أين استمارات التوبة الإخوانية؟.. نوابٌ يشكِّكون في رواية الخولي ولهذه الأسباب لن يصدر قانون عدالة انتقالية

تم النشر: تم التحديث:
DSF
الصورة تعبيرية فقط | sm

"لا مكان لأصحاب الانتماءات الدينية في الجيش والشرطة وباقي مؤسسات الدولة، معندناش لا ولاء مذهبي ولا طائفي ولا سياسي ولا حتى ولاء للرئيس ولاء مصر ولشعبها بس..".

هكذا رد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على الحديث عن المصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين، الذي طفا على السطح خلال الأيام الماضية بإعلان عضو ائتلاف دعم مصر بمجلس النواب، تلقي إقرارات "توبة" من مساجين الإخوان في السجون، يتبرؤون خلالها من فكر الجماعة في مقابل الخروج من السجن، والاندماج في المجتمع، فبينما ينشغل المصريون بتفسير دلالات إعلان النائب طارق الخولي، يوم الاثنين الماضي، تلقيه عشرات الإقرارات من مساجين الإخوان بالاعتراف بشرعية النظام الحالي.

جاء رد السيسي خلال مشاركته في ندوة تثقيفية للقوات المسلحة، يوم الخميس الماضي، حاسماً بالقول "اللي ليه توجه يخليه بعيد عن الجيش والشرطة، وبعيد عن الدولة كلها"، مما أثار التساؤلات عن الهدف من إعلان عن مراجعات فكرية للإخوان بالسجون على غرار ما حدث مع الجماعات الإسلامية في التسعينيات، وما إذا كانت الإقرارات التي أعلن عنها الخولي، في حالة وجودها، جزءاً من اتفاق بين الأجهزة الأمنية وبين بعض منشقي الجماعة، أم أن الأمر مجرد فقاعة لجس النبض، قبل المضي قدما في التصالح مع الإخوان، أو تمهيداً لموجة جديدة من الهجوم والتنكيل بهم داخل وخارج السجون.


إقرارات التوبة من يد الخولي للأجهزة الأمنية


"مش عايز أتكلم في الموضوع ده تاني، عشان في ناس بتفتكر إني بمهد للصلح مع الإخوان".

هكذا بدأ النائب طارق الخولى حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي" عن عاصفة "التوبات الإخوانية".

أقر النائب أولاً بوجود الاستمارات، "نعم تلقيت عشرات الإقرارات من قيادات الصف الثاني بالجماعة غير المعروفين للرأي العام، يعترفون خلالها بشرعية ثورة 30 يونيو وثقتهم في الرئيس السيسي وتخليهم عن فكر الجماعة، ولكن رأيي الشخصي أنه لا يمكن الوثوق في تلك الإقرارات لأننا خبرتنا مع الجماعة أنهم لا يوفون بعهدهم".

وفيما يتعلق بالصفة التي تسلم الخولي بها إقرارات التوبة من أعضاء الجماعة، قال: تسلمتها عبر البريد الإلكتروني للبرلمان بصفتي نائباً، وليس عضواً بلجنة العفو الرئاسي عن الشباب المحبوسين.


التوبات لا تعرف طريق النواب وأعضاء لجنة العفو


في مواجهة حديث "الخولي"، نفى كثير من أعضاء البرلمان لـ "هافينغتون بوست عربي" تلقيهم أي إقرارات من أعضاء الجماعة المحبوسين، فقال النائب محمد الغول، وكيل لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان، إن اللجنة تتلقى يومياً آلاف الشكاوي والطلبات من أهالي الشباب المحبوسين الراغبين في الاستفادة من الوعد الرئاسي بالعفو عن كافة الشباب غير المتورطين في قضايا عنف، ولكن لم تتلق أية طلبات من أعضاء الجماعة، "لم نسمع عن إقرارات التوبة إلا من النائب طارق الخولي".

