أزمة تاريخية تهدِّد الصحف المصرية.. لهذه الأسباب فقدت ثقة القارئ

تم النشر: تم التحديث:
EGYPTIAN NEWSPAPERS
Anadolu Agency via Getty Images

تعيش الصحافة المطبوعة في مصر، ومنذ سنوات، أزمة يعتبرها البعض "الأشد في تاريخها"، حيث تعاني "السلطة الرابعة" انحساراً بلغ حد إغلاق بعض الصحف، وتراجع توزيع ما تبقى منها، خاصة بعد تظاهرات 30 يونيو/حزيران 2013 والإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي.

هذا الحال، وفق مختصين، يعود إلى خمسة أسباب: "نفاق" الصحف للنظام الحاكم أياً كان؛ ما أفقدها المصداقية، ونمطية المحتوى الصحفي، مقابل تطور المحتوى الإلكتروني، والتضييق على الحريات العامة، والانقسام السياسي المجتمعي الحاد، فضلاً عن وضع اقتصادي متردٍ في مصر.


إغلاق وتراجع


حسب دراسة لمعهد العربية للدراسات (تابع لقناة العربية السعودية)، بعنوان "خريطة الإعلام في مصر بعد الثورة"، نشرت في 12 فبراير/شباط 2013، فإن عدد الصحف التي صدرت عقب ثورة يناير/كانون الثاني 2011، بلغ 25 صحيفة، هي: 11 حزبية، و13 خاصة، وواحدة حكومية تابعة لمؤسسة الأهرام.

وعقب الإطاحة بمحمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً، في 3 يوليو/تموز 2013، صدر حكم قضائي، يوم 25 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، بحظر أنشطة جماعة الإخوان المسلمين، المنتمي إليها مرسي، بما يتضمن صحيفة "الحرية والعدالة"، الناطقة باسم حزب "الحرية والعدالة"، الذراع السياسية للجماعة، التي أنشئت عام 1928.

وبعد أكثر من شهر، وتحديداً في 29 يناير/كانون الثاني 2014، جرى إغلاق جريدة "الشعب"، الناطقة باسم حزب "الاستقلال" (العمل سابقاً- إسلامي معارض)؛ إثر تقدم الحكومة المصرية ببلاغ إلى النائب العام يتهم الجريدة بـ"التحريض على العنف، وتهديد الأمن القومي".

وفي آخر تقرير له خاص بالمطبوعات، رصد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) تراجع عدد الصحف الصادرة في مصر عام 2015، مقارنة بالعام السابق له، فضلاً عن تراجع توزيع الصحف المصرية داخلياً وخارجياً.

ففي ذلك العام، صدرت 75 صحيفة، بين حزبية وخاصة وقومية (مملوكة للدولة)، بمعدل توزيع 560.7 مليون نسخة، مقارنة بـ80 صحيفة صدرت عام 2014، بمعدل توزيع بلغ 655 مليون نسخة، فضلاً عن تراجع عدد الصحف الحزبية من ثمان في 2014 إلى ثلاث صحف فقط عام 2015.


"نفاق" للنظام


جمال سلطان، رئيس تحرير جريدة "المصريون" (خاصة) قال إن "تراجع الصحف المصرية يعود إلى أسباب عدة، منها نفاق غالبية هذه الصحف لثورة 2011 ورموزها، ثم تغييب هذه النبرة بعد انحسار الموجة الثورية؛ مما أثر على مصداقية بعض الصحف، وتسبب في تراجع توزيعها".

ودلل سلطان، على رأيه بأن "بعض الصحف القومية كالأهرام (حكومية) كانت تفرد صفحات كاملة للحديث عن فضائل الثورة، ثم اختفى ذلك بعد شهور من الأحداث".

متفقاً مع سلطان، لكن بنظرة أشمل، قال صفوت العالم، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إن "الخطاب الإعلامي في مصر دائماً يطوع نفسه مع كل مرحلة سياسية، وحتى لو لم يغير النظام (الحاكم) الجديد الإعلام، فإن المؤسسات الإعلامية تطوع نفسها لتسايره".

العالم مضى قائلاً، إنه "يمكن القول، وبكل ثقة، إنه لو لم يسقط نظام (حكم) جماعة الإخوان، لكان الإعلام المصري كله تقريباً تحول إلى التأييد الكامل لهم.. هذا الوضع أفقد الصحف مصداقيتها".

