"كارثة تحدق بالتراث المصري".. أرض الفراعنة لم تعد قادرة على الحفاظ على آثارها

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

تتأرجح سياسة وزارة التراث المصري بين المشاريع الطموحة والموارد المالية المحدودة، على غرار قطاع الثقافة في مصر الذي أصبح يترنح بين الديناميكية، والمخاوف المتزايدة.

في قاعة مكيفة، يقوم إيمان شرف بتنظيف قطعة أثرية بمساعدة عدسة مكبرة من حجم كبير. وفي الواقع، يعمل هذا الأخير في مخبر يهدف إلى ترميم القطع الأثرية والاعتناء بها، حيث قام مؤخراً بتجديد قرابة ثلاثة آلاف قطعة من كنز "توت عنخ آمون"، التي لم يتم عرضها على الملأ، منذ اكتشافها سنة 1922، بحسب ما ذكرت صحيفة La Croix الفرنسية.

وفي هذا السياق، قال إيمان إن "هذه القطع كانت شبه تالفة، كما أنه تم تخزين الجلود، والذهب، وورق البردي في ظروف سيئة، ونحن نعمل على تجديدها وترميمها من أجل عرضها سنة 2018".


قرض ياباني بقيمة 700 مليون يورو


يعتبر مختبر المنسوجات واحداً من 17 ورشة عمل أخرى، بُنيت في الطابق السفلي من المتحف المصري الكبير، الذي من المقرر أن يتم افتتاحه خلال سنة 2018، الذي لا زال في طور التحضير، ولا يحتوي إلا على مناظر خلابة لأهرامات الجيزة.

وفي الحقيقة، وقع بناء هذا المبنى الضخم على مساحة تبلغ 490 ألف متر مربع، وتشييده بالاستعانة بقرض ضخم يبلغ 700 مليون يورو مُقدّم من اليابان.

يبدو أن مصر قد وجدت الديناميكية الثقافية الملائمة لها. فقد تم، مؤخراً، تجديد العديد من المتاحف وافتتاحها بمساعدة العديد من الشركاء الأجانب، مثل اليونيسكو ومتحف ميتروبوليتان في نيويورك، وكذلك بمساعدة العديد من البلدان الصديقة، مثل اليابان والإمارات.

وفي نفس هذا الإطار، أعرب وزير الآثار الجديد، خالد عناني، في آخر تصريحاته عن أن مصر أرض الفراعنة لم تعد قادرة على الحفاظ بمفردها على تراثها القديم، وذلك بسبب تراجع الموارد المالية، التي أثرت سلباً على حالة الآثار".

وفي هذا الصدد، حذرت أستاذة الآثار المصرية بجامعة القاهرة والجامعة الأميركية رئيسة الجمعية الدولية للمصريات، فايزة هيكل، من الكارثة التي تحدق بالتراث المصري، مشيرة إلى مصير العديد من المواقع الأثرية الذي أصبح على المحك. فصعود المياه الجوفية أصبح يهدد معابد الأقصر والتراث، الذي لا توفر له السلطات المصرية الحماية والعناية الكافية. وأضافت هيكل أن "حالة العديد من المواقع تدهورت بسبب عوامل التعرية الطبيعية والسياحة المكثفة".

ففي السابق، كانت تعمل دائرة الآثار، المسؤولة عن الحفاظ على التراث، بتمويل ذاتي يأتي من تذاكر الدخول إلى المتاحف والمواقع الأثرية، بصفة رئيسية. لكن منذ سنة 2011، شهد قطاع السياحة تراجعاً كبيراً وملحوظاً.

ومن جهتها، تعمل "ناجية فانوس" كدليل سياحي في المتحف المصري في القاهرة، الذي يوجد فيه الكثير من التوابيت الأثرية وكتل من تحف الغرانيت المنحوتة.

وفي هذا السياق، أفادت فانوس بأنه "ينبغي أن توضع هذه التماثيل في واجهات زجاجية خاصة، إلا أن غياب الموارد المالية الكافية صعّب من مهمة توفير مثل هذه الحماية".