لجنة العفو الرئاسي -التي شكلها الرئيس السيسي استجابة لتوصيات المؤتمر الوطني الأول للشباب في شهر أكتوبر الماضي، لإعداد قوائم بالشباب الذين لم يتورطوا في أعمال عنف- هي الأخرى لم تتلق توبات، ونفى أكثر من عضو بها لـ هافينغتون بوست عربي تسلمهم إقرارات توبة من أعضاء الجماعة.

بعد نقل كل هذه التأكيدات إليه، عاد الخولي ليشدد مجدداً على وصول "عدد كبير" من الاستمارات إلى بريده بمجلس النواب، وقال هذه المرة: جاءتني بصفتي الشخصية، ولم أسلم أياً منها إلى لجنة العفو الرئاسي، بل سلمت الإقرارات للجهات المعنية وانتهى الأمر.
ولم يحدد الخولي تلك الجهات وما إذا كانت الرئاسة أم وزارة الداخلية وأجهزتها المختلفة، أم أجهزة أخرى.


يعطلون الدستور للهروب من المصالحة


"لو أراد الإخوان في السجون العدول عن أفكارهم والاندماج في المجتمع لن يلجأوا إلى طارق الخولي ولا غيره". هكذا تحدث مصدر قضائي رفيع المستوى بوزارة الشؤون القانونية بالبرلمان، مضيفاً لـ"هافينغتون بوست عربي" أن وزارة الشؤون القانونية تختص بملف العدالة الانتقالية، "ولو كانت هناك رغبة حقيقية في المراجعات الفكرية ستكون الوزارة أول من يعرف، وسيتم التعامل معها بالدستور الذي ألزم بإصدار قانون للعدالة الانتقالية والمصالحة".

ويلزم الدستور المصري الحالي البرلمان بإصدار قانون للعدالة الانتقالية في دور انعقاده الأول، يتضمن آلية للمصالحة مع أعضاء الإخوان وغيرهم من أعضاء النظام السابق لنظام 3 يوليو الحالي، ورغم ذلك انتهى دور الانعقاد الأول للبرلمان في شهر سبتمبر الماضي دون إصدار القانون.

sf

وكان وزير الشؤون القانونية والبرلمانية قد أعلن في أول يونيو الماضي، عن رغبة الحكومة في التصالح مع الإخوان ممن لم تتلوث أيديهم بالدم تنفيذاً للدستور، وهو ما تبعه موجة من الهجوم الضاري على الحكومة، وعدول وزارته عن تقديم مقترحها بقانون العدالة الانتقالية للبرلمان.

"تركنا إعداد قانون العدالة الانتقالية للبرلمان لعدم قدرتنا على تعريف النظام السابق" كما يوضح المصدر المقرب من وزير الشؤون القانونية، معدداً أسباب عدول الحكومة عن عرض قانون العدالة الانتقالية، الذي أعدته وزارة العدالة الانتقالية التي تم استحداثها في حكومة ما بعد 3 يوليو 2013، مضيفاً أن "المادة الأولى من القانون، تنص على تعريف النظام السابق، والآن النظام السابق هم الإخوان، وبالتالي فالقانون تحيط به كثير من النقاط الشائكة سياسياً وقانونياً، ويضيف: تخلت الوزارة عن مهمة تنفيذ المادة 241 من الدستور، وتركتها للبرلمان.


وجود الإخوان في السجن أصبح بلا سند قانوني


"القضاء مش هيقدر يساند النظام أكتر من كده والداخلية واقفة في وش المدفع وحدها".

هكذا يلخص سامح عيد القيادي المنشق عن جماعة الإخوان ما يجري من وجهة نظره. يضيف لـ "هافينغتون بوست عربي" أن إقرارات التوبة التي أعلن عنها النائب طارق الخولي هي آلية، ضمن آليات كثيرة، توافقت عليها الأجهزة الأمنية مع أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في السجون. "هناك تفاهمات و مواءمات تتم في السجون منذ عدة أشهر بين وزارة الداخلية وبين قيادات الصف الثاني والثالث في الجماعة، بعيداً عن الموقف الرسمي المعلن من الحكومة عن المصالحة مع الإخوان، بحيث تفرج السجون عن السجناء الذين يتعهدون بالبعد عن أفكار الجماعة، واحتواء أحداث العنف في محافظاتهم، عبر وساطة نشطاء أو عن طريق ضمانات عائلية".

