مجلة بريطانية ساخرة تحقق أرباحاً غير مسبوقة على الإطلاق.. هل هذا هو العصر الذهبي للكوميديا السوداء؟

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

قال روبن ويليامز ضاحكاً ذات مرة: "يقول الناس إنَّ السخرية ماتت. السخرية لم تمت: وإنَّما هي حية وتعيش في البيت الأبيض".

لقد أثبت الممثل الكوميدي الراحل روبن ويليامز، الذي قلد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن تقليداً رائعاً، أنَّه كان ذا بصيرة، وفقاً لما ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية.

لو أنَّ فن الكوميديا قد عانى للتكيف مع السياسات المنمقة للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، فهو الآن قد خرج منتصراً في وجه دونالد ترامب، وبريكسيت (حركة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، ثم الآن في وجه التهديد واسع الانتشار لـ"الأخبار المزيفة".

سُدِّدت العام الماضي ضرباتٌ موجعة للنظام السياسي المستقر، ما أدى إلى ازدهارٍ في مجال السخرية، خصوصاً مع استمرار السياسيين في التعرض لوسائل الإعلام ومهاجمتها.

وبحسب أحدث بيانات شبكة "إيه بي سي" الأميركية، فإنَّ مجلة "برايفت آي" البريطانية الساخرة قد حققت أعلى مبيعاتها على الإطلاق في النصف الثاني لعام 2016، في وقتٍ حازت فيه عروض الأعمال المسرحية في الولايات المتحدة، مثل برنامج "ساترداي نايت لايف"، على شهرةٍ واسعة. وارتفعت مبيعات مجلة "برايفت آي" بنسبة 9٪ عن العام الماضي، وكان عدد الكريسماس للمجلة قد حاز على أعلى المبيعات في تاريخ المجلة البالغ 55 عاماً، ليصل إلى 287334 نسخة.

ويعتقد إيان هيسلوب، الذي تولى تحرير المجلة لثلاثين عاماً، أنَّ الناس يكونون أكثر ميلاً للجوء إلى الكوميديا خلال فترات الاضطرابات السياسية، بحثاً عن نوعٍ من التنفيس. وقال هيسلوب: "بدلاً من أن تُصاب بالذعر وتقول: يا إلهي، لقد فاز ترامب! بإمكانك أن تأخذ الأمر بسهولة، وتقول: حسناً، هذا أمرٌ ظريفٌ للغاية. وهناك أيضاً الكثير من العناصر الكوميدية في الارتباك الذي صاحب تصويت بريكسيت".

y

وأضاف قائلاً: "فكرة أن يكون لديك رئيس وزراء لم يكُن مؤيداً للتصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو المسؤول الآن عن إنهاء إجراءات الخروج، لا يمكنك أن تفتعل هذا الأمر، وهذا أمرٌ عظيم، وذو فائدةٍ جمة. هذا عصرٌ ذهبي، لكنَّ بيتر كوك، المالك السابق للمجلة كان ليقول: إنَّ العصر الذهبي حقاً للسخرية كان برلين في الثلاثينات، ولم تسر الأمور بنفس القدر بعد ذلك".

وقال هيسلوب إنَّ الحوار الذي دار حول الأخبار المزيفة لم يكن إلا "ارتباكاً ساراً". وقال: "لقد وُضِعنا ضمن قائمة الأخبار المزيفة على واحدٍ من هذه المواقع، واضطررنا أن نوضح أنَّ الكثير من الأخبار المذكورة في المجلة هي أخبار غير حقيقية بشكلٍ مقصود. فعلى حد علمي، لم توقع الملكة على عريضةٍ ضد زيارة ترامب لبريطانيا الأسبوع الجاري، لكننا وضعنا هذا الخبر على الغلاف".

وقال هيسلوب إنَّ الفترة التي سبقت التصويت على بريكسيت، والاستفتاء نفسه، وانتخاب ترامب، قد جعلت من 2016 "عاماً استثنائياً. الناس مكتئبون للغاية ويريدون أن يضحكوا على شيءٍ ما. وهم أيضاً مهتمون بمنظورٍ ليس شديد الوضوح، الأسلوب القديم من الإخبار والتسلية.. وفي اللحظة الراهنة، فإنَّ كل شيء تقريباً يصلح موضوعاً لسخريةٍ جيدة".

