تصنيف الإخوان "تنظيماً إرهابياً" يُثير قلق حلفاء لأميركا.. ماذا يفعل ترامب بوعده إزاء الحركات الإسلامية؟

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

في المغرب، من شأن الأمر أنَّ يُطيح بتوازنٍ سياسيٍ هَشّ. وفي الأردن، قد يَحوُل دون لقاء دبلوماسيين أميركيين بقادة المعارضة. وفي تونس، قد يجعل ذلك من حزبٍ سياسي، يُنظَر إليه باعتباره نموذجاً للديمقراطية بعد الربيع العربي، تنظيماً إجرامياً.

من بين كل مبادرات إدارة ترامب التي وضعت العالم العربي على حافة الهاوية، لا شيء قد يُزعزِع الحياة السياسية الداخلية لشركاء الولايات المتحدة في المنطقة بالقدر الذي سيفعله الاقتراح الرامي إلى تجريم جماعة الإخوان المسلمين، الحركة الإسلامية البارزة التي تحظى بالملايين من الأتباع، وفقاً لما ذكر تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

إذ يقول إسكندر العمراني، المُحلِّل ضمن مجموعة الأزمات الدولية الموجودة في المغرب، حيث فاز حزبٌ تابع لتنظيم الإخوان المسلمين بالانتخابات الأخيرة في أكتوبر/تشرين الماضي، إنَّ "التأثير سيكون عظيماً. إذ قد يُزعزع استقرار بعض البلاد، ويحفز القوى المناوئة للإسلاميين فيها على الإصرار على مواقفها. ومن شأن ذلك أن يزيد حالة الاستقطاب".


تصنيف الجماعة


تدور القضية حول مقترحٍ طرحه مساعدو ترامب يقضي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين، التي يبلغ عمرها 89 عاماً، كياناً إرهابياً أجنبياً. ومن غير الواضح أي الجماعات والتنظيمات سيشمل ذلك القرار، لكنَّ نطاقه المحتمل شاسع للغاية: فجماعة الإخوان المسلمين، التي تأسَّست في مصر، تطوَّرت حتى أصبحت شبكةً فضفاضةً تنتشر في حوالي 24 بلداً. وتخلَّت الجماعة عن العنف رسمياً.

بالنسبة لترامب، هذا الجدال حول تصنيف الجماعة هو محاولةٌ للوفاء بوعدٍ قطعه أثناء حملته الانتخابية. إذ أوضح ترامب خلال الحملة أن مقاربته تجاه الشرق الأوسط ستركز على مكافحة الإرهاب، وهو ما جاء موافقاً لتطلعات مؤيديه في أميركا الذين يرون كل الحركات الإسلامية، وحتى كل المسلمين، أعداءً محتملين.

وعلى الرغم من ذلك، أثارت الوتيرة السريعة والتطبيق المُثير للجدل لقرارات ترامب المُبكِّرة القلق في كثيرٍ من مناطق الشرق الأوسط. ويتابع الآن الكثيرون الإدانة المُحتَمَلة للإخوان المسلمين باعتبارها مؤشِّراً على ما سيحدث في المستقبل.

s


صدام الحضارات بين ترامب وأوباما


وقال عماد شاهين، وهو أكاديمي مصري معارض يُحاضِر في جامعة جورج تاون، إنَّ "إدارة أوباما قد ذهبت بنا بعيداً عن سردية "صدام الحضارات". لكنَّ ترامب يجرَّنا إليها بصورةٍ أعمق".

ولكن ليس الجميع مستائين من فكرة تصنيف الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً.

أحد الرؤساء الذين سيسعدهم هذا التصنيف هو الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الجنرال السابق الذي قاد حملةً شرسة ضد الإخوان المسلمين منذ عزل الجيش المصري للقيادي بالإخوان المسلمين، محمد مرسي، من منصب الرئاسة في 2013. وعلى الأرجح ستدعم السعودية تلك الخطوة، وكذلك الإمارات.

