كيف تحصل على إجابات مباشرة من شخصيات تهوى المراوغة؟.. بهذه الخطوات البسيطة تصل إلى ما تريد

تم النشر: تم التحديث:
1
1

عادة ما يجتهد الإنسان في التهرب من الأسئلة الموجهة إليه، عندما من المحتمل أن تتسبب له بالإحراج، أو البوح بمعلومات لا يريد للآخرين معرفتها لأسباب عدة، وتزداد صعوبة الحصول على الإجابات مع الشخصيات التي تهوى المراوغة لا سيما الرؤساء والسياسيين والمشاهير.

الصحفي البريطاني سايمون هاتينستون ذكر في مقال له نشر بصحيفة "الغارديان" البريطانية، الجمعة 17 فبراير/ شباط 2017، خطوات عملية بسيطة للحصول على الإجابات المباشرة والواضحة عندما نتعامل مع شخصيات صعبة، أو كارهة لوسائل الإعلام كالرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وقدم هاتينستون خلاصة لتجربته من اللقاءات التي أجراها مع عدد من المشاهير، مشدداً في نهاية المقال على حق الصحفيين في توجيه الأسئلة التي يريد الشعب معرفة الإجابات عنها.


نص المقال:


بها براعة ملتوية لا يمكن إنكارها. يمتلك الرئيس الكثير من الجرأة بالتأكيد. فقد كانت إجابة ترامب عن سؤال طُرح بشأن صعود تيار معاداة السامية في أميركا منذ انتخابه إجابةً بلا معنى، لكن ضع نفسك مكانه: أنت في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويتّهمك مراسل بالمسؤولية عن تصاعد معاداة السامية. بمَ ترد؟ هل تدين معاداة السامية وتقول إنّك ستحقّق في هذه الحوادث المزعومة؟

لا تكن أحمق. الأفضل أن تنتهز الفرصة لتؤلف أغرب إجابة لا تجيب عن شيء شهدها التاريخ. تُخبر المراسل أنّك حققت فوزاً مدهشاً حتى عندما قيل لك إن الحصول على 270 صوتاً من المجمع الانتخابي سيكون مستحيلاً، فضلاً عن 386 صوتاً، وأنّك ستمنع حدوث "الأشياء السيئة" مثل الجرائم، وأنّ ابنتك وزوجها، وأحفادك الثلاثة الرائعين، هم يهودٌ أيضاً.

وفي نهاية إجابتك، تقذف المفاجأة الأخيرة فتُعلن أننا سنرى الكثير من الحب في الأعوام القادمة. الكثير والكثير من الحب.

إجابة عبقرية.

مثل الصحفيين جميعاً، يقول سايمون هاتينستون إنه قضى حياته المهنية بأكملها يطرح أسئلة على أشخاص لا يودون الإجابة عليها، إما لأنّهم لا يؤمنون بحقّه في أن يعرف الإجابة، أو لأنّهم يرون سؤاله غبياً أو في غير موضعه، أو لأن الإجابة الصادقة قد تفضحهم.

ويضيف أنه نادراً ما صادف إجابة تبدو كما لو قيلت تحت تأثير عقاقير الهلوسة مثل ما تفوّه به ترامب يومها.

واليوم، الموافق للسابع عشر من فبراير/شباط 2017، تفوّق ترامب على نفسه أثناء مؤتمر صحفيّ استعراضي، هاجم فيه الأخبار الكاذبة التي تتواردها وسائل الإعلام حول "فوضى" إدارته بينما الواقع أنّها "تسير مثل ماكينة دقيقة".

صرّح ترامب: "أصبحت الصحافة غير شريفة، وتلك مشكلة ستسبب ضرراً هائلاً للشعب الأميركي إذا سكتنا عنها".

