السيسي يخصّص أراضي النوبيين للمستثمرين.. ونشطاؤهم: نحن أقدر على استصلاحها بدلاً من المشروعات الفاشلة

تم النشر: تم التحديث:
S
s

يناضل النوبيون في مِصْرَ من أجل استعادة أرض أجدادهم التي تعتزم الحكومة منحها لمستثمرين كبار في إطار مشروع قومي عملاق مشكوك في جدواه، بينما يؤكد النوبيون أنهم أقدر على استصلاحها.

لم يتبق من الإمبراطورية النوبية في جنوب مصر، والتي كانت مزدهرةً يوماً ما، سوى عدة مناطق، من بينها منطقةً صحراوية بالقرب من مدينة أسوان، لكنَّ أحفاد الإمبراطورية ممنوعون من دخول المنطقة، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وعندما حاولت مجموعةٌ من 150 مُحتجَّاً منهم الوصول إلى المنطقة في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، كان أقرب ما استطاعوا الوصول إليه يتمثَّل في اعتصامٍ أقاموه على طريقٍ خارج المدينة.

وفي بداية يناير/كانون الثاني 2017، أُلقي القبض على ثمانية شبان لتنظيمهم مزيداً من الاحتجاجات ضد بيع الأراضي، التي تقع غرب بحيرة ناصر، للمستثمرين.
وبعد أيام، استدعت السلطات المصرية محمد عزمي، رئيس الاتحاد النوبي العام. وقال عزمي إنَّهم هدَّدوه بالاعتقال إذا لم يحل هو وزملاؤه الاتحاد ويجمِّدوا أصوله.

ويقول عزمي إنَّ "على النوبيين الآن أن يدفعوا الأموال مقابل الأرض التي عاشوا عليها لسنوات"، مُضيفاً أنَّه يعتقد أنَّ الخطط الحكومية لإعادة تنمية منطقةٍ تحتوي على مواقع كانت تضم سابقاً 17 قرية نوبية.

وكانت الإمبراطورية القديمة للنوبيين تُغطِّي ذات يوم مساحاتٍ شاسعة من مصر والسودان.
وبالنسبة للنوبيين، تُعَد المنطقة حول بحيرة ناصر هي الأثر الأخير المُتبقّي من أراضي أجدادهم. لكنَّ بالنسبة للحكومة المصرية، كما يقولون، لا تُمثِّل سوى الفرصة الأحدث للتنمية.

وقالت فاطمة إمام ساكوري، وهي ناشطة حقوقية نوبية مُقيمة في القاهرة، إنَّ "قضية أراضي النوبة توضح أنَّ الحكومة ليست راغبةً في دعم مواطنيها لتنمية أراضيهم، لكنَّها تُفضِّل اتِّباع الطريق السهل، والذي يتمثَّل في بيعها للمُستثمرين".
ويعكس هذا الخلاف التوتر طويل الأمد بين خطط الحكومة للتنمية، ورغبة النوبيين في حماية موطن أجدادهم.

ففي 2014، وهو نفس العام الذي وعد فيه الدستور النوبيين صراحةً بإمكانية عودتهم إلى موطنهم، خصَّص عبد الفتاح السيسي، الرئيس المصري، جزءاً من المنطقة الواقعة غرب بحيرة ناصر كمنطقةٍ عسكرية محظورة .
ويتم تحضير الأرض الواقعة ضمن هذه المنطقة الآن لمشروع الحكومة الزراعي العملاق، والذي يهدف إلى تحويل 1.5 مليون فدان من الصحراء القاحلة إلى أرض زراعية خضراء.

ووفقاً للسيسي، لا يهدف ذلك فقط إلى "تقليل الفجوة الغذائية"، لكن كذلك للمساعدة في دفع الاقتصاد المصري المُتعثِّر؛ إذ يعتمد ما يقارب 11% من الناتج المحلي الإجمالي على الزراعة.


تنمية لا تتحقق


ومع ذلك، يشير المُنتقِدون إلى أنَّ المشروعات الطموحة المماثلة فشلت في تحقيق أية نجاحاتٍ في الماضي، ويخشى الكثيرون من خسارة أراضيهم لصالح تنميةٍ قد لا تتحقَّق في النهاية.

وأشار التقرير إلى أن الحكومة المصرية عانت طويلاً مع تحديات الزيادة السكانية السريعة في البلاد التي تتكون في معظمها من الصحراء، كما عانى النوبيون بالقرب من أسوان من تبِعات جهود التنمية.
فقد هُجِّروا في الستينيات بعد بناء السد العالي بعد تشكل بحيرة ناصر، والتي تكونت بناء السد العالي حيث غمرت مياه البحيرة معظم أراضي أجدادهم، وانطمرت آلاف السنوات من تاريخهم تحتها.

وتمكَّن علماء الآثار، برعاية اليونسكو، ولجنة التراث العالمي التابعة للأمم المتحدة، من نقل معبد أبو سمبل حجراً حجراً إلى تلةٍ اصطناعية فوق سطح الماء فيما نُظِر إليه على أنَّه الانتصار الوحيد ربما في مواجهة الغرق في مياه النيل.
لكنَّ آلافاً من النوبيين الذين فقدوا منازلهم بدأوا معركةً للعودة إلى أراضيهم حول بحيرة ناصر التي تكونت بعد بناء السد العالي. ويتواصل كفاحهم إلى يومنا هذا.