لكن، في البلدان التي تُعَد الأحزاب المُرتبِطة بالإخوان المسلمين فيها جزءاً مهماً من البرلمان، أو تشارك في السلطة، يقول الخبراء إنَّ توجيه إدانةٍ شاملة للإخوان المسلمين قد تكون له تداعياتٌ خطيرة على الحياة السياسية الداخلية فيها، وكذلك على الدبلوماسية الأميركية، والمعركة الأوسع ضد التطرُّف الإسلامي.

ففي الأردن، الحليف المهم في المعركة ضد الجماعات الجهادية، يُشكِّل الإسلاميون كتلةً مهمة داخل البرلمان رغم حجمها الصغير. وقد يتعرَّض حزب النهضة التونسي، الذي نال إشادةً واسعة بسبب مشاركته الديمقراطية ونهجه المعتدل منذ 2011، إلى النبذ والازدراء. وقد يُعتَبَر رئيس الوزراء المغربي، بشكلٍ ما، شخصاً مجرماً.

وقال جيرالد فايرستاين، السفير الأميركي السابق لدى اليمن، والذي يعمل حالياً في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، إنَّ خطوةً كتلك، بينما ستؤدي إلى التخلُّص من بعض الجماعات غير المرغوب فيها، ستُضر كذلك ببعض الحلفاء المفيدين.

ويبدو أنَّ الزخم الذي صاحب مثل هذا التصنيف في البداية قد تباطأ. إذ حذر تقييمٌ مُسرَّب لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) من أنَّ عزل الإخوان المسلمين سيؤدي فقط إلى تمكين الجماعات الجهادية؛ كما يُشكِّك بعض الخبراء في أنَّ تصنيفاً واسع النطاق كهذا سيتمكَّن من الصمود أمام أية مواجهة قانونية واسعة.

لكنَّ مجرد حقيقة أنَّ حظر التنظيم يُدرَس حالياً من جانب مساعدي ترامب يُنظَر إليها كنذير شؤم في منطقةٍ تتوازن فيها السياسة والدين بحذر في وضعٍ غالباً ما يكون غير مستقر.

أعاد هذا التصنيف المُقتَرح أيضاً التأكيد على إعجاب ترامب الواضح بالسيسي، والذي تعرَّض لوابلٍ من الانتقادات الدولية بسبب سجل بلاده المروِّع في حقوق الإنسان خلال السنوات الأخيرة. وقد أشاد ترامب به كـ"رجلٍ رائع" يحظى بـ"تفاهمٍ جيد" معه.

ومنذ لقاءٍ مبدئي جمع بينهما في الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي، تحدَّث الرئيسان هاتفياً عدة مرات، وكان السيسي أول رئيسٍ أجنبي يُهنِّئ ترامب بفوزه في الانتخابات في نوفمبر/تشرين الثاني، ويجري الآن التحضير لزيارةٍ سيقوم بها السيسي إلى واشنطن.

وفي اتصال هاتفي بحث الرئيسان الأميركي والمصري مكافحة الإرهاب والتطرف الشهر الماضي، بحسب بيان صادر عن الرئاسة المصرية والبيت الأبيض.
وقال شون سبايسر، المتحدث باسم ترامب، إن الرئيس الأميركي "أكد التزام الولايات المتحدة بالعلاقات الثنائية بين البلدين التي ساعدتهما على مواجهة التحديات في المنطقة لعقود".

أما المتحدث باسم الرئاسة المصرية فقال في بيان إن ترامب "أبدى تقديره لما تحملته مصر من صعاب خلال حربها ضد الإرهاب"، وأكد التزام الإدارة الأميركية بدعم مصر، وفقاً لما ذكرت موقع قناة بي بي سي.

تريد مصر من الولايات المتحدة استئناف برنامج التمويل العسكري الذي جُمِّد من قِبَل الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في 2013، ويوفر لمصر مليارات الدولارات لشراء الأسلحة باهظة الثمن، مثل طائرات "إف 16" الحربية، ودبابات الـ"أبرامز" من طراز "إم 1 ايه 1".


ماذا يريد السيسي؟


ورغم ذلك، فإن مصافحة ترامب للسيسي داخل البيت الأبيض في زيارتهما القادمة هي أكثر ما يهم السيسي، إذ إنَّ مصافحةً كتلك ستضفي شكلاً من الشرعية عليه بعد أن كان أوباما يتجنب التواصل معه.

يقبع عشرات الآلاف من معارضي السيسي في السجون المصرية، ويتعرَّض العاملون في مجال حقوق الإنسان للمضايقات بصورةٍ منتظمة، وواجهت قوات الأمن التابعة للسيسي اتِّهاماتٍ بالقتل خارج إطار القانون.

وبالنسبة للبعض، يُظهِر ذلك عزم ترامب على اتِّباع نهجٍ في الشرق الأوسط لن يتسامح فقط مع الزعماء والملوك، بل وسيسعى حثيثاً كذلك إلى دعمهم، وهو ارتدادٌ في السياسة الأميركية يُعيد إلى الأذهان التعاون الأميركي مع المُستبدِّين كشاه إيران خلال العقود الماضية.

وقال فايرستاين في معهد الشرق الأوسط: "من السهل القول إنَّك ستقف إلى جانب أصدقائك. لكنَّ النظم الاستبدادية دائماً ما تكون هَشَّة، وضعيفة. اعتقدنا أنَّنا سنقف بجانب شاه إيران إلى أن جاء اليوم الذي استقلَّ فيه طائرةً وغادر البلاد. والآن ما نتيجة ذلك؟ حظينا بـ40 عاماً لم نستطع خلالها إقامة علاقاتٍ مع إيران".

y


إساءة فهم الجماعة


يُصر مسؤولو الإخوان المسلمين على أنَّ إدارة ترامب تُسيء فهم الجماعة. ففي رسالةٍ مُسرَّبة من داخل السجن المصري شديد الحراسة الذي يُحتَجَز فيه جهاد الحدَّاد، المُتحدِّث باسم جماعة الإخوان المسلمين، أقرَّ جهاد بأنَّ حزبه قد ارتكب أخطاءً جسيمة خلال العام الذي أمضاه في الحكم في مصر بين 2012 و2013. وقال، مشيراً إلى "الدروس الصعبة المُستفادة من الربيع العربي"، إنَّ جماعة الإخوان المسلمين قد أخفقت في الاستماع إلى المعارضة الصاخبة لملايين المصريين الذين لم يُعجَبوا بإجراءات محمد مرسي.

لكنَّ، كما يُصرّ الحدَّاد، الحركة تخلَّت عن سفك الدماء. وكتب: "أخطاؤنا كثيرة، لكنَّ العنف ليس أحدها".

وفي مناطق أخرى، يمكن أن يكون فهم الواقع أكثر صعوبة. فبحكم طبيعة الإخوان المسلمين السرية، تتَّخذ الجماعة أشكالاً مختلفة في مختلف أنحاء العالم. ففي بعض المناطق، تخلَّى أعضاؤها عن أعمال العنف، بينما العنف هو سياسة الجماعة في مناطق أخرى. كفرع الجماعة في فلسطين، حركة حماس، الذي يُنَفِّذ تفجيراتٍ انتحارية؛ وفي مصر، حيث اتُّهِمَ شبابٌ غاضبون مؤيدون للجماعة بمهاجمة قوات الأمن التابعة للسيسي.

لكنَّ ذلك لا يجعل من ملايين الأشخاص الذين يدعمون الأيديولوجيا السياسية للإخوان المسلمين في العديد من البلدان إرهابيين.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية، للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.