إذاً كيف تستجيب الصحافة لرئيسٍ يعاملها باحتقار مُعلَن؟

ولأكن منصفاً، يقول هاتينستون لاقت بعض أسئلتي على مّر السنين احتقاراً عن استحقاق. سألت من قبل الممثّل ويليم دافو: "هل حقيقي أنّك تمتلك أكبر قضيب في هوليوود؟" (كيف كان له أن يعرف ذلك؟)، وسألت ليوناردو دي كابريو: "أحببت أفلامك المبكرة كثيراً، لكن ألا تتفق معي أن الأفلام التي تلتها مباشرة كانت كومة من الخراء؟" (لم يكن هذا سؤالاً حقيقياً، بل كان تصريحاً فظاً، وبالعودة إليه الآن أدرك لماذا أوقف وكيله الإعلامي ذو الاسم الحالم كين سانشاين Ken Sunshine المقابلة عند سؤالي هذا).

بالطبع لا يعني هذا أن الأسئلة السخيفة أو الفظة أو المثيرة للشفقة لا يمكنها أن تكون أيضاً أسئلة سديدة. فعندما سألت المخرج وودي آلن كيف تحبّه النساء إلى هذا الحد مع أن شكله "عاديّ للغاية" (أردت أن أقول "قبيحاً" لكنّي لم أستطع أن أفعل ذلك)، أعطاني آلن إجابة أقرب لرسالة دكتوراه:

"حسناً. أولاً، أنا أتعامل مع عدد من الأشخاص جميلي المظهر أكثر مما يقابله الشخص العادي، لأنهن عادة ما تكنّ ممثلات ونساء جذّابات بشكلٍ عام. لديَّ علاقات واسعة بالكثير منهن، وهذا مهم. وثانياً، فهنّ قبل أن يتعرّفن إليَّ يفكرن أن هذا الرجل قد لا يكون أحمق تماماً لأنه يصنع الأفلام منذ ثلاثين عاماً حتى الآن. وهذا يساعد أيضاً. فهناك شعور لا واع بأنّي أستطيع مساعدتهن، أو أن أساهم في حياتهنّ مهنياً بشكلٍ ما. لا أظنّ أنّهن يفكرن بذلك بطريقة محسوبة أو خالية من المشاعر، لكن أظنّ وجود هذا في لا وعيهن يساعدني.

وعلى هذا الأساس، وعلى مرّ الأعوام، عملت جاهداً على هذا الجانب. فعندما أقترب من بعض تلك النساء الجميلات، إذا أثرن اهتمامي، وإذا كنّ ذكيات، أو فاتنات أو جذّابات، ألقي بنفسي عليهن. وأعمل جاهداً لأحظى باهتمامهن. فأنا مستمع جيد، وأجيد المحادثة، ومهتمّ بهن. لذلك عندما تجمّع كُل هذه العوامل -الوصول، والحافز، ونجاحي في مهنتي- فأموري تسير بشكلٍ أفضل مما قد تظنه عندما تنظر لوجهي فقط".

يقول هاتينستون إنه مقتنع بالكامل أن آلن أعطاه تلك الإجابة المذهلة عن سؤالي لأن ذلك كان شيئاً تساءل هوَ بشأنه طوال حياته، وكان بانتظار أن يلقي عليه أحد ذلك السؤال بالتحديد.

وفي المقابل، بعض الأسئلة السخيفة لا يمكن الإجابة عنها، لكنها تستحق أن تُسأل "مثلما سألت المغنّي لو ريد، إذ كان يضايقني، إن كان فظيعاً هكذا في الواقع. كُنت سعيداً لأن السؤال نقل شعور التوتر السائد في الغرفة وإحباطي من لقائه".

ولكن في حالتنا هذه، لم يكن سؤال المراسل سخيفاً، بل كان سؤالاً مهماً يتطلب إجابة مدروسة. أين الخطأ إذن؟ وماذا سمح لترامب بالتهرب من الإجابة؟

أبقِ السؤال بسيطاً

في البداية، ثرثر الصحفي كثيراً (لا أقول هذا بحسّ متعال، بل اعترافاً بما حدث ببساطة). قد يسأل المراسلون المتوترون (أو المغرورون) أثناء المقابلات سؤالاً في 100 كلمة يمكن اختصارها إلى 20 كلمة فقط. وكلما كان السؤال أقصر، قلّت مساحة الطرف الآخر للمراوغة.

