لهذه الأسباب تكتفي معظم الأسر اللبنانية بطفلٍ واحد فقط.. ما تبعات هذا القرار؟

تم النشر: تم التحديث:
LEBANON FAMILY
Anna Omelchenko via Getty Images

"هل أنتِ حامل؟!"، سؤال لا بد للزوجة أن تسمعه من أقاربها ومن حولها، ولكن في لبنان بات هذا السؤال لا يُطرح كثيراً مع اكتفاء كثير من الأسر بطفل واحد.

ما إن تدخل المرأة القفص الذهبي حتى تتوارد الاستفسارات عن موعد قدوم ولي العهد، لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ بل يسأل الجميع عن الطفل الثاني والثالث.

فلطالما كان الاعتقاد السائد في المجتمع اللبناني هو ضرورة زيادة عدد العائلة قدر المستطاع، فيقولون: "بيعيشوا من ورا بعض" (أي إن الأسر تعتمد على الدعم المتوالي من الأبناء الكثيرين)، لكن هذا الاعتقاد بدأ يزول تدريجياً مع الجيل الصاعد؛ إذ انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة الطفل الواحد، فما أسبابها ونتائجها على المدى البعيد؟

وتشير بيانات اليونيسف إلى تراجع زيادة السكان الطبيعة في لبنان الذي يعد سباقاً بين البلدان العربية في ميدان التحوّل الديموغرافي؛ نظراً لانخفاض معدلات الخصوبة وتبني سلوكيات "عصرية" في الحياة، لذا فإن هذا النمو يهبط إلى تحت عتبة التجدد السكاني.


الحياة العملية هي السبب


تقول رويدا سعيد (29 عاماً) لـ"هافينغتون بوست عربي"، إنها تحب الأطفال والعائلة الكبيرة، لكن حياتها العملية حرمتها من ذلك، فهي صاحبة محل تجميل وابنها بلغ من العمر 10 سنوات.

وهي تفكر باستمرار في أن تنجب طفلاً آخَر لكنها تعود لتقول: "سوف أغلق المحل الذي هو مصدر رزقي؛ من أجل الولادة، ومن الممكن أن أخسر زبائني".

زوجها لا يجبرها على اتخاذ أي قرار يضر بمصلحتها، فهو يقف إلى جانبها ويدعمها قائلاً: "ولد واحد نربيه جيداً ونؤمّن له كل متطلباته أفضل من خمسة لا نستطيع تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة لهم".

وتوافقها الرأي أمل حسين (34 عاماً) التي أنجبت طفلة واحدة، وعلى الرغم من إصرار أهلها وأهل زوجها على إنجاب ولي العهد كما يسمى، إلا إنها تفضل الاكتفاء بطفل واحد قائلة: "ما بتفرق بنت أو صبي، عشت الأمومة، والله يعطيني العمر لكي أوفر لها كل ما تريد ولا تحتاج أي شيء".

ظروف أمل جيدة؛ فهي تعمل موظفة علاقات عامة في إحدى الشركات، لكنها لا تحب الأطفال وتعتبر أن طفلاً واحداً يكفي وتسأل: لماذا المزيد؟!، الآن، تبلغ ابنتها 8 سنوات واعتادت العيش بمفردها، على حد قولها، فيما تواجه أمل صعوبة معها بسبب أنانيتها المفرطة، لكنها تحاول أن تكسر هذا السلوك قدر المستطاع.

زوج أمل موظف أيضاً، حياته -كما تقول أمل- تتلخص في "اللابتوب" فهو يعمل طيلة الوقت ولا يجد غير يوم واحد في الأسبوع لعائلته، وتضيف: "خلينا نربي اللي موجود والله يخليها بصحتها".


حالة اقتصادية متردية


وتمر مونيك موسى (45 عاماً) بالحالة نفسها، لكن ابنتها بلغت من العمر 15 عاماً، إذ تقول: "الوضع المادي لا يسمح لنا بإنجاب طفل آخر، فاكتفينا بابنتي كارلا".

كارلا، عاشت وحيدة، لكن مونيك تحاول طيلة هذه الفترة أن تكون مثل أختها؛ إذ تقول: "يرتدي بعضنا ملابس بعض ونمارس هوايات مشتركة، نسافر معاً ونخرج معاً بشكل أسبوعي، فلم تشعر يوماً بأنها وحيدة"، حسب قولها.

فيما تحدثت ابنتها كارلا قائلةً: "ماما كل شيء بحياتي، أشعر بأنها أختي وليست أمي، نقضي معظم الأوقات مع بعض، خاصة أن والدي مشغول دائماً".

