وجهك أكثر بدائية من الإنسان القديم.. إليك تفسيرات علمية لتطور تعابير الوجه البشري

تم النشر: تم التحديث:
S
س

"يبدو وكأنه قرد"، هكذا قال أحد الصبية الصغار متعجباً، وهو ينظر إلى نسخة طبق الأصل من جمجمة إنسان.

كنا نقف في معرض مزدحم بمتحف التاريخ الطبيعي في لندن بالمملكة المتحدة. هنا، توجد مجموعة من الجماجم التي كانت تنتمي إلى أسلافنا في عصور ما قبل التاريخ، مصبوبة في شكلٍ معدني، ومعروضة للجمهور. وهنا يقوم الأطفال في المعرض بتمرير أيديهم فوق الحواجب الثقيلة للجماجم والفكوك البارزة، موقع هيئة الإذاعة البريطانية BBC.

ورغم أن هذه الوجوه المُعاد تشكيلها تبدو فاقدةً للحس، فإنَّ مجموعةً من المشاعر اعتلت وجوه زائري المعرض. إذ بدا الخجل على فتاةٍ صغيرة وهي تلقي نظراتٍ خاطفة على ساقي شخصٍ بالغ، وغطى الفرح وجوه ثلاثة صبية كانوا يهرولون بعنف في وقتٍ ظهرت فيه علامات الغضب على وجه مدرسهم وهو يعنفهم، كما تدفقت دموع طفلٍ آخر تعرض للدفع بسبب هرولة الأطفال الآخرين.

هؤلاء الأطفال هم أمثلةٌ على مدى كون وجوهنا معبرةً بشكلٍ غير عادي. فالوجوه البشرية تنقل مجموعةً كبيرة من المشاعر والمعلومات من خلال التحولات الطفيفة في العضلات حول العينين والفم. ولا يوجد أي حيوان آخر لديه مثل هذا الوجه التعبيري.

والأكثر من ذلك هو أن كل واحدٍ منا يمكنه على الفور التعرف على أي فردٍ آخر من جنسه بنظرةٍ واحدة إلى وجهه. فلا توجد أجناس أخرى تشاركنا في الوجه المسطح، وارتفاع الجبهة، والفك الصغير، وبروز الذقن، ولا حتى العديد من الأجناس المشابهة لنا التي سبقتنا.

y

لكن السؤال هو: متى بدأ شكل البشر يتشكل بالشكل الذي هو عليه الآن؟ التقنيات والاكتشافات العلمية الجديدة بدأت في تقديم بعض الإجابات على هذا السؤال. لكنَّها تكشف أيضاً أنَّ ملامح الوجه المميزة التي نمتلكها قد تكون أقدم بكثير مما يعتقد الكثير من علماء الإنثروبولوجيا.

من جانبه، يقول كريس سترينجر، عالم الإنثروبولوجيا بمتحف التاريخ الطبيعي في لندن، الذي انضم لي في صالة العرض: "بما أننا آخر الأجناس البشرية الباقية على قيد الحياة على هذا الكوكب، فمن المغري أن نفترض أن وجوهنا الحديثة هي آخر ما وصل إليه مسار تطور البشر".

وأضاف: "لفترةٍ طويلة كان هذا ما تشير إليه الحفريات، فمنذ حوالي 500 ألف سنة، كان هناك عددٌ كبير إلى حدٍ ما من إنسان هايدلبيرغ ذي الوجه الوسيط في شكله بين الإنسان الحالي والإنسان البدائي. ولفترةٍ طويلة، كنتُ أقول إنَّ هذا هو سلفنا المشترك مع الإنسان البدائي".

وأشار سترينغر إلى قالب لجمجمةٍ حقيقية لإنسان هايدلبيرغ عُثر عليها في بروكن هيل في زامبيا في العشرينات من القرن العشرين، وهي محفوظة الآن بأمان في مجموعة الحفريات بالمتحف. وهي الجمجمة ذاتها التي وقف أمامها الولد الصغير ليشاهدها.

مع قليلٍ من التوجيه، من السهل أن نفهم لماذا يمكن أن يكون هذا الجنس هو السلف المشترك بين البشر المعاصرين وأبناء عمومتهم من البشر البدائيين الذين انقرضوا منذ حوالي 40 ألف سنة.

