كيف تؤثر قرارات ترامب على العلوم؟.. طرق مدهشة يتغلب بها العلم على قرارات منع السفر والحظر

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

يشرح التقرير المترجم من مصادر عدة كيف تغلب العلم على قمع الحكومات سابقاً بشأن السفر والتواصل وابتكر الباحثون طرق ماكرة ومدهشة لمقاومة الحظر.

كان آينشتاين وزوجته يواجهان أخطاراً لا يمكن تصورها، إنجازاته التي جعلته نجماً في أنحاء العالم لم تكن كافية لحمايته من الغيوم العاصفة الناتجة عن الحرب، حيث رأته حكومته دخيلاً ومتمرداً وأرادت له الموت.

أصبح الفيزيائي الكبير وزوجته لاجئين فارين من نظام عنصري قاتل، ذهبا إلى بريطانيا وعاشا فترة تحت حراسة مسلحة قبل أن يستقرّا بلجوء دائم في الولايات المتحدة، حيث عرض عليه معهد الدراسات المتقدمة في برينستون نيوجيرسي وظيفة وفرصة للبقاء على قيد الحياة.

كان الاتفاق ناجحاً للطرفين، نال ألبرت آينشتاين حريته وكسبت الولايات المتحدة إلى جانبها أكبر عالم على ظهر الكوكب الذي ظل فيها حتى مات سنة 1955.


آينشتاين كان لاجئاً!


اليوم الخميس قضت محكمة الدائرة التاسعة في الولايات المتحدة بالإجماع بالحفاظ على تعليق أمر تنفيذي للرئيس ترامب بحظر اللاجئين والمواطنين من 7 دول ذات أغلبية مسلمة مؤقتاً من دخول البلاد في الوقت الراهن، وهذا يعني أن مواطني ولاجئي الدول السبعة قد يأتون للبلاد لكن من الممكن أن تقوم وزارة العدل باستئناف الحكم وإرسال القضية للمحكمة العليا.

ولنكون واضحين فإن أسوأ العواقب لإعادة تطبيق حظر السفر من المرجح أن تكون ذات طبيعة إنسانية، في أسبوعي الصدمة الأوائل شهد الأمر الكثير من الفوضى، وكان آلاف من المسافرين ممن ألغيت تأشيراتهم قد احتجزوا في المطارات الأميركية أو منعوا من ركوب الطائرة.

وعلى مدى عقود كانت الولايات المتحدة هي المكان الذي يأتي إليه العلماء للتعلم والفرص والحرية في مجالات عملهم، يبدو الأمر كمصيدة لكن الآن نعاني من عدم الوضوح، وربما لو غادرت غداً قد لا أستطيع العودة، هكذا يقول سلام القنطار عالم الآثار السوري المقيم في جامعة ولاية بنسلفانيا.

يقدم التاريخ أفكاراً جيدة عن الآثار طويلة الأمد للحدود المغلقة، ومن المستغرب أن العلم لا يعاني دائماً، لكنه يعلمنا مخاطر الحدود المعزولة عن العالم التي يمكن أن تضر بشدة بسمعة الولايات المتحدة كمكان للاستثمار في رأس المال الفكري.

وأضاف: "لا يوجد بلد واحد يثير نظامها التعليمي الإعجاب ويضمن فرص تفوق للأفراد الأكثر موهبة في العالم"، مثلما هو مجتمع الكفاءات في أميركا الذي يجتذب المواهب من كل العالم، وقد ذكر مجلس العلاقات الخارجية الذي شارك في رئاسته جيب بوش حاكم فلوريدا السابق في تقرير عام 2009 أن الحفاظ على القيادة الاقتصادية والسياسية للعالم يعتمد على الحفاظ على هذا التدفق من المواهب والخبرات.

"إلى جميع الباحثين: إذا استمر حظر الولايات المتحدة للمسلمين، دعونا ننقل مؤتمراتنا إلى مكان آخر. العلم يجب أن يكون مفتوحاً للجميع"، كان هذا تعليق أندرو تاك أحد مؤسسي منصة "كورسيرا" للتعليم الإلكتروني على قرار ترامب الذي يقضي بحظر دخول مهاجري دول 7 ذات غالبية مسلمة للولايات المتحدة، وأثار القرار حالة من الخوف والقلق بين العاملين في المجالات الأكاديمية والعلوم والتقنية.