يضيف عيد الذي يتخذ في كتاباته نهجاً انتقادياً للجماعة، أن خروج أعضاء الجماعة من السجن أصبح حتمياً، لأن أجهزة الدولة تواجه معضلة كبيرة. "الشرطة قبضت على أكثر من 50 ألف مواطن وزجت بهم في السجون بدون تهم، وتحامل القضاء وأصدر أحكاماً سياسية في كثير من القضايا، ولكن في النهاية من صدر ضده الحكم بالحبس 3 سنوات انتهت عقوبته، ووجود آلاف الإخوان داخل السجون أصبح بلا سند".


وأين ذهبت استمارات التوبة القديمة عام 2015؟


مصطلح إقرارات توبة الإخوان تم تداوله عام 2015، فنشر موقع "اليوم السابع "بتاريخ 9 أكتوبر من عام 2015 تحت عنوان "الانشقاقات داخل الإخوان تتوالى.. ألفا شاب إخواني بالجيزة والمحافظات يتبرأون من التنظيم ويوقعون إقرارات للتوبة"

وحسب الخبر، تتضمن ديباجة تلك الإقرارات اسم الشخص الإخواني ورقم بطاقته، والقضية المتهم فيها، ثم التعهد بالتخلي عن انتمائه لجماعة الإخوان وفكرها نهائياً، وعدم الاعتراف إلا بشرعية النظام الحالي وثورة 30 يونيو وما ترتب عليها من إقرار الدستور والانتخابات الرئاسية، ثم توقيع الشخص.

وهو ما تبعه إعلان وجود مراجعات فكرية مع أعضاء وقيادات جماعة الإخوان في السجون، ونشرت جريدة الشروق تحت عنوان "مستشار الرئيس يقود مراجعات مع شباب الإسلاميين فى السجون" عن بدء وزارة الداخلية سلسلة مراجعات لأفكار سجناء الإخوان وداعش، وقالت إن المسؤولين عن سجن العقرب 2 نظموا ندوة للدكتور أسامة الأزهري مستشار رئيس الجمهورية للشئون الدينية، فند خلالها آراء ومواقف سيد قطب.

وعلى الفور نفى أسامة الأزهري في اليوم التالي مشاركته في أي مراجعات فقهية للسجناء الإسلاميين، وقال الأزهري وقتها إن زيارته لسجن العقرب بسبب حلول شهر رمضان.


لا مصالحة ولا عدالة انتقالية بل صفقات مركزية


"سيخرج جميع المساجين الإسلاميين من السجون في الأيام المقبلة، بصفقات لا مركزية تبرمها أجهزة الأمن مع كل سجين على حده لا تحمل مصطلح المصالحة ولا العدالة الانتقالية".

هذا ما يتوقعه سامح عيد القيادي المنشق عن الجماعة، موضحاً أن خبرة رجال الأمن في مصر من المراجعات الفكرية التي تمت في التسعينيات لأعضاء الجماعات الإسلامية، وفشلها أكثر من مرة بسبب الإعلان عنها للرأي العام، يؤكد على عدم الإعلان عن أي مصالحة مع الإخوان إلا بعد انتهاء الأمر.

المسؤول الحكومي هو الآخر شارك عيد حالة التشاؤم، "اللي عايز يضر العدالة الانتقالية يتكلم عن المصالحة الإخوان، مصر الآن في حاجة لقانون قوامه كشف الحقيقة وجبر الضرر ومساءلة سياسية وجنائية للمخطئ، ولكن لأسباب كثيرة لن يرى قانون العدالة الانتقالية النور"، حسب تعبير المصدر المقرب من وزير الشؤون القانونية والبرلمانية.