وهنا استطال سؤال المراسل حتى عمّا نعتبره سؤالاً طويلاً. فتضمّن سؤاله عدة جمل -وفي منتصفه قطع حديثه ليوجّه سؤالاً آخر لنتنياهو- ثم يضيف سؤالاً ثالثاً قد يجيب عليه أيٌ من الرجلين. ثم يلقي الضوء على تعقيد سؤاله (بالأحرى أسئلته) قائلاً في النهاية إنّه "سؤال بسيط" وهو أبعد ما يكون عن ذلك.

والأسوأ من ذلك كله أنّ صوت المراسل يصبح غير مسموع في النهاية. فكان "السؤال" طويلاً جداً مما ترك المجال مفتوحاً للردّ عليه بإجابة مرتبكة وملتوية.

ماذا كان يجب أن يقوله المراسل إذن؟ السيناريو المثالي كان يتطلّب أن يلخّص المراسل جوهر السؤال، وأن يتخلّى عن الجزأين الثاني والثالث منه كاملاً.

عندما تطرح سؤالاً صعباً، كُن شديد الوضوح

علّمني محامو قضايا التشهير درساً قيماً على مدار السنوات الأخيرة يقول هاتينستون. ويضيف: عندما تطرح سؤالاً صعباً، كُن واضحاً قدر الإمكان. لن يظنّ من تسأله أنّك تتعامل بلطف فقط لأنك دفنت السؤال الفعلي بين طبقات من الجمل الفرعية والتحذيرات. باختصار، إذا أردت اتهام أحد بمعاداة السامية، اتهمه بذلك مباشرةً.

في هذه الحالة قد يصبح السؤال: "سيدي الرئيس، هل تظن أن صعود تيار معاداة السامية الذي تفيد به التقارير الصحفية في أميركا منذ بداية حملتك الانتخابية قد يُنسَب إلى النبرة العنصرية والكارهة للأجانب من جانب حملتك سابقاً وإدارتك حالياً؟"

قد يجيب ترامب بالنفي ببساطة، أو قد يحاول إهانة الصحفيّ السائل. أو يطلب منه إثبات هذا الصعود المزعوم لتيار معاداة السامية (وهو ما كان يمكن ذكره في السؤال من البداية). لكن سؤالاً مباشراً كان ليعطي ترامب مجالاً أقل للثرثرة.

كُن وفياً لذاتك الصحفية

توجد أكثر من طريقة لطرح الأسئلة. فقد استجوب الصحفيّ ديفيد فروست الرئيس ريتشارد نيكسون بذكاءٍ مدهش (عُرف عنه لاحقاً اللجوء لأسلوب أكثر لطفاً أثناء إجراء المقابلات، مما شجّع ضيوفه للنظر إليه كصديق). بينما تملّق الناقد الفني ديفيد سيلفستر الرسّام فرانسيس بيكون ليكشف له روحه، سائلاً ببساطة: "هل كانت لوحة (البابا الصارخ The Screaming Pope) ناعمة الملمس؟". وحصل جان س. وينر أحد مؤسسي مجلة رولينغ ستون على مقابلة لاذعة بشكلٍ رائع مع المغنّي جون لينون بإثارة الحديث عن المغنّي بول مكارتني. وفي المقابل، استخدم مقدما البرامج الحوارية جوني كارسون وديفيد ليترمان السخرية والفكاهة لكشف خبايا ضيوفهم. وقد تبدو أسئلة جيمس ليبتون مسالمة كلياً (مثل "ما هي أكثر كلمة لا تفضّلها؟") في برنامج In The Actors' Studio لكنها تجد طريقها لإثارة العواصف فيما بعد. وبينما تتبنَّى أوبرا وينفري طريقة نصح ضيوفها والحصول على اعترافاتهم بنعومة، يدفع هاورد ستيرن ضيوفه للتحدث باستخدام صراحته الصادمة.