نظرة للوراء إلى 11 سبتمبر


تفاصيل حظر السفر الأخير في حال تغير وفوضى مستمرة منذ أصدره ترامب في 27 يناير/يناير، ويشعر الخبراء بالقلق من أن إعادة تطبيقه سيكون له عواقب على المشاريع العلمية، وقررت المحكمة بأن الأضرار ستقع على الجامعات والمجتمع العلمي والطلاب في حال تطبيق القرار.

"يوفر العلم لغة عالمية"، هكذا تقول مارغا سولير، من الجمعية الأميركية لتقدم العلوم في مركز العلوم الدبلوماسية: "لقد كانت الولايات المتحدة قادرة على اجتذاب أفضل المواهب العلمية الدولية من خلال التمسك بمبادئ الانفتاح والشفافية وحرية تدفق الأفكار والأشخاص"،
على سبيل المثال في أعقاب الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر/أيلول 2001، شددت إدارة بوش الرقابة على الهجرة وتعرض المسافرين لتدقيق شديد وطلب من الذكور البالغين في 25 دولة تقديم أنفسهم للتسجيل، وجعل أمر حصول الطلاب الدوليين على تأشيرات دخول للانخراط في الجامعات الأميركية أكثر تعقيداً بكثير.

انخفضت طلبات الحصول على تأشيرة طالب بنسبة الربع بين عامي 2001 و2002، وارتفع الرفض لنسبة 25-34% نتيجة سياسات 11 سبتمبر تراجع عدد الطلاب الأجانب في الجامعات لعدة سنوات حسب تقرير عام 2009 الذي أعده مجلس العلاقات الخارجية، و"بشكل عام فإن عدد الطلاب الأجانب الذين يحضرون في الجامعات الأميركية كان ليكون أعلى بحوالي 25% لو استمرت معدلات النمو كما هي قبل سياسات 11 سبتمبر"، كما يقول التقرير، وخلال ترك الفترة الزمنية نفسها - يكمل التقرير - التحق الطلاب الدوليين ببريطانيا وفرنسا وأستراليا واليابان وألمانيا ارتفع مع ذهاب الطلاب لأماكن أخرى.

ومع ذلك، لا يتفق الجميع على أن سياسات الهجرة هي سبب هذا الانخفاض في عدد الطلاب الأجانب، ففي تقرير عام 2013 اعتبر ليندسي لويل من معهد جامعة جورج تاون للدراسات الهجرة الدولية أن "عاصفة كاملة" من العوامل كانت وراء انخفاض التحاق الطلاب الأجانب منها: صناعة التكنولوجيا المتطورة، وانخفاض الأجور، وزيادة رسوم التعليم الجامعي، وحتى الخوف العادي.. لكن تشديد إجراءات الهجرة فاقم المشكلات القائمة بالفعل واحتجز بعض الطلاب الدوليين خلال الاضطرابات التي حدثت.

والسبب وراء هذا الانخفاض في عدد الطلاب - كما تقول ويل - كان انخفاض متانة وجاذبية الاقتصاد الأميركي.

خلال 15 عاماً خففت بعض القيود المفروضة على السفر أو ألغيت وتعافى الاقتصاد إلى حد ما، والآن على الرغم من أن نظام التأشيرة يكاد يكون مثالياً بصعوبة وعدد الطلاب الأجانب في أميركا يتزايد وحسب أحدث الإحصاءات الصادرة عن المعهد الدولي لتقرير أبواب التعليم المفتوحة أظهر أن هناك زيادة تقارب 100% من معدلات التحاق الطلاب مقارنةً بالعام الماضي.

منذ عام 2001 قادت الولايات المتحدة إنجازات كبيرة في "الجينوم البشري" وإرسال مركبة فضائية لبلوتو ومزج التكنولوجيا مع العقول واكتشاف موجات الجاذبية بشكل مباشر ومعالجة الأمراض المعدية التي قد تتحول لأوبئة عالمية وقد لعب المهاجرين والباحثين القادمين من خارج الولايات المتحدة دوراً كبيراً في هذه الاكتشافات.

وهذا هو أحد أسباب التفاؤل بقدرة أميركا التنافسية على الرغم من سياسات إدارة ترامب التي تخلق معاناة للمهاجرين واللاجئين وتضع العراقيل أمام وصول الأجانب للبلاد، سيحتاج الأمر لتغيير السلوكيات وليس التعامل مع قرار ترامب فقط.