الإنسان الحديث لديه أنف صغير، والفكان يقعان تحت ما تبقى من الجمجمة. كما أن عظام الخد تتخذ شكل زاوية، وكل خد به تجويف مميز تحت تجويف العين، وهو المعروف باسم الحفرة النابية.

y


مقارنة


بالمقارنة، كان وجه الإنسان البدائي ضخماً، مع أنفٍ ضخم ومقدمة وجه مسحوبة إلى الأمام. وتنحني الجمجمة إلى الخارج حول الخدين، بدلاً من وجود تجويف بها. وبالنسبة لأعيننا، هذا من شأنه أن يعطي للعينين شكلاً منتفخاً. وكانت جبهة الإنسان البدائي مسطحةً بشكلٍ أكبر، بينما كان يوجد فوق عيونهم نتوء بارز مزدوج للحاجبين المتدليين على ما تبقى من وجوههم.

على الجانب الآخر، كان وجه إنسان هايدلبيرغ مسطحاً أكثر قليلاً من الإنسان البدائي، وأنفه أصغر، لكن ليس به حفرة نابية. وكان نتوء الحاجب أكثر وضوحاً مقارنة بالبشر البدائيين.

وعلى مدى عقود، اتفق معظم علماء الإنثروبولوجيا أن الإنسان البدائي قد احتفظ بالعديد من هذه الملامح من إنسان هايدلبيرغ، الذي تطور ليصبح فكّه أكثر بروزاً، في حين ذهب جنسنا البشري في اتجاهٍ مختلف. كان ذلك حتى تسعينيات القرن العشرين، عندما حدث اكتشافٌ محير في منطقة سييرا دي أتابويركا شمالي إسبانيا.

ففي مجرى ماء بالجبال، عُثر على بقايا جمجمةٍ صغيرة مسطحة الوجه، جنباً إلى جنب مع العديد من العظام الأخرى. كانت هذه البقايا تنتمي إلى جنسٍ غير معروف سابقاً من أشباه البشر يسمى "إنسان أنتيسيسور".

وبدا وجه هذا الجنس الجديد لأسلاف البشر مشابهاً أكثر بكثير لوجوهنا، حتى أنَّه يحتوي على التجويف المميز للحفرة النابية. لكنَّ هذا الجنس عاش قبل 850 ألف سنة، أي قبل إنسان هايدلبيرغ.

في البداية، بدا هذا التناقض الواضح غير مهم، ولم يُعِره العلماء انتباهاً كبيراً. فالجمجمة المكتشفة بأتابويركا لطفل يتراوح عمره بين 10 و12 سنة. ومن الصعب التنبؤ بشكل وجه هذا الصغير في مرحلة البلوغ، لأن الجماجم تنمو وتتغير في الشكل مع نمو الإنسان. ويقول سترينغر: "كان من المفترض أن تتحول الجمجمة إلى شيءٍ يشبه جمجمة إنسان هايدلبيرغ".

ومع ذلك، تشير الاكتشافات اللاحقة إلى أن هذا الأمر لم يكن صحيحاً. ويقول سترينجر: "لدينا الآن 4 بقايا من جماجم شخص بالغ وطفل شبه بالغ من جنس إنسان أنتيسيسور. يبدو أن الجماجم تتخذ نفس الشكل الذي رأيناه في جمجمة الطفل".

ولا يزال من الصعب إجراء مقارناتٍ مباشرة بين جماجم أشباه البشر، لسبب واحد وهو أن العديد منها غير مكتمل. لكن حتى مع وضع هذا الأمر جانباً، هناك ظاهرة معروفة باسم قياس التنامي، تعني أن التغيُّرات في الحجم تؤدي أيضاً إلى تغيُّراتٍ في الشكل، لأن أجزاء الجسم المختلفة تنمو بمعدلاتٍ مختلفة.

للتغلب على هذه المشكلة، أنشأ جان جاك هوبلين، من معهد ماكس بلانك للإنثروبولوجيا التطورية في لايبزيغ بألمانيا، وزملاؤه، نماذج حاسوبية تسمح لهم "بجعل الجماجم تنمو في الحجم" بشكلٍ افتراضي.

ويقول هوبلين: "عندما نفعل ذلك، يصبح بإمكاننا تفسير الاختلاف في الشكل بين البشر البدائيين، لكن إذا قمنا بجعل الجمجمة البشرية الحديثة تنمو لحجم الإنسان البدائي، فلن نحصل على شيءٍ يشبه الإنسان البدائي، بل سنحصل على شيءٍ مختلف".

