قصة رجل أمن فقد عقله.. هكذا يخسر الإنسان ذاكرته في "تلال الأكاسيا"

تم النشر: تم التحديث:
TLALALAKASYA
social media

الذاكرة أغلى ما يملك الإنسان، بل هي البطل الحقيقي والخالد في حياته، وما يتبقى منا بعد الرحيل، وأحياناً ونحن لا نزال على قيد الحياة.

كم نعشق تلك اللحظات السعيدة! ليس فقط لإحساس السعادة الذي يغمرنا؛ بقدر كونها سوف تتحول لذكرى جميلة في حياتنا.

ومع استمرار اهتمام الإنسان بذاكرته، يكره النسيان كثيراً، متجاهلاً كونه طوق النجاة الوحيد؛ كي يتجاوز العثرات، للقدرة على الاستمرار. وتظل الذاكرة كل ما نملك، ونبحث عنه، حتى في كتابات وصور وأعمال من سبقونا؛ كي نتعلم منها، ولنثبت أننا كنا، وما زلنا، أحياء، بل نستحق الحياة.

وكم يؤلمنا مجرد تخيل تلك اللحظة التي تضعف فيها الذاكرة؛ بسبب عوامل السن، والهموم، والمرض. فما بالنا بمرض يصيب الإنسان، يفقده الذاكرة بالتدريج إلى الحد الذي ينسيه أبسط بديهيات الحياة!

هذا ما عناه بطل رواية تلال الأكاسيا، للكاتب هشام الخشن، والصادرة عن مكتبة الدار العربية للكتاب عام 2016.

تتناول الرواية قصة حياة رجل من أهم رجال الأمن في الدولة، الذي يصبح مع مرور الأيام، وتحت أوامر الدولة وحمايتها، أحد أهم رجال الأعمال في مصر، تلك الحياة العملية التي لم يهتم الكاتب بالاسترسال في تفاصيلها، واكتفى بأن نكوّن صورة عنها مما يرويه البطل عن نفسه؛ كونه هو الراوي الوحيد المتحدث حتى عن باقي الشخصيات.

يصاب البطل بمرض خرف الشيخوخة؛ خلل في القدرات العقلية، يبدأ بفقدان تدريجي للذاكرة عن أبسط الأشياء. ومع تشخيص المرض، يقف البطل أمام حقيقة ما سوف يصيبه في المستقبل القريب، من فقدان كل ما يملك من ذكريات ووعي، إلى أن يفقد تماماً القدرة حتى على أداء الوظائف، والمهام اليومية، مثل طريقة المأكل، وارتداء الملابس، وكيف يخطو للتحرك من مكان لآخر.

ذلك الرجل الذي لم يسمح لأدق تفاصيل حياته يوماً أن تخرج عن سيطرته، فكان العقل المدبر لشؤون مَن حوله، يتخذ القرارات نيابة عنهم، وفقاً لما يراه يناسبهم من وجهة نظره، ويبدأ في التنفيذ، ليجد نفسه فجأة مطالباً بترتيب وصيته؛ لإنهاء التزاماته في أسرع وقت، وتحديد مصيره لمن حوله، فماذا يفعلون به حين يصل به المرض مراحله الأخيرة، التي تحوله مثلما وصف الكاتب "للمرحلة التي لا يختلف معها العجوز عن الرضيع إلا في قدرة غالباً محدودة في الوقوف على قدميه".

حين نقرأ أن البطل أصبح أمام اختيار واحد، وهو تسجيل ذكرياته ويومياته، نتوقع أننا بصدد سيرة ذاتية كاملة بأحداث منظمة عن حياة البطل، ليأتي أسلوب السرد داخل الرواية، وترتيب الأحداث بالصيغة التي تنفي ذلك التوقع، لكنها تتوافق مع ذلك الركض المحموم والهستيري من البطل حول ما يباغت الذاكرة، ويتسابق في الوصول إلى الذهن من أحداث.



hshamalkhshn

تدور أحداث الرواية حول مجموعة محددة من الشخصيات الأقرب إلى البطل، بداية من سارة، الحبيبة التي التقاها أثناء إجراءات التأميم لممتلكات عائلتها، فيساعدهم في الخروج من مصر، إلى أن يلتقيها بعد سنوات، ويقرر الزواج منها، بعد أن يبلغها بخطورة مرضه.

