بشرى للنساء.. العلماء يبدأون بصناعة الألماس في المختبرات.. فبماذا ينصح منتجو المعدن النفيس؟

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

هل يصبح الألماس الهدية التقليدية في عيد الحب، هل يصبح الرجل العادي قادراً على مصالحة امرأته بخاتم لامع مِن الألماس دون أن يبدد مدخراته الثمينة؟

في مُجمع مكاتب رتيب في إحدى ضواحي واشنطن، وفي مختبرٍ خالٍ من النوافذ في أحد المباني المجهولة، يُنتِج ياردن زاك الألماس.

لا نتحدث هنا عن أحجار الراين، أو أكسيد الزركونيوم الرباعي، وإنَّما أحجار ماس حقيقية.

فخلال فترةٍ تصل إلى 8 أسابيع، وفي داخل حجرةٍ ممتلئة بالغاز، يُعيد زاك تكرار عملية عادةً ما تأخذ مليارات السنين في أحشاء الأرض.

فعبر ذرة كربون تلو الأخرى، يخلق أكثر أحجار الطبيعة صلابةً، وأبهاها وأكثرها رومانسية، حسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.


ممنوع الاقتراب


إلا أنَّه لا يُسمح لأحد برؤية هذه العملية، فمعامل شركة "WD Lab Grown Diamonds"، حيث يشغل زاك منصب مدير قسم التكنولوجيا، تحرس التكنولوجيا الخاصة بتصنيع ألماس بنفس الحماس الذي تعمل به على تطويرها.

وهذه هي الإجراءات التي تتخذها أية شركة عندما تكون مستهدفةً من قبل منافسيها، وسارقي المجوهرات، وصناعة الألماس التقليدية التي تتمنى زوالها، كل هؤلاء معاً.

ويقول زاك: "كل شيء يلاحقنا". وهو يعني ما يقوله بجدية.


الألماس الدموي


حتى منتصف القرن الماضي، تكونت كل أحجار العالم من الألماس منذ أكثر من مليار سنة في جوف كوكب الأرض الساخن والمظلم.
فدرجات الحرارة الهائلة والضغوط أجبرت ذرات الكربون هناك على التلاحم في بِنيةٍ ثلاثية الأبعاد وخاليةٍ من العيوب، التي ثبتت شدة صلابتها وفاعليتها في الوقت ذاته، وقدرتها في ثني أشعة الضوء وعكسها. وكانت النتيجة هي جوهرة تصبح مبهرةً بشكلٍ لا مثيل له بعد قطعها وصقلها.

ولكن جلب هذه الأحجار إلى السطح تطلَّب جهوداً ضخمة، وأحياناً أعمالاً دموية.

فالتأثير البيئي لمناجم الألماس شديد الانتشار، لدرجة أنه يمكن رؤيته من الفضاء.
كما أن الكلفة البشرية المتعلقة باستخراج بعض هذه الأحجار صاعقة: كإجبار الأطفال على العمل في المناجم، وبيع ما عُرِفَ بـ"الألماس الدموي" لتمويل الحروب.

وفي حين أُنشِئت مبادرة "عملية كيمبرلي" عام 2003، التي تقوم بالتصديق على كون عملية استخراج أحجار الألماس وبيعها "خاليةً من الصراعات"، للحد من تدفق هذه الأحجار في السوق العالمية، إلا أن النقاد يطالبون بإجراءاتٍ أكثر شدّة.

وفي عام 2011، انسحب أحد قادة المبادرة، الذي كان من المفترض أن ينفذ برنامج التدقيق، وذلك بعد استنتاجه أن البرنامج فشل.


ماذا يقول التجار؟


يقول منتجو الألماس التقليدي، إنَّ نسبةً صغيرة فقط من الألماس عُرضة للشبهة هذه الأيام، لأنهم اتخذوا خطواتٍ تضمن أن المناجم تطبق المعايير الاجتماعية والبيئية السليمة.

ويشكك هؤلاء في جاذبية الأحجار المُنتَجة في المختبرات، ويرون أن النسخ التي يصنعها الإنسان لا يمكن مساواتها بالتي تم استخراجها من الأرض.

وكان شعار الحملة الإعلانية الأخيرة لمنظمة "رابطة منتجي الألماس"، التي يظهر فيها زوجان عصريان يرقصان فرحاً وسط مواقع طبيعية خلابة، هو "الأحجار الحقيقية نادرة".

فكرة الحملة غير صريحة، ولكنها واضحة: لا ينبغي لأحد أن يتقدم للزواج من حبيبته بجوهرةٍ صُنعت داخل مُجمع مكاتب رتيب.

إلا أن زاك يهز رأسه، ويرفع أحد منتجات شركته، ليبدو بريقه تحت ضوء الغرفة.

ويقول زاك: "أُنتِجَ هذا الحجر هنا بالقرب من واشنطن العاصمة، بواسطة أناسٍ لديهم تأمينٌ صحي، وإجازات مرضية، وعطلات. فهل هذا ألماس حقيقي أم لا؟... يمكن لأي شخص أن يقرر ذلك بنفسه".