ربما يكون الشيء الأهم هو أن تكون وفياً لذاتك. لا تحاول أن تكون على غير طبيعتك، حتى وإن بالغت قليلاً في الطريقة التي تقدّم ذاتك بها للآخرين.

منذ بضعة أعوام، كنت متفاجئاً لرؤية نفسي أتحدث كما لو كنت والد المغنّي جورج مايكل، عندما سألته ما إن كان يتعاطى الكوكايين.

سألته "هل تدخّن الكراك (كوكايين)؟" فأجاب "لا".

"هل دخنته من قبل؟" أجاب "لا!".

ثم أجاب مجدداً: "ما أقصده هو، لقد فعلت أشياء كثيرة لم يكن يجب أن أفعلها، في أوقات مختلفة، مرة أو مرتين، أنتَ تعرف كيف يكون ذلك".

قُلت له إن فكرة تعاطيه الكوكايين تضايقني، فقال: "بالطبع، بالطبع. لا أحد يريد تدخين الكراك بانتظام".

أثناء المقابلة، كان حسّي الأبوي يزداد مع كل ثانية. كان صعباً ألا تشعر بالقلق على مايكل، وبرغم ارتيابه الدائم، وطيشه، وانغماسه بذاته، فإنّه كان يشع ذكاءً، ودفئاً، وكرماً.
أقول له: "انظر إلى عينيّ. هل كنت تدخّن الكراك؟"

"هل كنت أدخن الكراك؟ في تلك المناسبة؟ نعم."

إجراء المقابلات يعتمد على الغريزة

أحياناً ما تلقى الأسئلة الأقل توقعاً إجابات أكثر إثارة للاهتمام. قبل أن تُدان أماندا نوكس مجدداً بجريمة قتل ميريديث كيرشر (وقد بُرّئت للمرة الثانية بعد ذلك) سألتها لماذا يظن حتى من يصدّقون أنها لم تقتل ميريديث، أنها كانت متورطة في قتلها.

وفي تلك اللحظة انهارت أماندا، لأنها لم تستطع فهم حقيقة أنّها اعترفت لحظياً بفعل لم ترتكبه، ولأنها كرهت نفسها لهذا السبب.

فإن إجراء المقابلات إذن يعتمد على الغريزة. وبطريقة ما، فهو فعلٌ عفوي. وعادةً لا ينجح الأذكياء في إجراء المقابلات، بينما ينجح فيها المتطفلون كثيرو الأسئلة. نادراً ما تجذب الأسئلة الذكيّة إجابات ذكية. بل تأتي الإجابات الذكية رداً على أبسط الأسئلة.

وتذكّر، معظم ضيوف المقابلات لا يريدون أن يقولوا لك الحقيقة، فهم يتحدّثون معك لتلبية التزامات تنص عليها عقودهم أو لأنهم يروّجون لشيءٍ ما، أو لأنهم رئيس الولايات المتحدة.

وعلى مدار الأعوام القادمة، وفي عصر "ما بعد الحقيقة (تناقص أهمية الحقائق في تشكيل الرأي العام، في مقابل مخاطبة العواطف)". قد يصبح إجراء المقابلات أصعب وأصعب. (وأخشى أنّه كلما ازداد حديثنا عن عصر ما بعد الحقيقة، أصبح نبوءة تحقق ذاتها والواقع أنّ ثمن الحقيقة لطالما كان باهظاً).

يجب على الصحفيين أن يتذكّروا أثناء إجرائهم المقابلات أن وجودنا هنا حقٌ لنا، وأنّنا ممثلو الشعب، فعلينا طرح الأسئلة التي يريد الشعب معرفة إجابتها، مهما قال لنا المتحدّث باسم ترامب شون سبايسر وأمثاله.

وعندنا لا يلقى السؤال إجابة، وعندما يأخذك الرئيس ترامب في جولة مضللة في شوارع الحب الترامبي، تصبح مهمتك سهلة: فقط أخبره بأنَّه لم يجب عن السؤال.
وإذا جاءتك فرصة، أخبره بذلك مجدداً.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.