ثم تذهب به الذاكرة إلى نهى، ابنته الوحيدة التي شاركته إدارة أعماله، فأوصى بأن تذهب ملكية نصف هذه الأعمال إليها، وأوصى أيضاً بأن يقضي الباقي من عمره بجانبها هي وسارة.

تأبى الذاكرة المريضة أن تساعده، في تناسي ذكرى زوجته ماجدة، شريكة العمر، التي انتهت حياتها إثر حادث مروع وهي بصحبته؛ لتتركه أسير تأنيب ضمير أقوى من ذاكرته الضعيفة.

ثم يصل إلى علاقته بابنه سامي، الطبيب، وهي أكثر العلاقات تعقيداً؛ فهو يمثل الابن الذي عانى كثيراً من تحكم الأب في أدق تفاصيل حياته الشخصية. ترى ماذا يفعل الابن حين يعلم بأن الأب سوف يتحول إلى كيان فارغ لا يملك مِن أمر نفسه شيئاً؟

مع اختلاف هذه الشخصيات، وتنوع أدوار كل منهم في حياته، واختلاف علاقته بهم، يتشابه الجميع في المصير بالنسبة إليه؛ فمع مرور الوقت، تتحول هذه الشخصيات بالنسبة إليه لمجرد وجوه قد يحدثهم عنهم بصيغة الغائب وهم أمامه، وجوههم خالية من الحياة، أم ليس لذاكرته المعدومة علاقة بما يرويه، فيعتبر حكاياته عنهم بمثابة مراجعة من البطل لنفسه، وطبيعة علاقاته بمن حوله.

لم يهتم الكاتب بوصف البطل من ناحية ملامح الوجه وصفاته الشخصية؛ فاكتفى بأن نتخيل هذه الملامح من حكايات البطل ذاته، ومجرى الحياة التي يرويها، ولعل الكاتب أراد أيضاً أن يرى كلٌّ منا نفسه في مكان البطل؛ ليشعر بما يشعر به، ويتساءل ماذا لو كان في نفس ظروفه؟ ومن أين يبدأ؟ وكيف يحمي نفسه من الموت البطيء، ويواجه إحساس أن يحيا الحياة بكل مباهجها واستقرارها؟ وكيف يكون سيدها، وفجأة تتحول إلى سراب؟ وهل في حياتك من تستطيع أن تشاركهم، وتأمنهم على تلك الذكريات بالحكي، أو الكتابة؟

يناقش الكاتب كذلك من خلال مراجعة البطل لحياته المشاعر المتضاربة التي تتملك الإنسان في ذلك الوقت، حين يوضع أمام مصير صعب، على يقين من مواجهته في المستقبل، وكيف يحكم ضميره بشكل مجرد في كل خطوات حياته، للحد الذي يصل به إلى أحكام تتعارض مع تدينه، وقناعة قراراته، وخطوات حياته السابقة، والمظاهر التي يحياها. وهل فقدان الذاكرة هو فقدان للوجوه فقط، دون الأحداث المرتبطة بها، أم العكس؟

تنتهي أحداث الرواية في إحدى قاعات المحاكم، للفصل في قضية بين ابني البطل؛ نهى وسامي، متنازعين حول أحقية أي منهما في الوصاية على والده، بعد أن قرر سامي إيداع الأب إحدى دور الرعاية، تعرف باسم تلال الأكاسيا، في حالة صدور الحكم في القضية لصالحه.

ويبقى تساؤل واحد مع نهاية الأحداث عن كيفية استطاعة البطل أن يروي العديد من الذكريات، مع مداهمة آثار المرض، وتدهور حالته؛ ليجيب الكاتب أنه، مع قسوة هذا المرض، لا يخلو من لحظات صحوة ذهنية، يستطيع معها الإنسان أن يتذكر كل شيء عن نفسه، ويروي ما يتذكره بدقة، لكن فقط في حالة رؤيته لوجه، أو شيء مألوف، وقريب بدرجة كبيرة إلى نفسه؛ ليبرهن الكاتب أن ذاكرة الإحساس الصادق بالغير، ومشاعرك الإيجابية تجاههم، هي الأبقى والأقوى على الإطلاق.