نيل جَديد


في أواخر التسعينيات، صادرت حكومة حسني مبارك جزءاً من الأرض المُتنازع عليها حالياً، (وهي الأرض التي خُصِّصت الآن كمنطقةٍ عسكرية) محظورة، من أجل مشروع توشكى الرئيسي، والذي يهدف إلى تصريف مياه بحيرة ناصر لإنشاء وادي نيل "جديد"، يكون من شأنه الحفاظ على استدامة مجتمعٍ عمراني مزدهر، لا يخدم فقط الأرض الزراعية، لكن كذلك المصانع، والمدارس، والمستشفيات.

وكانت محطة رفع مبارك في القلب من هذه المبادرة، وافتُتِحَت في عام 2005، لكنَّ العمل لنقل المياه عبر الصحراء المحيطة كان بطيئاً.

وتحول المشروع إلى مثالٍ على فشل الحكومة لسنوات بعد أن عانى من مشكلاتٍ مثل مستويات الملوحة العالية في الصحراء، التي أدَّت في النهاية إلى تلويث المياه الجوفية. ولم تُروَ إلا القليل من الأراضي الزراعية، وظلَّت السهول الصحراوية المترامية هي السائدة حيث كان يُفتَرَض أن تكون التنمية العمرانية الزاهرة.
ثم أحيا السيسي بعد ذلك الخطط لإنشاء توشكى فوق نفس الشريط من الأرض في محافظة أسوان كجزءٍ من المشروع في 2015.

سيكون إنشاء المزيد من الأراضي الزراعية في بلدٍ يعيش فيه 95% من السكان على 3% من مساحة الأرض أمراً منطقياً. لكنَّ المُنتقدين يقولون إنَّ المشروع يمكن أن يكون آخر المشاريع الفاشلة فحسب في ظل سوء الإدارة الحكومية والوعود الكاذبة.


أحلام الصحراء


ويقول ديفيد سيمز، مؤلِّف كتاب "Egypt’s Desert Dreams"، إنَّ "مشروع المليون ونصف فدان هو مشروعٌ عملاق آخر تروِّج له الحكومة لتحقيق أهدافٍ سياسية بالأساس. حتى الآن، المشروع في الغالب عبارة عن سلسلةٍ من التصريحات".

ويُشكِّك سيمز، الذي يقول إنَّ 10 آلاف فدان فقط من الأرض جرى استصلاحها بنجاحٍ حتى الآن، في إمكانية تنفيذ مشروعاتٍ طموحةٍ كتلك. ويقول: "من الصعب تقييم الجدوى، لأنَّه لا تُوجَد سوى معلوماتٍ محدودة حتى للمُستثمرين. وكون المواقع المُتناثِرة على امتداد الصحراء تعتمد جميعها على المياه الجوفية هو مدعاةٌ للقلق".

وتُعَد ادِّعاءات الحكومة كذلك بأنَّ المشروع سيوفِّر فرص عمل مطلوبة بشدة في ظل البطالة العالية بين الشباب في مصر هي الأخرى أمراً محل شك، وذلك بالنظر إلى أنَّ التكنولوجيا المُستَخدمة لم تُفسِح المجال إلى الآن سوى إلى حاجةٍ قليلة من العمال.

ويُخالِف أولئك المشاركون في المبادرة تلك الادِّعاءات. إذ قال عاطر حنّورة، رئيس مجلس إدارة شركة الريف المصري الجديد، وهي الهيئة المسؤولة عن الإشراف على المشروع تحت إشراف هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التابعة للحكومة المصرية، إنَّ "المشروع يسير وفقاً للجدول الزمني. إنَّه مشروعٌ عملاق، سيستغرق أكثر من ستة أشهر لتطويره".
ونفى حنّورة كذلك أن يكون المشروع سبباً في إعادة التوطين القسري للمجتمع النوبي، قائلاً إنَّ المنطقة التي يسعى النوبيون إلى استعادتها لن تشملها المبادرة.

لكنَّ النوبيين يقولون إنَّ جزءاً من الأرض التي صُودِرت منذ فترةٍ طويلة من أجل مشروع توشكى هي منطقةٌ يعتبرونها موطنهم. وحينما أقام السكان النوبيون احتجاجاتٍ ضد مصادرة أرضهم في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، منعت قوات الأمن وصولهم إلى الأرض المُخصَّصة لتوشكى.

بالنسبة للنوبيين، يُعَد بيع أراضيهم إلى المستثمرين هو الأحدث ضمن سلسلةٍ من الإهانات من جانب حكومة السيسي. إذ قالت فاطمة إنَّ "الحكومة لا تفي بالتزاماتها الدستورية، ناهيك عن قانون مكافحة التمييز. أرضنا غنية، وصالحة لأغراضٍ مختلفة كالسياحة، أو التعدين، أو الزراعة، ولذا يرغبون في أخذها. لكن إذا تمكَّن النوبيون من الوصول إليها، سيقومون بعملٍ أفضل من الحكومة، وبالتالي يمكنهم الاستثمار معنا"، حسب قولهم.

ويقول نشطاء حقوقيون إنَّ النوبيين يواجهون العنصرية والتمييز في كثيرٍ من الأحيان داخل المجتمع المصري، ويدَّعون أنَّ الحكومة تتقاعس عن بذل الجهد لحماية ثقافتهم ولغتهم.

وبالنسبة لفاطمة، يدل بيع أراضي أجدادهم على أنَّ الإجحاف قد بلغ مرحلةً جديدة. وتقول: "الاستيلاء على أراضينا هو ذروة التمييز الذي نتعرض له".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.