مقاهٍ هزَّت عرش مبارك.. بعد 6 سنواتٍ على الثورة يكتفي روَّادها "بالهمس والسخرية"

تم النشر: تم التحديث:
CAFES DOWNTOWN CAIRO
SOCIAL MEDIA

مثَّلت مقاهي وسط العاصمة المصرية القاهرة، في الشهور الأولى لثورة يناير/كانون الثاني 2011، التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك في 11 فبراير/شباط من العام ذاته، منصات انطلاق للمظاهرات والتجمعات الاحتجاجية المعارضة..

وكانت تلك المقاهي بمثابة صالون سياسي يجمع التوجهات السياسية والفكرية المختلفة، غير أن أحوالها تبدلت كروادها بعد ست سنوات وباتت السياسة من المحظورات فيها.

وعُرفت المقاهي القريبة من أيقونة الثورة ميدان التحرير (وسط القاهرة) والشوارع المؤدية إليه، بأنها بؤر تجمعات الحركات الشبابية والنشطاء الثوريين، وأبرزها مقاهي: ريش وغزال وأفتر آيت والحرية والبورصة وغيرها.

واستطاعت المقاهي بوصفها مراكز تجمعات تتلاقى فيها طبقات المجتمع المختلفة، أن تساهم في توحيد جهود الثوار والسياسيين والمفكرين وبلورتها في عمل جماعي واحد يتجسد بحراك على الأرض، حيث تجاوزت دورها كمكان ترفيهي شعبي.

الهمس والسخرية

في "أفتر آيت" (بعد الثامنة)، الكائن بأحد أزقة شارع شامبليون المؤدي لميدان التحرير، يجلس الشاب الثلاثيني محمود حسين، بين رفقائه، وأمامهم الدومينو، ومن أفواههم تتطاير خيوط دخان الأراجيل، قبل نحو ست سنوات، وتحديداً الأيام الأولى للثورة التي أطاحت بنظام مبارك بعد نحو 30 سنة قضاها في الحكم، لم يكن حالهم وحال المقهى كما هو الآن.

محتضناً الأرجيلة بين قدميه، يسرح حسين في الإجابة على سؤال: كيف انتهى حال مقاهي وسط القاهرة الشعبية بعد ست سنوات من الثورة، إلى هذا بعد أن كانت بمثابة مقرات لحراك ثوري وثقافي واسع، ووسيلة إعلام لتوجيه العامة؟

حسين الذي يعمل كمندوب مبيعات يقول إن "مقاهي وسط القاهرة، كانت شعلة نشاط سياسي للجميع، كان هناك حديث وقتها على شهداء الثورة والتغيير السياسي وميدان التحرير".

وأضاف وعلى وجهه ترتسم الحسرة: "الآن لا نستطيع الكلام، أقصى ما نستطيع الآن أن نهمس بسخرية سياسية".

على مقربة من حسين، يتحرك مسرعاً أحد عمال المقهى، الشاب "حموكشة" (هكذا طلب كتابة اسمه لأسباب شخصية)، يتلوى كالثعبان بين المقاعد الخشبية المتقاربة، حاملاً بخفة جملة من طلبات الزبائن المتنوعة بين الشاي والقهوة والمشروبات الغازية، أثاره حديثنا وطلب إبداء رأيه.

"الحديث في السياسة بات من المحظورات، نحن لا نسمح لأحد هنا بالكلام في السياسة" يقول "حموكشة".

وأشار إلى أن من بين الجالسين في المقهى أحياناً رجال شرطة لا يرتدون الزي الرسمي، يرصدون حديث الجلوس.

ما تحدث عنه حموكشه، أثبته اقتراب شاب تبدو في نظراته حدة غير معهودة من بين كل الزبائن الجالسين بالمقهى، كان على مقربة، وكان أكثرهم ثقة بكلامه، اسمه "فؤاد"، وهو أمين شرطة (رتبة أقل من الضابط).

فؤاد قال بدون تحفظ: "نحن ننتشر في غالبية مقاهي وسط القاهرة، وتحديداً القريبة من ميدان التحرير ونقابة الصحفيين".

يرى الشرطي المرتدي زياً مدنياً أن تواجده وأقرانه بين رواد المقاهي، "يمنع أعضاء حركة 6 أبريل المشاغبة (معارضة) من توزيع منشورات تحرض على النظام".

ومتطرقاً إلى إغلاق المقاهي، أثناء دعوات التظاهر التي زادت مؤخراً على إثر "قضية جزيرتي تيران وصنافير" (تنازلت عنهما الحكومة المصرية للسعودية فيما أقر القضاء المصري بطلان ذلك)، أضاف "فؤاد": "المقاهي تغلق أمنياً لتضييق الخناق على المشاغبين، والقرار يُصدر رسمياً من وزارة الداخلية".

دور المقاهي في الثورة

على مقربة من "أفتر آيت" يوجد مقهى "غزال" وهو عبارة عن غرفة صغيرة أسفل بناية في ممر بشارع شامبليون المؤدي لميدان التحرير، وتنتصب المقاعد حول الغرفة للرواد.