ولفت إلى "وجود علاقة تبادلية بين الإعلام والنظام السياسي في معظم الدول التي تتعامل مع ملف الحريات بشكل تكتيكي.. هناك إعلاميون وصحفيون يترجمون خطابات الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مصطلحات يظهر فيها الرياء، تطوعاً منهم دون طلب من السلطة".

وتولى السيسي، الذي كان وزيراً للدفاع حين أطاح الجيش بمرسي، الرئاسة عام 2014، إثر فوزه في انتخابات رئاسية.


تراجع الحريات


تدهور أوضاع الصحف المصرية يعود أيضاً، وفق رئيس تحرير "المصريون"، إلى "انحسار الموجة الثورية، وتغير المناخ السياسي، فالأجواء بعد ثورة 2011 كانت منفتحة ومحفزة؛ ما سمح بالانفتاح والحرية، أما الآن فكل هذه المعاني غائبة".

سلطان تابع أن "إغلاق المجال العام تسبب في تقلص الصحف، ووضع خطوط حمراء لا يتجاوزها الجميع، إضافة إلى إغلاق بعض الصحف، مثل الحرية والعدالة، بموجب إجراءات قانونية".

وأيد خالد البلشي، مقرر لجنة الحريات في نقابة الصحفيين المصريين ما ذهب إليه سلطان، معتبراً أن "الصحافة المصرية تتعرض ﻷشد أزمة في تاريخها، فهي في أسوأ عهودها على الإطلاق".

البلشي زاد قائلاً، أن "توزيع كل الصحف تراجع؛ بسبب التضييق على الحريات العامة وانغلاق الأفق السياسي، وهو وضع يشمل كل الصحف، ما صدر منها قبل ثورة يناير أو بعدها".

وتابع أن "بعض الصحف نشأت عقب الثورة، لكنها لم تكن أبداً منتمية إليها، كتلك التي نشأت برؤوس أموال رجال أعمال، أو للدفاع عن مصالح سياسية معينة".

كما أن الحكومة المصرية، وفق العالم، "تزج بنفسها في التشريعات الإعلامية، وتضيف نصوصاً تمنحها حق التدخل في عمل الصحف.. فالحكومة تترجم تناول الرئيس السيسي للإعلام في خطاباته ونقده له إلى مزيد من التضييقات القانونية، وهو ما ظهر واضحاً في مشاريع قوانين اقترحتها الحكومة وأقرها البرلمان".

ووافق مجلس النواب المصري، في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2016، على قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام، الذي يلقى اعتراضاً من نقابة الصحفيين، إذ تعتبر أنه "يسمح بسيطرة السلطة التنفيذية على الإعلام".


انقسام مجتمي


الإطاحة بمرسي بعد عام واحد من فترته الرئاسية يعتبرها قطاع من المصريين "انقلاباً عسكرياً"، بينما يعتبرها قطاع آخر "ثورة شعبية على حكم الإخوان استجاب لها الجيش"، وهو ما أحدث انقساماً مجتمعياً له تداعيات واسعة وعميقة.

مجدي شندي، رئيس تحرير صحيفة "المشهد" (خاصة) قال إن "الظروف السياسية أثرت سلباً على الصحف، فانقسم المجتمع إلى إخواني معارض للسلطة الحالية، وهو وصف يطلق على أي منتقد للنظام الحاكم، وآخر مؤيد. وكلاهما يرفض الاختلاف، ولا يسمع إلا صوته، وهذا استقطاب سياسي حاد ضرب المجتمع المصري بعد أحداث 30 يونيو/حزيران 2013 (احتجاجات شعبية طالبت بانتخابات رئاسية مبكرة، وانتهت بإطاحة الجيش بمرسي)" وجعل قسماً من المجتمع يعزف عن قراءة الصحف.

طرح شندي أيده أحمد عبد العزيز، عضو لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، حيث رأى أن "السبب الجوهري في تراجع الصحف هو المناخ السياسي السيئ، فضلاً عن تعرض عدد كبير منها إلى مضايقات، كما حدث مراراً مع صحيفة المصريون، وغيرها من صحف توقفت أثناء طباعتها لاعتراض جهات أمنية على محتواها".