على الجانب الآخر تبدو السياسات الانعزالية لا تحبط دائماً الابتكار، كما هو الحال في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان "لقد كانت هذه الدولة منذ فترة طويلة انعزالية جداً تجاه المهاجرين وكان السكان المهاجرون نسبة صغيرة جداً، ومع ذلك تقدمت هذه الدول علمياً كما يشير جون سكرنتني مدير مركز دراسات الهجرة المقارن في جامعة كاليفورنيا، الذي يضيف "مع كل ذلك لا أعتقد أن سياسات إدارة ترامب والحزب الجمهوري الحالي تناهض العلم أو ستكون لها آثار سلبية خطيرة على الحياة العلمية الأميركية".

كيف يؤثر فوز ترامب على المناخ والحيوانات والصحة العامة في أميركا؟


تفكيك الإمبراطوريات


مخاوف سكرنتني من تشوّه صورة الولايات المتحدة كقبلة للباحثين الدوليين قد تكون من بين أسوأ عواقب اتجاه إدارة ترامب تجاه العلم والحقائق، مضيفاً: "سيضر هذا بنا حتى مع الطلاب الأجانب وحملة الدكتوراه الذين يدرسون هنا حالياً".

القنطار وهي مسكتشف جيولجي تفهم جيداً أن لغة أمر ترامب التنفيذي تجعل من المستحيل ليس فقط السفر لمنطقة الشرق الأوسط لأغراض البحث، لكن أيضاً سيكون من الصعب تجديد التأشيرة بعد انتهائها، ورغم أنها كانت تحلم بأن تجعل أميركا بيتها لكنها الآن تبحث عن بلدان صديقة للاجئين كبدائل مع ثقافات أكاديمية قوية مثل ألمانيا وكندا.

"أردت أن أعيش هنا جئت في البداية لزمالة ثلاث سنوات فقط مع اعتقاد أن الأمور ستعود لوضعها الطبيعي في سوريا، ومن الصعب عاطفياً لشخص كان يعيش في منزله في وطنه أن يضع حاجاته في حقيبة ويرحل والأصعب أن يضطر لفعل ذلك مجدداً".

وبعيداً عن قضية حظر السفر يقول النقاد إن رفض إدارة ترامب الاعتراف بوجود التغير المناخي وتهديداتها لتفكيك وكالة حماية البيئة وقطع البيانات الحكومية مؤشر خطير على إفساد وقمع العلوم.

"عرقلة التبادل العلمي لا يضر فقط بالقدرات العلمية للولايات المتحدة، لكن أيضاً بقوتها الناعمة والذكية وأخيراً يعد اتباع لمسار انحدار الإمبراطوريات"، كما يقول مؤرخ العلوم الدبلوماسي دينيس شرودر من كلية كينيدي للإدارة الحكومية في هارفارد.
ويزخر التاريخ بأمثلة لإمبراطوريات تضررت من ابتعاد الحكومات عن العلم الذي استمر في بعض الأحيان جنباً إلى جنب مع سقوط الإمبراطوريات!

والنظر في ما يطلق عليه الغربيون أحياناً بإسم العصر الذهبي للإسلام وهي فترة ما بين القرنين الثامن والثالث عشر عندما ازدهرت الرياضيات والشعر والفنون والعلوم في أنحاء العالم العربي.

في بغداد أنشأت الحكومة بيت الحكمة الذي كان بمثابة المركز الفكري والثقافي وهناك عمل علماء اليهود والمسيحيين والعرب على متابعة وترجمة أعمال من اليونانية والهندية والفارسية إلى العربية، لذلك كان انتشار المعرفة يتجاوز الحدود الدينية والوطنية واللغوية، "أيدت الخلافة بقوة العلوم ومكنت العلوم والتبادل العلمي"، كما يقول شرودر.

ثم غزا المغول في منتصف القرن الثالث عشر بغداد وتسارع تراجع العلوم بسبب التحزب ونمو الفلسفات المعادية للعلوم، نهب المغول بغداد وهدموا بيت الحكمة وأخلوا بتوازن الدين والعلم وأنهوا قرون من الزخم الفكري وانتهى العصر الذهبي وضاعت فرصة المساهمة العالمية في مستقبل المعرفة.