ومقهى "غزال" يعد قِبلة لنشطاء حركتي 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين (معارضتين)، ولا يزال يجمعهم حتى الآن، لكن دون الوقوع في المحظور والحديث في السياسة.

القيادي بحركة 6 أبريل، شريف الروبي، رأى أن "مقاهي وسط القاهرة، تحولت خلال السنوات الست الماضية، من بؤرة احتجاج واسعة ومنبر وملاذ للشباب، إلى أماكن لا حديث فيها عن ثورة ولا سياسة".

الروبي، وهو من رواد مقهى "غزال"، في حديثه قال: "أيام الثورة أصحاب هذه المقاهي لعبوا دوراً كبيراً في احتواء الشباب، وتسكين المتظاهرين القادمين من الأقاليم".

وأضاف "بعد الإطاحة بحكم الإخوان (2012: 2013) اتجه النظام الحاكم للقمع الأمني ثانية، وبدأ يضغط ويجند أصحاب المقاهي لفكرة منع الشباب المعارض والمنتمي لفكرة الثورة من دخولها".

وفسَّر الروبي التوجه الأمني نحو إغلاق المقاهي والتضييق عليها بوسط القاهرة، كون "النظام قلقاً جداً من الشباب والمقاهي، فلو عادت كما كانت كمراكز ثورية ستنفجر موجة ثورية ثانية"، وفق كلامه.

خطر على النظام

"مثَّلت خطورة على النظام، ولا ينبغي التضييق عليها أكثر من ذلك"، هكذا رأى الخبير الأمني عميد متقاعد محمود قطري، دور مقاهي وسط القاهرة في الثورة، والتضييق الأمني الحالي عليها.

وقال "قطري" إن "مقاهي القاهرة مثلت خطورة هي وميدان التحرير على النظام، لوقوعهما بأهم منطقة في مصر وهي وسط العاصمة، وتساندتا فيما بينهما في تجميع المحتجين، لإقصاء نظام مبارك".

ووصفها وقت الثورة بأنها "منصات احتجاجية ضد النظام، ومنتديات سياسية تعبر عن الحرية والحيادية وكانت مناسبة لمطالب الثورة آنذاك، لأنها لم تكن محسوبة على فصيل فكري معين، وكان يجلس عليها الإخواني والليبرالي واليساري وسيدات وشيوخ وشباب".

ويرى "قطري" أن الأمن المصري تدارك خطورة تلك المقاهي على النظام، لذا "لجأ إلى التضييق عليها بوضعها تحت عينيه طوال الوقت"، وفق قوله.

غير أن الخبير الأمني عاد وحذَّر من خطورة إغلاق المقاهي أمام المواطنين، حتى لو محتجين.

وتابع: "إغلاقها والتضييق عليها حالياً بمنع الحديث في السياسية، يتعارض مع الدستور والقانون، والتضييق في ظل الوضع الاقتصادي والسياسي المتردي حالياً قد يدفع لاختناق شعبي يؤدي إلى انفجار عشوائي غير محسوب".

أبرز مقاهي الثورة


البورصة

وهي عبارة عن مجموعة مقاهٍ جرى إغلاقها قبل سنتين تقريباً لدواعٍ أمنية، وكانت مجاورة لمبنى البورصة المصرية، وشغلت مساحات بشارعي محمد فريد وقصر النيل وسط القاهرة، وكانت مركزاً لثوار ومثقفي الثورة، خاصة من حركتي الاشتراكيين الثوريين و6 أبريل.

شارع شامبليون

يمتد الشارع من ميدان التحرير حتى شارع 26 يوليو، متقاطعاً مع شارع عبدالخالق ثروت الكائن به نقابة الصحفيين (أحد مراكز الاحتجاجات في السنوات الأخيرة)، لذلك كانت مقاهيه من روافد الثوار والمتظاهرين نحو ميدان التحرير.

ومن أبرز مقاهي شامبليون: التكعيبة، وأفتر آيت وغزال.

ريش

يقع بشارع طلعت حرب، أحد الشوارع المؤدية لميدان التحرير، ومن أهم مقاهي المثقفين والأدباء في مصر، ويعود تاريخ إنشائه إلى 1908، واشتهر قديماً بتوافد كبار الكتاب والصحفيين والفنانين إليه بصفة يومية، ومن أبرزهم الأديب الراحل نجيب محفوظ (حاصل على نوبل في الأدب)، وكان للمقهى دور في التجمعات الاحتجاجية خلال الثورة.

الحرية

أُنشئ عام 1936 مكان منزل الزعيم المصري أحمد عرابي (1841: 1911) في شارع البستان بمنطقة باب اللوق، كان يحتضن الشباب أثناء المطاردات الأمنية خلال الثورة، ومنه خرجت عدة مسيرات احتجاجية.

وأطاحت ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، بنظام حكم مبارك، وكان ميدان التحرير شاهداً عليها، ولم تشهد مصر غير دعوات محدودة هذا العام للتظاهر والاحتجاج داخل البلاد لإحياء الذكرى السادسة لها، وسط تشديدات أمنية في مختلف أنحاء الكنانة.