وحول ما إذا كانت تشعر بفراغ بسبب عدم وجود أخ أو أخت إلى جانبها، تقول كارلا: "لم أعش شعور الأخ أو الأخت كي أفتقده، فلقد اعتدت أنني وحيدة".


ظاهرة عالمية وليست لبنانية!


وفي حديثه مع "هافينغتون بوست عربي"، قالت رئيس نقابة المعالجين والمحللين النفسانيين في لبنان، والاختصاصية في علم النفس العيادي الدكتورة ماري نهرا، إن هذه الظاهرة عالمية وليست لبنانية، وهي تعود إلى أسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، حيث تفكر الأسرة كثيراً قبل أن تنجب، فأولاً الزوجان يعانيان مشاكل مادية، تُجبرهما على الحد من الإنجاب.

ويدخل هذا، بحسب رأي الدكتورة نهرا، ضمن التخطيط الأسري (تنظيم الأسرة)، الذي عملت به الكثير من البلدان الأخرى، مثل الصين.

ولا ينحصر السبب في النواحي المادية فقط؛ بل يتعداها إلى مسألة الاهتمام والرعاية، فعندما يعمل الرجل والمرأة، يجدان أنفسهما عاجزيْن عن توفير الرعاية للطفل، يُدخلهما هذا في دائرة التردد في إنجاب طفل آخر.

بينما تضيف نهرا: "يعتبر الاستقرار الأمني سبباً آخر للحد من الإنجاب في لبنان، فالزوجان لا يستطيعان أن يحميا نفسيهما، فكيف سيحميان طفلهما في وضع أمني غير مستقر!".

مشددةً على أن دور المرأة وتفعيله في المجتمعات الحضارية والمعاصرة يجعل من الأمومة والأبوة في الدرجة الثانية من الأولويات؛ ففي الدرجة الأولى يوجد تحقيق الذات والرغبات والطموحات الشخصية، من أجل مصلحة الفرد قبل مصلحة الأسرة، لذلك يكتفيان بولد واحد ويعتبران أنهما حققا الأمومة والأبوة من خلاله.


افتقار للخبرات النفسية


وعن تأثير هذه الظاهرة على الطفل الوحيد، تجيب نهرا: "طبعاً، الطفل الوحيد حُرم من الحياة الأسرية الكبيرة، وهذا يُفقده خبرات نفسية، لذلك على الأهل أن يعوضوا له الفراغ الموجود، من خلال إشراكه في أمور أخرى خارج المنزل، أي إنشاء شبكة من الأصدقاء، والتنسيق للقاءات خارج المنزل؛ كي يتعلم الولد المشاركة ويبتعد عن الأنانية والتفرد والدلع".

وتضيف الاختصاصية في علم النفس أن التأثير ليس سلبياً فقط؛ بل هناك إيجابية تتمثل في إعطائه أكبر قدر ممكن من الوقت؛ لأنه وحيد.

وتنصح نهرا بأن يتم التعامل مع الطفل الوحيد بجدية ورصانة، دون الأخذ بعين الاعتبار أنه وحيد، إضافة إلى ضرورة الإكثار من الصداقات، على أن يُعَلم الطفل كيف يعطي عاطفته خارج المنزل ولا يحصرها فقط في والديه.

وتضيف: "يجب أيضاً توزيع الأدوار بين الأهل على أن يعطوا الولد رعايةً وحناناً، إضافة إلى سُلطة وقوانين تضبط الرغبات؛ كي لا يشعر الولد بأنه يحق له ما لا يحق لغيره".


بناء مجتمع خلّاق


وعن مدى تأثير هذه الظاهرة على المدى البعيد في المجتمع اللبناني، تقول رئيس نقابة المعالجين والمحللين النفسانيين في لبنان: "إذا ما تم تركيز الاهتمام بالطفل كفرد وإنسان بهدف بناء شخصية متزنة ومتكاملة بالتناسق بين الفكر والعاطفة والجسد، يكون هذا جيداً لمستقبل أفضل".

وركزت نهرا على "ضرورة إعطاء الطفل حقه في الكلام والتعبير والاستماع له، وحثه على التواصل مع الأخرين؛ لأننا نعاني في مجتمعاتنا قلة التواصل نتيجة التطور التكنولوجي، فأصبح لكل طفل غرفته وحاسوبه، فيجلس وحيداً بأفكاره حتى ولو كان لديه عشرات الإخوة والأخوات".

ونصحت الأهل بضرورة مشاركة ولدهم الحياة اليومية وأخذه لزيارة الأقارب والأصدقاء وتمضية الوقت معهم، ومن ثم تصبح ظاهرة الطفل الوحيد غير سلبية، إنما تنتج مجتمعاً خلّاقاً للمستقبل.