ويعتقد هوبلين أنَّ الإنسان الحديث قد احتفظ بالكثير من الملامح البدائية لأسلافه القدماء. ويقول: "يبدو أنَّ البشر البدائيين كانوا أكثر تطوراً في اتجاههم الخاص من البشر المعاصرين، فقد كانت أعينهم تبدو غريبةً للغاية مقارنةً بأعيننا".

وبعبارةٍ أخرى، وجوه البشر في العصر الحديث ربما لا تكون حديثةً على الإطلاق.

وعن ذلك يقول هوبلين: "مصطلح (حديث) مضلل إلى حد ما. فعندما تقول (حديث)، يفترض الناس أنَّك تعني (أكثر تطوراً)، لكنَّه في واقع الأمر في حالتنا قد يعني أكثر بدائية".

هوبلين وفريقه يمكنهم أيضاً استخدام البرنامج الحاسوبي الخاص بهم لتكبير جماجم الأطفال في الحجم، وهو ما يعطي فكرةً عن شكل هذه الجماجم في سن الشباب.

لكنَّهم عندما طبقوا هذا البرنامج على بقايا جمجمة إنسان أنتيسيسور، حصلوا على شيءٍ بدا مشابهاً للإنسان البدائي والإنسان المعاصر في نفس الوقت.

ويقول هوبلين: "الوجه به بروز أكثر من الإنسان المعاصر، لكن ليس لديه الملامح الموجودة لدى الإنسان البدائي".

y


تجدد باستمرار


وظهر شيءٌ أكثر إدهاشاً عندما وُضِعَت الجماجم الأحفورية لإنسان أنتيسيسور تحت المجهر.

ففي جميع مراحل الحياة، تتجدد عظامنا وتتشكل باستمرار. وهذا يترك علاماتٍ مميزة على العظام يمكن من خلالها اكتشاف كيفية نموها وتشكُّلها. على وجه الخصوص، تنشئ الخلايا التي تُرَسِّب العظام، والمعروفة باسم بانيات العظم، سطحاً أملس، في حين أن تلك الخلايا التي تمتص العظام، وتسمى الخلايا الآكلة، تترك العظام مليئة بالثقوب والحفر المجهرية.

في البشر المعاصرين، المنطقة تحت الأنف، والمعروفة باسم الفك العلوي، غنية بالخلايا التي تمتص العظام. لكن في البشر البدائيين، وإنسان هايدلبيرغ، وغيرهم من أشباه البشر مثل القردة الجنوبية، هذه المنطقة كان بها الكثير من الخلايا التي ترسب العظام، مما تسبب في بروز الوجه إلى الأمام.

من جانبه، يقول رودريغو لاكروز، من جامعة نيويورك لطب الأسنان، والذي قاد الكثير من هذا العمل مع زميله تيموثي بروميدغ: "لدى الإنسان المعاصر مناطق امتصاص منتشرة في الفك العلوي. وهذا الامتصاص هو الذي يساعد في استقرار الوجه الإنساني تحت الجمجمة، بدلاً من البروز للأمام".

ويمكن رؤية أنماط مماثلة من امتصاص العظام حول الحفرة النابية في البشر المعاصرين، في حين تُظهِر جماجم الإنسان البدائي ترسيباً للعظام واسع النطاق.

لذلك عندما وضع لاكروز، وبروميدغ، وزملاؤهما بقايا جمجمة إنسان أنتيسيسور تحت المجهر، اندهشوا لاكتشاف أن الفك العلوي والحفرة النابية كانا مليئين بالثقوب بشكلٍ كبير. ليس ذلك فحسب، بل كان نمط الامتصاص الذي لاحظوه مماثلاً لتلك الأنماط الموجودة في البشر المعاصرين.

ويقول لاكروز إنَّ "هذه التشابهات تشير إلى أن إنسان أنتيسيسور يُعَد أحد التغييرات الرئيسية في التطور المسؤولة عن الوجه المميز للبشر المعاصرين، وهذا أمر مهم، ليس فقط لأن إنسان أنتيسسور يُظهر نمط نمو مشابه للبشر، لكنَّ لأن تكوينه أيضاً يشبه تكوين البشر بعض الشيء رغم أنه كان يعيش منذ حوالي 800 ألف سنة".

هذا الأمر مهم، لأنَّ الدراسات الأخيرة لشجرة العائلة البشرية توحي بأن لدينا سلفاً مشتركاً مع الإنسان البدائي كان يعيش منذ حوالي 700 ألف سنة، أي بعد إنسان أنتيسيسور بوقتٍ قصير.