عجز مالي حادّ


على الرغم من أن المديرة صباح عبدالرزاق رحبت بنظام الإضاءة الجديد الذي قدمته وزارة السياحة، فإنه كان عليها أن تحزن من عدم توافر المال لإعادة تشكيل لوحات من المتحف وعرضها بشكل أفضل.

الثغرات الذي يشهدها القطاع تبدأ من سلسلة الحفاظ على الآثار. وفي هذا السياق، أعربت عالمة الآثار والأستاذة في جامعة القاهرة، عُلا حجزي عن استيائها لتوقف الحفريات وتقدمها ببطء شديد، وقالت: "نحن نعاني من نقص حادّ في الموارد، حتى أنني أقوم ببعض الحفريات في موقع سقارة بالاعتماد على مواردي الخاصة".

وأضافت حجزي أن "الجامعة تخصص لنا حوالي 350 ألف جنيه مصري (20 ألف يورو) في حين أن العمال يعملون براتب قدره 50 جنيهاً في اليوم الواحد (2.85 يورو) في موسم يتراوح مدته بين أربعة أو خمس أشهر. في المقابل، يلزمنا قرابة مليون جنيه (57 ألف يورو) لإنهائه، حيث إن ترك الحفريات مفتوحة قد يجعلها عرضة للغبار".

أما في انتظار عودة السياح، فتسعى الوزارة لزيادة إيراداتها عن طريق فتح متحف القاهرة ليلاً، وإنشاء ممر جديد لجذب المصريين لزيارة المواقع الأثرية.

علاوة على ذلك، تم تخصيص 5 مليارات جنيه (285 مليون يورو) من أجل دعم قطاع السياحة، وتطوير الفنادق، وإصلاح القوارب المتواجدة على نهر النيل.


اتفاق تعاون مع متحف اللوفر


تسعى الوزارة إلى الحصول على أموال خاصة من أجل ترميم "كنيسة الإسكندرية" التي انهار جزء منها، خلال السنة الماضية، بسبب عدم وجود صيانة كافية، بالإضافة إلى صيانة "كنيسة أبو مينا"، التي تندرج ضمن تراث اليونيسكو.

فضلاً عن ذلك، سيستفيد متحف الفن الإسلامي، المتواجد في القاهرة، من اتفاقية التعاون المبرمة مع متحف اللوفر، التي ستقوم بتوفير تدريب للموظفين وتنظيم معارض مشتركة.

كما سيتم تخصيص قرض من أجل مواجهة الأزمة المالية الحادة التي يعاني منها هذا القطاع. وفي هذا الإطار، أكد وزير الآثار أن توت عنخ آمون لن يخرج خارج التراب المصري، وفي حال تم إخراج بعض القطع الصغيرة، فإن قناعه بقي في مصر".

وبالتالي، فإن ما ورد على لسان وزير الآثار الحالي يعدّ مخالفاً لما صرح به الوزير السابق، زاهي حواس، الذي قال مؤخراً: "لماذا يبقى توت عنخ آمون بمتحف القاهرة في زاوية مظلمة بينما يمكن إعارته إلى بلدان أخرى من شأنها أن تدفع رواتب الإدارة لمدة 10 سنوات؟".


تراجع قطاع السياحة


تراجع قطاع السياحة في مصر، الذي يعدّ المورد الأساسي للبلاد، حيث كان عدد السياح يصل إلى نحو 15 مليون زائر سنوياً. أما خلال سنة 2016 فقد استقطبت مصر حوالي 6.3 مليون زائر فقط.

فضلاً عن ذلك، شهدت إيرادات بيع تذاكر الدخول إلى المتاحف والمعالم السياحية تراجعاً وصل إلى أكثر من 80%. ففي سنة 2015، كان هذا القطاع يسجل أرباحاً تبلغ قيمتها 300 مليون جنيه مصري (17 مليون دولار). في المقابل، كانت تقدّر أرباح هذا القطاع بقيمة 1.3 مليار دولار (75 مليون يورو)، سنة 2010.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة La Croix الفرنسية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.