حدث ما يشبه ذلك أيضاً في الصين منتصف القرن العشرين عندما حاول الرئيس ماو تنقية البلاد وإعادتها للعادات القديمة والأفكار والثقافة التقليدية، وتم تطهير الجامعات من الأكاديميين وعلى النقيض من آلاف السنوات من قيادة الصين للعلوم لا تزال الصين تحاول استعادة سابق عهدها خاصة في علم الفلك حيث كانت من قبل تتصدر القيادة فيه.

محاولة تطويع العلوم لتناسب الأيديولوجيا لم تتحقق بشكل جيد بالنسبة للاتحاد السوفيتي في مناسبة أواخر عشرينات القرن الماضي، إذ بدأ السوفيت في تتبع النظريات العلمية الزائفة التي دافع عنها حزب يسينكو كحقائق وتبنت تلك النظريات أفكاراً خاطئة جداً حول الوراثة وعلوم النبات وباء تطبيقها الزراعي بفشل ذريع، وفي محاولة حكومية لدعم يسينكو قامت الحكومة بسجن ما يقرب من 3000 من العلماء الذين اختلفوا معه وأعدم بعضهم، لكن خططه فشلت وانتهت نهاية مأساوية بتفاقم المجاعة وفساد الحقائق العلمية ولم يسعد علم أبحاث جينات الزراعة والنباتات عافيته حتى خمسينات القرن الماضي.

وفي الآونة الأخيرة شهدت فيدرالية العلماء الكنديين تجربة مماثلة من قبل حكومة المحافظين وصفها البعض بتسع سنوات من الاعتداء على العلم، وتم منع العلماء من التحدث بحرية مع الصحافية حول كل شيء من الثلج لسمك السلمون حتى تم انتخاب رئيس وزراء البلاد الجديد جاستن ترودو في عام 2015 ما جعل العلماء يعملون بحرية أكثر.


وادي السيليكون وقرار ترامب


تجمع الشركات الكبرى في وادي السيليكون على أنه لم يكن لهم وجود لولا المهاجرين الذين صاروا يواجهون فجأة خطر الترحيل، فمن "أبل"، و"جوجل"، و"فيسبوك"، إلى "مايكروسوفت" وغيرها من شركات وادي السيليكون، كان الموقف واحداً، وهو أن الحد من الهجرة يضر بالموظفين وبالابتكار.

ونقلت صحيفة "ماشابل" قول الرئيس التنفيذي لشركة "أبل"، تيم كوك: "لولا الهجرة لما وجدت أبل، ناهيك عن الازدهار والابتكار اللذين نشهدهما حالياً"، مؤكداً أن عملاق التكنولوجيا الأميركي سيبذل كل ما في وسعه لمساعدة الموظفين المتضررين من هذا القرار.

وفي محاولة لفتح عيون ترامب لتبعات هذا القرار، اتصل كوك بالبيت الأبيض، وحاول أن يشرح عواقب هذا القرار على الولايات المتحدة.

بدوره، أعرب ترافيس كالانيك، مؤسس شركة "أوبر"، عن قلقه من سياسة ترامب، وقال إن موظفي الشركة في مرمى قرار ترامب، إذ إنه يمسّ "آلاف السائقين". كما انضم إلى حملة الانتقادات مؤسس "تويتر"، جاك دورسي، الذي أكد أن شركته نجحت بفضل المهاجرين، مشدداً على أن القرار الجديد يضر بالاقتصاد وليس إنسانياً.

كما كتب مؤسس فيسبوك، مارك زوكربيرغ: "إن الولايات المتحدة أمة المهاجرين ويجب أن نفخر بذلك"، معرباً عن تأييده للمهاجرين.

وفي يوليو/تموز الماضي أصدرت مجموعة كبيرة من مديري الشركات التقنية بوادي السيليكون رسالة موحدة خلاصتها أن صعود ترامب سيضر الجميع وسينال من الاقتصاد والإبداع والشركات والعلوم، قائلين: "استمعنا لترامب على مدى السنة الماضية، وتوصلنا إلى أنه سيكون كارثة للإبداع. توجهه يقف أمام حرية الأفراد والأفكار الجديدة، كما أنه يقف أمام التعاملات الخارجية التي يعتمد عليها اقتصادنا وهو الأساس لإبداعنا وتطورنا والانتشار".

تمت الاستفادة من تقرير مجلة "ناشيونال جيوغرافيك" المنشور بالإنكليزية على هذا الرابط: