجل حمايتها من الضربات الجوية الروسية.

وقد شنت جبهة فتح الشام – التي لا تزال تعرف باسمها السابق وهو جبهة النصرة – سلسلة من الغارات وعمليات الاختطاف والقتل ضد جماعات المعارضة المعتدلة والنشطاء والمجالس الإدارية التي يدعمها الغرب في مختلف أنحاء إدلب.

وقد انضمت الجماعات الأكثر تطرفاً لتحالف جديد أسسته جبهة النصرة يُعرف باسم "حياة تحرير الشام". وقد سعت جماعات معتدلة أخرى إلى الحصول على الحماية من خلال التحالف مع أكبر جماعة غير موالية لتنظيم القاعدة، وهي أحرار الشام، التي تشترك في إحدى المدارس الجهادية السلفية التي تعتبرها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، بالغة التطرف.

وقال زكريا ملاحفجي، المسؤول في تجمع "فاستقم"، التابع للمعارضة السورية، والموالي للولايات المتحدة: "تنظيم القاعدة يلتهمنا"، موضحاً سبب اختيار جماعته الانضمام لتحالف أحرار الشام. وقال: "إنه تحالف عسكري فقط يستهدف الحماية من تنظيم القاعدة. ولا نشاركهم آراءهم السياسية".

ولا تزال هناك نحو 10 جماعات تدعمها الولايات المتحدة صامدة أمام ضغوط الانضمام إلى قوات المتطرفين، لكنها تقر بأن قضيتها ميؤوس منها.

وقال العقيد أحمد سعود، الضابط المنشق عن الجيش السوري، الذي يتولى قيادة إحدى وحدات المعارضة في "جيش إدلب الحر" الموالي للولايات المتحدة وإحدى الجماعات غير الموالية للجهاديين: "يسيطر المتطرفون على كل جوانب الحياة وعلى المساجد والمدارس. إنهم يحولون الصبية الذين يبلغون من العمر 14 عاماً إلى متطرفين. وتنتشر عقيدة تنظيم القاعدة في كل مكان وقد تم التخلي عنا تماماً".


تعليق الإمدادات وتوسع القاعدة


ووفقاً لقادة المعارضة، فإنَّ تعليق الإمدادات يبدو أنَّه لن يضمن سوى استمرار تنظيم القاعدة في التوسُّع. وقال ملاحفجي: "إذا توقف دعم المعارضة المعتدلة فبالطبع سيصبح تنظيم القاعدة أقوى".

وبمقتضى برنامج السنوات الثلاث التي أطلقته الولايات المتحدة، تحصل جماعات المعارضة التي تتولى الاستخبارات المركزية الأميركية فحصها بدقة، على الدعم في صورة رواتب وأسلحة خفيفة وذخيرة وكميات محدودة من الصواريخ المضادة للدبابات. ويشرف على تلك الإمدادات مركز العمليات العسكرية الذي يتضمن ممثلين عن تحالف أصدقاء سوريا الذي تدعمه الولايات المتحدة.

وحتى في حالة استعادة الإمدادات، فليس واضحاً ما إذا كانت المعارضة ستكون حالياً في وضع يسمح لها بتحدي تنظيم القاعدة. قامت إحدى جماعات المعارضة بحرق مخازن ذخيرتها بدلاً من السماح لجبهة النصرة بالاستيلاء عليها.

وقد تم بالفعل الاستيلاء على بعض الإمدادات. وقد أوضح مقطع الفيديو الذي بثه التحالف الجديد بزعامة النصرة على يوتيوب هذا الأسبوع مقاتليه أثناء قيامهم بتدمير مخزن للأسلحة الحكومية باستخدام صواريخ أميركية مضادة للدبابات كانت قد حصلت عليها جماعات المعارضة المعتدلة وتمكن حلفاء تنظيم القاعدة من الاستيلاء عليها.

لا تسيطر الجماعات الموالية لتنظيم القاعدة بعد على المعابر الحدودية الرئيسية المؤدية من تركيا إلى سوريا، لكنها تسيطر على طرق الوصول والمدن والقرى المحيطة بها، ما يمكنها من التحكم في أي إمدادات تمر من خلالها، بحسب ما ذكره تشارلز ليستر من معهد الشرق الأوسط.

وقال ليستر: "يسيطر تحالف القاعدة حالياً سيطرة كاملة على كل ما يمر من عبر الحدود. فلابد من توحّد جماعات المعارضة بصورة أكبر قبل أن يتعرض المجتمع الدولي لأي مخاطر".

وتواجه المعارضة حالياً خياراً هاماً، يتمثل في الانضمام للجماعات المتطرفة والمخاطرة بالتعرض للإبادة من خلال الضربات الجوية الروسية والأميركية أو التوحّد لمواجهة تنظيم القاعدة وحلفائه والمخاطرة بالهزيمة على الأرض على يد المتطرفين المدججين بالسلاح والعتاد الأفضل.

ولا ترغب المعارضة في إدلب في تسليم مناطقها إلى المتطرفين والتوجّه للقتال في جبهة أخرى، بحسب ما ذكره النقيب مهند جنيد من جيش النصر، وهي جماعة أخرى تدعمها الولايات المتحدة كانت قد فقدت في الأسبوع الماضي 69 من أعضائها خلال مذبحة اقترفتها إحدى الجماعات الموالية لتنظيم القاعدة بحق المعارضة المعتدلة.

وقال: "سوف ترتدي إدلب بأكملها اللون الأسود، وسوف يمنح ذلك النظام والطائرات الروسية مبرراً لقصفها".

وأضاف سعود، قائد المعارضة، أنه رغم مواجهة جماعات المعارضة المعتدلة لعمليات الإبادة، تظل العداوة قائمة فيما بينها، بما يؤدي إلى منع إقامة التحالف الذي تسعى الجهات الدولية إلى تحقيقه فيما بينها. ويشعر بالاكتئاب بشأن تعرض المعارضة للإبادة.

وأكد أنه "إذا لم نحصل على المزيد من الدعم، سنواصل الاقتتال حتى نموت جميعاً. سوف يراقبنا النظام. فهذا ما يريدونه".

­هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.