فيسك: الانتصار على داعش في الموصل يعني الهزيمة في دير الزور .. وهذه السيناريوهات المتوقعة للمعركة

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

اعتبر الكاتب والمحلل البريطاني روبرت فيسك، أن انتصار الجيش العراقي على تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في مدينة الموصل، قد يتسبب في هزيمة كبيرة لقوات النظام السوري في مدينة دير الزور، الواقعة على الحدود العراقية.

فيسك أشار في تقرير له بصحيفة "الإندبندنت" البريطانية، إلى أن عناصر التنظيم الجهادي سوف ينسحبون من الموصل ويشقون طريقهم غرباً نحو دير الزور في حال هزيمتهم في الموصل، ومن ثم يتمكنون من زيادة الحصار وتشديد الخناق على قوات النظام السوري المحاصرة منذ 5 سنوات.

وأضاف فيسك، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يدرك الطبيعة الجغرافية للعراق، في الوقت الذي يتشوق فيه لتحقيق نصر على داعش، من أجل تنفيذ أهم وعد انتخابي له، إلا أن ذلك ستكون له انعكاسات إنسانية كبيرة، على غرار ما حدث في حلب السورية.

وإلى نص التقرير:

"إعادة السيطرة على غرب الموصل تبدأ"، أو هكذا أعلنت العديد من عناوين الأخبار في الصحافة العربية. وصحيح أنَّ الجيش العراقي وحلفاءه من الميليشيات الشيعية، وأعداداً قليلة رمزية من الجنود من كلٍّ من الولايات المتحدة، وتركيا، وبريطانيا، والقوات الكردية قد سيطروا على بعض القرى الصغيرة التي غادرها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بالقرب من المطار القديم بالموصل، إلّا أنَّه من المُرجَّح أن يستغرق الأمر أسابيع، وربما شهوراً، قبل أن يتمكَّنوا من إعلان الانتصار على داعش في الموصل. وحتَّى إذا ما نجحوا، فإنَّ الضربة الحقيقية قد تُوجَّه نحو مدينةٍ سورية تقع على بُعد مئات الأميال إلى الغرب.

فخلف سحب الغبار ونيران القصف الناتج عن الهجوم العراقي المُدرَّع الأخير على داعش غربي الموصل، والوعود المعتادة بالنجاح من رئيس الوزراء العراقي وجنرالات أميركيين عديدين، تقع مدينة دير الزور السورية، ويُحاصِر داعش الآن القوات الموالية للحكومة التي تدافع عن المدينة، وربما كذلك 90 ألف مدني في اثنين من جيوب المقاومة في الصحراء.

وصمدت قوات النظام، التي تُمَد بالمؤن من خلال المروحيات، ويقودها أحد الجنرالات السوريين الأقوياء من طائفة الدروز، على مدى 5 سنوات. لكن إذا ما غادر داعش الموصل خلال الأسابيع المقبلة، فإنَّ مقاتليه على الأرجح سيحثُّون الخطا مسافة 340 ميلاً غرباً إلى المدينة السورية المُحاصرة لدعم رفاقهم هناك. وبعبارةٍ أخرى، الانتصار في الموصل يمكن أن يعني هزيمةً في دير الزور.

وبطبيعة الحال، ليست تلك هي الطريقة التي يُروَّج بها للأمر. إذ يبدو جلياً أنَّ الرئيس دونالد ترامب، الذي بكل إدراكه الخاطئ لجغرافيا المنطقة، متناسياً أنَّ الانتصار في المعارك ضد داعش في الموصل قد أُعلِن 4 مرات على مدار السنوات الثلاث الماضية، بحاجةٍ إلى انتصار ضد تنظيم داعش في الشرق الأوسط. فمن شأن ذلك أن يكون هو التعهُّد الانتخابي الأول الذي سيكون قادراً على الوفاء به؛ وهو بلا شك السبب الذي تواجد من أجله الجنرال جيم ماتيس، الذي حصل على لقبه "الكلب المسعور" في العراق، في بغداد لتشجيع تقدُّم القوات الموالية للولايات المتحدة وذات الغالبية العربية في معركة الموصل.

ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الذي تعهَّد ذات مرة بتحرير كامل الموصل بحلول ربيع العام الماضي بعد سيطرة داعش على المدينة في 2014، بحاجةٍ ماسّة إلى انتصارٍ جديد على عدوٍ قضت هجماته الانتحارية المُتعدِّدة على نحو 50% من مقاتلي الفرقة الأفضل تدريباً في جيشه. ومن المُرجَّح ألّا تكون الدبابات أو العربات المُدرَّعة ذات فائدة كبيرة للجيش العراقي خلال القتال في المدينة القديمة ذات الشوارع الضيقة غربي الموصل. وتعيد الغارات الجوية على أكثر من نصف مليون من السكان غربي الموصل إلى الأذهان كوابيس حلب الشرقية، حينما تعالت إدانات القادة الغربيين للهجمة الجوية السورية والروسية على المقاتلين الإسلاميين.

وعلى الرغم من الهجوم العراقي "الجديد"، الذي يُشبه كثيراً سابقيه بالنظر إلى سيطرته على القرى الكبيرة الخالية فقط إلى الآن، إلّا أنَّ السيناريوهات مألوفة على نحوٍ مؤلم: إذ يُوجَد نحو 650 ألف مُحاصر خلف الخطوط التي يسيطر عليها داعش، والقليل فقط من طرق الهروب، ونهر دجلة الكبير كأحد الخطوط الأمامية في المواجهة. ومن المفارقات أنَّ دير الزور، التي يتعلَّق مصيرها بمصير الموصل، تقع على طول النهر التوأم القديم لدجلة، الفرات، والذي يتدفَّق ملاصقاً للخطوط الأمامية لداعش في سوريا متجهاً إلى الغرب. وفي وقتٍ سابق هذا العام، تمكَّن داعش من تقسيم المنطقة التي تسيطر عليها الحكومة السورية في دير الزور إلى قسمين، وتمكَّنت القوات السورية من الحفاظ على السيطرة على مطار المدينة بشق الأنفس بعد غارةٍ جوية أميركية قتلت أكثر من 60 جندياً سورياً. وقال الأميركيون إنَّ ذلك كان خطأً. بينما قال السوريون إنَّه كان مُتعمَّداً.

ومع عدم القدرة على لجم الضرر الذي سبَّبه قرار الرئيس الذي حظر هجرة العراقيين إلى الولايات المتحدة، أُلقيت مسؤولية لئم الجروح الأخرى -التي تسبَّبت بها إشارة الرئيس ترامب إلى أنَّ القوات الأميركية كان عليها أن تسيطر على نفط العراق بعد الغزو الأميركي البريطاني للبلاد في 2003- على عاتق وزير الدفاع، جيمس ماتيس.

وقال ماتيس للعراقيين إنَّ أميركا ليست "في العراق للاستيلاء على نفط أحد". إلّا أنَّ تصديق ذلك قد يكون أمراً عسيراً بالنسبة للقوات العراقية التي تلقَّت الآن أوامر لشق طريقها إلى الشوارع المُلتهِبة غربي الموصل. وكالعادة، سينشر الأميركيون، والبريطانيون، والأتراك قواتهم الجوية، لكنَّ الكثير من القتال سيكون على الأرض، وأغلب القتلى، سيقعون على يد العراقيين والأكراد وأعدائهما في داعش.

قد يُكتَشَف أنَّ الـ650 ألفاً من المدنيين المحاصرين غربي الموصل هو رقمٌ مبالغ فيه. إذ بدا أنَّ الـ250 ألفاً من الرجال، والنساء، والأطفال المحاصرين في حلب الشرقية كانوا أقرب إلى رقم 90 ألفاً فقط، بمجرد انتهاء المعركة واستعادة الإحصاءات لمصداقيتها. لكنَّ الأمم المتحدة ووكالات حقوق الإنسان الأخرى عليها الاستعداد للأسوأ، أيَّا ما كانت تنبؤات الجنرالات والساسة والصحفيين.

ودوماً ما تكون المقارنات مع الحرب العالمية الثانية مُضلِّلة، لكنَّ دعاية الصراع خلال تلك الحرب ما زالت تنطوي على دروس وعِبَر لحروب اليوم. إذ أعلن هتلر "الانتصار" في معركة مدينة ستالينغراد في خريف العام 1942. وقد استغرق الأمر من الروس 16 شهراً من أجل استعادة السيطرة على المدينة. بينما المعركة الأخيرة في الموصل بدأت قبل أربعة أشهر فقط.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Independent البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.