يصنع العلماء الألماس منذ الخمسينيات، مقلدين الظروف التي تحت سطح الأرض بتسخين الكربون إلى أقصى درجة حرارة ممكنة، وضغطه بمكابس هيدروليكية. إلا أن الأمر تطلب منهم عشرات السنين الأخرى ليصنعوا أحجاراً كبيرة الحجم بجودةٍ عالية.

ولم تكن هذه الأحجار بنفس حجم وشفافية أفضل أحجار الألماس التقليدية، ومعظمها كان أصفر أو بني اللون نتيجة للنيتروجين الضروري لاستقرار عملية نمو الأحجار. ومع ذلك، كانت شركات الألماس التقليدي قلقة منهم.


إفلاس


وكان تاجر ألماس بلجيكي قد قال لموقع "وايرد" عام 2003: "هذه الأحجار ستؤدي إلى إفلاس الصناعة ما لم نتوصل إلى طريقةٍ لكشفها".

واليوم، هناك حوالي اثني عشر شركة حول العالم تنتج ألماساً لا يمكن تفريقه عن الأحجار المستخرجة من المناجم، ويصلح لخواتم الخطبة وهدايا عيد الحب.

وتركز أربع شركات أخرى على تصنيع الألماس المستخدم في المصانع ومختبرات البحث فقط.

واحدة من هذه الشركات الأربع، شركة "إيليمنت سيكس"، تديرها شركة "دي بييرز" المشهورة للتنقيب عن الألماس.

ويقول روب باتس، من مجلة "JCK" الخاصة بتجارة الألماس: "الصناعة ما زالت حيوية كما كانت دائماً".

تعتمد شركة "WDLG" على تقنياتٍ طورها علماء في معهد كارنيغي للعلوم. يبدأ الأمر بقطعة صغيرة من الألماس، تُمثل الركيزة التي يعتمد عليها الحجر الجديد في النمو.

تُوضع هذه القطعة داخل حجرة خالية من الهواء مملوءة بالهيدروجين والميثان، اللذان يتحولان إلى بلازما، أي إلى غاز ساخن ومتأين.

تنجذب ذرات الكربون الموجودة في الميثان، والتي أصبحت مشحونةً بطاقةٍ عالية، إلى قطعة الألماس الموجودة في قاع الحجرة، وتبدأ في تشكيل الروابط شديدة القوة التي يتميز بها الألماس. ومع انضمام كل ذرة جديدة، تصبح جزءا من بِنية الألماس الشبكية بسلاسة كأنها قطعة من قطع أحجية.


تفاصيل مجهولة


ومن جانبه، يقول راسل هيملي، الذي قاد تطوير العملية في معمل كارنيغي الجيوفيزيائي في أواخر التسعينات "التفاصيل ما زالت غير واضحة بشكلٍ كامل.
إلا أن وجود الهيدروجين يؤدي إلى ترسب الكربون في شكل ماس وليس جرافيت. وهذه هي الطريقة التي يمكنك بها زراعة الألماس خارج ما يُعرف بمنطقة استقراره"، في إشارة إلى الضغط والحرارة القصوى الموجودين في باطن الأرض.

وعندما يصل الحجر إلى حجمٍ معين، يضعه فريق زاك في حجرةٍ أخرى، ويُعرِّضونه لأشعة الليزر لاستئصال بذرة الألماسة وتحديد سطح الحجر الجديد.
وما ينتج عن هذه العملية هو شيء صغير ومربع، يصل حجمه إلى عُقلة الإصبع. كما أنَّه داكن اللون نتيجةً لغشاء الجرافيت الرقيق (الهيئة الأخرى للكربون الصافي)، والذي يتكون من عملية القطع بالليزر. هذه القطعة الناتجة تكون ذات شكلٍ متواضع يشبه البلاستيك إلى حدٍّ ما.

بعد ذلك، يذهب المنتج إلى المِصقلة التجارية لقطعه. ويختار زاك نمطاً باستخدام برنامج إلكتروني معين يساعده على استخراج أقصى عدد من الأحجار من الحجر الناتج وتجنب وجود أي عيوب بها.

أما آخر مرحلة فهي المعهد الدولي للأحجار الكريمة، حيث يتم تصنيف الحجر واعتماده.

ووفقاً للقانون الاتحادي الأميركي، تُنقش على الحجر جملة "صُنِعَت في مختبرات الولايات المتحدة الأميركية"، ورقم تسلسلي لتفريقها عن الألماس المستخرج من المناجم.

ومع أن الملصق صغير جداً، إلا أن منتجي ذلك النوع من الألماس يتمنون التخلي عن هذا المصطلح الذي يشبه المصطلحات الطبية. فالاسم لا يوحي بالجاذبية.


انهيار السوق


تمثل مبيعات الأحجار المصنوعة في المختبرات حوالي 1% من سوق تجارة الألماس العالمي، إلا أن تقريراً من شركة "مورغان ستانلي" الاستثمارية نُشِرَ عام 2016 اقترح أن هذه النسبة قد تقفز إلى 7.5% في نهاية العقد الجاري.