وقال هيسلوب: "بدأتُ، منذ عامين، في إضافة المزيد من الصفحات في آخر الجريدة، وإضافة المزيد من الرسوم الكاريكاتيرية، هناك صفحتان من الرسوم الكاريكاتيرية الآن. وأعتقد أنَّ زيادة المحتوى وإنفاق المال على المجلة الفعلية نفسها قد ساعد أيضاً. تبدو الرسوم الكاريكاتيرية رائعة في الطباعة بطريقةٍ لا تبدو بها في أي مكان آخر، وأصبح لدينا الكثير من رسامي الكاريكاتير الجُدُد والأصغر سناً".

وأضاف هيسلوب أنَّ وجود محتوى مطبوع فحسب كان أحد العوامل المهمة في زيادة المبيعات: "كأننا نقول: لا يمكنك أن تحصل على هذا المحتوى، ينبغي لك أن تشتريه".

أما في برنامج "ساترداي نايت لايف" في الولايات المتحدة، إلى جانب البرامج الحوارية الأسبوعية التي يقدمها تريفور نوا، وستيفن كولبرت، وسيث مايرز، وسامانثا بيي، فقد سخروا من إدارة ترامب. وسواءً كان هذا بسبب الانتقاد الدائم لترامب للبرنامج ولتقليد أليك بولدوين له، وعلى الرغم من هذا الانتقاد، فإنَّ تقييمات البرنامج حالياً في أعلى مراحلها منذ 20 عاماً، إذ ارتفعت نسبة مشاهدته 22٪ مقارنة بالفترة ذاتها الموسم الماضي".


وكان للحلقة التي استضافتها كريستين ستيوارد السبت الماضي تأثيرٌ عالمي بفضل ظهور ميليسا ماكارثي في دور المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض، شون سبايسر. وقال هيسلوب: "لقد أُعيد إحياء برنامج ساترداي نايت لايف بالكامل، وهذا ما كان ينبغي أن يحدث. لقد كان العرض المتضمن تقليداً جيداً جداً لترامب، وتقليداً ظريفاً للغاية لشون سبايسر، كان أمراً رائعاً. هذا جيد جداً، وهو بالضبط ما كنا نأمل حدوثه، ومن الواضح أنَّ هذا يزعج ترامب، وهو ما سوف يزيد من سعادتهم".

وتوافق الممثلة الكوميدية تيف ستيفنسون، التي ظهرت في برامج بريطانية مثل "Mock the Week"، و"8 out of 10 Cats"، و"Russel Howard’s Good News"، على أنَّنا نشهد وقت ازدهار السخرية. وقالت ستيفنسون: "نحن الآن أحوج من أي وقت مضى لانتقاد أصحاب النفوذ".

وقالت ستيفنسون: "الضحك هو ما يشفي غليلهم. الناس يستخدمون الإنترنت طوال اليوم، وهم حريصون على مناقشة الأحداث وقت حدوثها. لذا، عندما يقرأ الناس عن شون سبايسر، يريدون أن يعرفوا كيف سيعرضه الكوميديون، ليقل شعورهم بالوحدة في وسط الجنون الذين يشاهدونه".

وقالت ستيفنسون إنَّ السخرية، في حقيقة الأمر، تتكلم بصراحةٍ مع السلطة. ويغطي البرنامج المنفرد الذي يؤديه ستيفنسون حالياً كل شيء بدايةً من ترامب إلى الهجرة، وقد صنعت ستيفنسون شخصيةً على تويتر تُدعَى بريدجت ترامب، وهي خليطٌ من بريدجت جونز والرئيس الأميركي.

وأضافت: "إنَّ شخصاً مثل ترامب، الذي وصل لمنصبه بسبب النرجسية والغرور، لا يمكنه أن يتعامل مع سخرية الناس منه أو تقليدهم له، وهو ما يعني أننا بحاجة إلى فعل المزيد من ذلك.. الشيء الغريب في حالة ترامب أنك تقريباً لا تجد ما تسخر به منه، لأنَّه يقوم بالسخرية من نفسه".

وأضافت ستيفنسون: "من الصعب في فترة ما بعد الحقيقة، والأخبار المزيفة، والحقائق البديلة، أن تميز الحقيقي من الساخر، لكنني أظن أنَّه من الأهمية أن نكون قادرين على الضحك وإلقاء النكات".

وتتفق كلمات ستيفنسون مع تري باركر ومات ستون، مخرجي مسلسل "South Park"، ، اللذين قالا الأسبوع الماضي إنَّهما سيمتنعان عن "السخرية من كل شخص في الحكومة" في الحلقات المستقبلية "لأنهم بالفعل يصنعون الكوميديا من تلقاء أنفسهم".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.