من خلال كل هذه النتائج، يقوم سترينغر والعديد من زملائه الآن بإعادة تقييم أفكارهم حول تطور الوجه البشري.

الجدير بالذكر أن سترينجر، وعدد من كبار الخبراء الآخرين الذين تحدثوا في مؤتمرٍ في مدريد في سبتمبر/أيلول عام 2016، جادلوا بأن إنسان أنتيسيسور، أو أيٍ من أقربائه الذين لم يُكتَشَفوا بعد، قد يكون هو السلف المشترك بين جنسنا والبشر البدائيين، وليس إنسان هايدلبيرغ.

ويُعتَقَد أنَّ إنسان أنتيسيسور قد عاش في وقتٍ قريب من خروج أشباه البشر من إفريقيا، منذ فترةٍ تتراوح بين 1.8 و0.8 مليون سنة.

كما يُعتَقَد أن بعضاً من أقدم الآثار التي عُثر عليها في أوروبا، والتي كانت قد اكتُشِفَت في هابسبيرغ في المملكة المتحدة عام 2013، كانت من بقايا إنسان أنتيسيسور.

y

وبعض البقايا في إسبانيا، ضرس وجزء من الفك السفلي، نُسِبَت أيضاً في البداية إلى إنسان أنتيسيسور، ووُجِدَ أنها تعود إلى 1.2 مليون سنة مضت، لكن الفريق الذي اكتشفها أصبح منذ ذلك الحين أكثر حذراً بشأن هويتها.

ومن خلال شجرة التطور الجديدة المقترحة، فإنَّ جنسنا قد تطور من إنسان أنتيسيسور. في الوقت نفسه، خرج إنسان هايدلبيرغ عن مسار التطور منذ حوالي 500 ألف سنة، وتطور بشكلٍ مستقل، ووصل إلى الإنسان البدائي.

ويقول سترينجر: "هذا يعني أن وجوهنا في الواقع بدائيةً جداً بالمقارنة بإنسان هايدلبيرغ والبشر البدائيين".

إذا كان ذلك صحيحاً، فإنَّه يساعد على تفسير الكثير من الاختلافات التي نراها بيننا وبين أبناء عمومتنا في التطور.

وبينما امتلك كلٌ من البشر المعاصرين والبشر البدائيين على حد سواء العقول الكبيرة، وصنعوا الأدوات، وقاموا بالصيد، واستخدموا النار، وصنعوا المجوهرات، وطوروا الثقافة، إلا أن أجسامنا تطورت بطرقٍ مختلفة. حتى أدمغتنا كانت ذات أشكالٍ مختلفة.

بدورهم، حاول بول أوهيجينز من جامعة نيويورك، ومعه ريكاردو غودينهو وبيني سبايكين، كشف النقاب عن سبب هذه الاختلافات. ومن خلال استخدام المبادئ الهندسية، حللوا البقايا الحفرية لأشباه البشر في عصور ما قبل التاريخ، والإنسان الحديث، وذلك باستخدام نماذج حاسوبية ثلاثية الأبعاد.

واندهش الفريق عندما وجد أنَّه رغم الفك الكبير فإنَّ إنسان هايدلبيرغ كان أقل كفاءةً في العض من البشر المعاصرين ذوي الوجوه الصغيرة المسطحة. فشكل جمجمة هايدلبيرغ وأماكن عضلاتها يعني أنَّها لا يمكن أن تولد قوة عض كبيرة، رغم أن عظامها قادرة على تحمل ذلك. وأظهر بحثٌ مماثل نفس النمط في البشر البدائيين.

y


العضّ وعلاقته بالأنف


وقال أوهيجينز إنَّ "العظام في الإنسان المعاصر تنكسر في وقتٍ مبكر، وهذا يشير إلى أن كفاءة العض التي نمتلكها بسبب وجوهنا المسطحة ليست نتيجة الانتقاء الطبيعي، ولكن نتيجة شيء آخر".

ويبدو الآن أن قدرتنا على العض بقوة لها صلة بحجم أنوفنا.

ويضيف أوهيجينز: "شيءٌ ما في أشباه البشر المنقرضين تطلَّب أن يكون لديهم أنفٌ كبير، الأمر الذي تطلب أيضاً وجهاً كبيراً. ولسنا متأكدين ما إن كان ذلك بسبب متطلبات الحركة أم المناخ. لكن عندما لم نعد بحاجة إلى أنفٍ كبير، بدأ الوجه في الانثناء تحت الدماغ، مما زاد من قوة العض".