وفي سيناريو آخر يصعب حدوثه، يقول أحد المحللين إنَّ الألماس المُصنَّع في المختبرات قد يصبح شديد الانتشار إلى درجة انهيار السوق التقليدي بأكمله.

ففي نهاية الأمر، ذلك السوق يعتمد على المشاعر والندرة. وهو المزيج الذي جعل من حملة شركة "دي بييرز" المشهورة: "a diamond is forever"، أو "الألماس يبقى للأبد" شديدة الفاعلية.

فقد حولت الحملة الألماس إلى أكثر الرموز تعبيراً عن الحب الأبدي، إلى أحجارٍ يُحتفظ بها ولا يمكن بيعها مجدداً أبداً.

وساعدت هذه الاستراتيجية العبقرية على ضمان بقاء شركات ألماس متحكمة في عملية العرض.

إلا أن أحجار المختبرات حطمت ذلك الوهم. لأنَّه أصبح يمكن تصنيعها عند الطلب في غضون أسابيع، وتكلفتها تقل بنسبة 10% إلى 40% عن تكلفة الأحجار المُستَخرَجة من الأرض. ونتيجةً للتطور المستمر للتكنولوجيا، من المحتمل أن تصبح أرخص مع الوقت.

إذاً ماذا سيحدث الآن؟ هل سيصبح الألماس مجرد حجر لامع آخر؟


الخواتم ليست مهمة


يقول هيملي، العالم البارز في مجال تصنيع الألماس ساخطاً على هذا الكلام الحالم: "ارتداء أحجار ألماس كخواتم هو أقل الأشياء التي يمكن فعلها باستخدام أحجار ألماس للإثارة".

ويضيف "الألماس مادة استثنائية. وخصائصها الجوهرية لافتة للنظر"، مشيراً إلى صلابة الحجر، وخصائصه البصرية، ومرونته".

فهذه الأحجار هي واحدة من أفضل مُوصّلات الحرارة وعوازل الكهرباء الطبيعية، وعند استخدامها في صناعة أشباه الموصلات تحمي السيليكون من ارتفاع درجة الحرارة. كما يستخدم الألماس في صناعة رؤوس آلات الثقب، والألواح الشمسية، والليزر شديد القوة.

ويوماً ما، ربما ستساعد جسيمات الألماس الصغيرة النانوية في إيصال الدواء إلى الخلايا المصابة بالسرطان.

كما تفتح الأحجار المُصنَّعة في المختبرات الباب لمزيدٍ من الاحتمالات، إذ ستُمكن العلماء من استكشاف أسئلةٍ أكثر عن الكون.

ويعمل هيملي، وهو الآن أستاذ في جامعة جورج واشنطن، مع شركة "WDLG" لتطوير أحجار أفضل من أجل آلاتٍ تسمى خلايا سندان الألماس.

فمن خلال ضغط حجرين معاً (الألماس هو المادة الوحيدة التي باستطاعتها تحمل مثل هذه الضغوط) يمكن للعلماء محاكاة الظروف الموجودة داخل الكواكب. وبهذا ربما يمكنهم ضغط الميكروبات التي تكمن داخل قشرة الأرض ليفهموا كيف يمكنها مقاومة وزن الأحجار الساحق فوقها.

وربما يمكن للعلماء محاكاة سلوك الغازات التي تتحمل ضغط الكواكب الغازية المرتفع، مثل زُحل والمشتري.

كما يمكنهم ضغط المواد إلى الحدود القصوى لتكتسب خصائص جديدة.

وفي شهر يناير/كانون الثاني 2017، زعم علماء الفيزياء في هارفارد أنَّهم استخدموا ملزمةً من الألماس في تحويل الهيدروجين إلى حديد، وهي خطوةٌ مهمة في سبيل تطوير نوعٍ جديد من المواد فائقة التوصيل.

وتشكل شفافية الألماس شيئاً حيوياً في هذه التجارب. فهي تمكن الباحثين من إرسال أشعة الضوء، من الأشعة السينية إلى الأشعة تحت الحمراء، من خلال خلية السندان لاستكشاف المادة التي بالداخل.

ويستخدم رينارد بولر، الباحث في معهد كارنيغي ومختبر "أوك ريدج" الوطني في ولاية تينيسي الأميركية، شعاع النيوترون لفحص العناصر مثل الكربون والهيدروجين تحت الضغوط شديدة الارتفاع. وتتطلب المهمة توافر أحجار ماس مثالية وكبيرة الحجم، وهذه لا يمكن إنتاجها سوى في المختبرات، لأن الألماس التقليدي كثيراً ما يحتوي على عيوب، وكبير الحجم منه يكون باهظ الثمن، خاصةً أن معمل بولر يكسر كثيرا من سنادينه أثناء الاختبارات.

وأضاف ضاحكاً: "الألماس، بالنسبة لنا لا يبقى للأبد".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للإطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.