عبد العزيز أردف قائلاً أن "المضايقات لم تسلم منها حتى الصحف التي أيدت سلطة ما بعد 30 يونيو/حزيران 2013، كوقف طباعة عدد من جريدة صوت الأمة في مايو/أيار 2016؛ بسبب تحقيق صحفي بعنوان (أحزان الرئيس)، كما رُفض محتوى بجريدة الوطن (خاصة)، في مارس/آذار 2015؛ جراء تحقيق صحفي تناول تهرب 13 جهة سيادية في مصر من دفع الضرائب، وعلى رأسها مؤسسة الرئاسة".


ضعف.. وتطور


لكن لتراجع توزيع الصحف المصرية أيضاً أسباب داخلية منها، وفق رئيس تحرير "المصريون"، أن "محتواها أصبح نمطياً، ولم يعد القارئ يتوقع منها نشر محتوى جيد، لذا زهد القارئ فيها، وأصبح يفكر جيداً في مدى مناسبة محتواها للمبلغ المدفوع فيها".

وهو ما يرجعه صفوت العالم إلى أن "المرحلة الحالية لم تفرز كتاباً وصحفيين قادرين على التعبير عنها، وجذب الرأي العام، وبالتالي تراجع توزيع صحف واضطر بعضها إلى الإغلاق".

بالمقابل، ووفق العالم، فإن "المحتوى الإلكتروني أصبح سابقاً للمطبوع، وبالتالي انصرف الكثير من القراء إلى متابعة ما يريدون عبر شبكة الإنترنت، لاسيما وأن الصحف المطبوعة تتناول أحياناً أحداثاً تابعها الناس بالفعل (في اليوم السابق) على مواقع التواصل الاجتماعي".


أزمة اقتصادية


وعامة، تمر مصر بأزمة اقتصادية قادت، في 3 نوفمبر/تشرين الماضي 2016، إلى تحرير أسعار صرف العملية المحلية (الجنيه) مقابل العملات الأجنبية، فانخفضت قيمة الجنيه أمام الدولار الأميركي؛ ما سبب موجة من ارتفاع الأسعار، يبدو أنها أثرت على مبيعات الصحف؛ ودفعت بعضها إلى التوقف عن الصدور.

أحمد مصطفى، وهو بائع صحف في منطقة الدقي (غرب العاصمة القاهرة)، قال للأناضول إن "هناك عزوفاً كبيراً من المواطنين عن شراء الصحف في الفترة الأخيرة".

وهو عزوف عزاه البلشي إلى "موجة الغلاء التي جعلت الصحيفة آخر اهتمامات الكثيرين، فضلاً عن الهواتف الحديثة التي بات الجيل الجديد يعتمد عليها بدلاً من الصحف".

ووفق شندي فإن "الصحف المحسوبة على الثورة تحديداً لم تستطع الصمود أمام ملايين الجنيهات التي ضخت في سوق الإعلام عقب الثورة، بهدف تشويه الثورة، وحالياً تتعرض هذه الصحف ﻷزمة اقتصادية بسبب أوضاع البلد الاقتصادية الراهنة".

وبحسب دراسة لمركز "الجزيرة للدراسات" (خاص)، بعنوان "أسباب انتشار الإعلام المصري بعد 25 يناير وانحساره بعد 30 يونيو"، فإن الأزمة المالية الطاحنة أسفرت عن توقف وإغلاق العديد من الصحف والقنوات، وتشريد عشرات العاملين.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2015، أضافت أن الصحافة المصرية، ومنذ صيف 2013، ترفع لافتة المرور بأزمة مالية، لدرجة باتت تُهدِّد بتوقف نشاطها جزئياً أو كلياً (لاسيما مع تراجع عائدات الإعلانات).

كما تراجعت، وفق الدراسة، دخول غالبية الصحفيين، بسبب تسريحهم من أعمالهم أو تقليص رواتبهم، إضافة إلى رفض المجلس القومي للأجور (حكومي) وضع حد أدنى لأجور الصحفيين.

وقضت محكمة القضاء الإداري، في 28 يوليو/تموز 2016، بإلزام الحكومة المصرية بتحديد قيمة الحد الأدني لأجور الصحفيين. وهو ما رفضته الحكومة، وطعنت على الحكم.