التفسير الشائع عن سبب كبر أنوف البشر البدائيين هو التكيف مع المناخ البارد في العصر الجليدي، فتجويف الأنف الكبير يدفأ الهواء البارد قبل أن يصل إلى الرئتين.

ومع ذلك، في ورقةٍ بحثية تعود لعام 2010، أوضح سترينغر أن الجيوب الأنفية للإنسان البدائي لم تتعدَ نطاق الحجم الموجود في البشر في أوروبا في العصر الحديث. وبدلاً من ذلك، يبدو أن الأنف الكبيرة لإنسان هايدلبيرغ والبشر البدائيين قد ظهرت "عن طريق الصدفة" من خلال الانجراف الوراثي بعد الانشقاق عن سلفهم المشترك مع البشر المعاصرين.

أحد الفروق البارزة الأخرى بين الإنسان الحديث وأجدادنا، وهو منطقة الحاجب، ربما يكون قد اختفى من سلالتنا لسببٍ مختلف.

ويقول أوهيجينز عن ذلك: "إنسان هايدلبيرغ والبشر البدائيون كان لديهم نتوء حاجب عملاق يشبه وجود غطاء علوي في الجبهة".

وفي بحثٍ عُرِضَ في مؤتمر مدريد، استخدم أوهيجينز وزملاؤه نماذج حاسوبية لمحو نتوء الحاجب، ثم نظروا في أثر هذا على بنية الوجه والجمجمة. وجد الباحثون أنَّ نتوء الحاجب لم يقدم أية ميزة لهيكل الوجه. بدلاً من ذلك، يعتقدون أن هذه القناطر البارزة من العظم فوق العينين كانت تعمل كإشارة إلى الهيمنة على الأعضاء آخرين من نفس الجنس، مثل القرون الضخمة التي يمتلكها ذكر حيوان الموظ.

واقترح سترينغر هذا أيضاً، إذ قارن أسلاف أشباه البشر بقرود البابون الزيتونية. هذه القرود ترفع حواجبها كجزءٍ من إظهار السيطرة. بالمثل، يستخدم قرد الميمون أيضاً الألوان الزاهية على الحاجبين والأنف للإشارة إلى رتبته في مجموعته.

وفي اجتماعٍ عام 2016، قدم أوهيغينز وزملاؤه النتائج الأولية التي تشير إلى أنَّه عندما فقد أجدادنا نتوء الحاجب العدواني في شكله، اكتسبوا شكلاً أكثر دهاء للتواصل.

ويقول أوهيغينز: "مع نتوء الحاجب الكبير، تكون حركة الحاجبين محدودة، لكن هذا يتغير عندما يختفي ذلك النتوء. فعندما يكون لديك وجهٌ مسطح، يكون لديك جبهة رأسية، ويمكنك تحريك حاجبيك إلى أعلى وأسفل، وهذا يعني أنك تقدم تواصلاً اجتماعياً أكثر دقة بكثير. ويمكنك معرفة ما إذا كان شخص ما حزيناً، أو سعيداً، أو غاضباً".

إذا كان ذلك صحيحاً، فهذا يعني أن وضعنا ككائنات اجتماعية وتعاونية هو الذي دفعنا للحفاظ على وجوهنا البدائية.

وتشكل تعابير الوجه جزءاً رئيسياً من التفاعلات الاجتماعية لدينا، وتساعدنا على تخمين ما يشعر أو يفكر به شخصٌ ما. وتشير بحوث أوهيغينز إلى أننا لم نكن لنستطيع فعل ذلك لو كانت وجوهُنا قد تطورت مثل وجوه البشر البدائيين.

في نهاية المطاف، يمكن لبحوثٍ مثل هذه أن تخبرنا عمن من أسلافنا من أشباه البشر كانوا قادرين على الابتسام، أو العبوس، أو إظهار الاشمئزاز بوجوههم كما نفعل نحن.

هذه البحوث أيضاً تذكرنا بأن وجوهنا تُعَد من بين أدواتنا الأكثر قيمة. فلو كانت مختلفة لما امتلكنا القدرة على التواصل مع بعضنا البعض دون عناء كما نفعل الآن.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع هيئة الإذاعة البريطانية BBC. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.