ترامب الـ"أبله".. هذا هو ثمن محاولته دقِّ إسفين بين الدبِّ الروسي والحضن الفارسي

تم النشر: تم التحديث:
TRAMB
سوشيال

كيف يجمع الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب بين المتناقضين؛ فمن ناحية يبدو متودداً لموسكو ومن جهة أخرى معادياً لطهران.. فهل هو من الحنكة بمكان ليتمكن من خلال ذلك انتزاع الدب الروسي من دفء الحضن الفارسي؟ أم أنه من السذاجة أن يحاول بيع فرو الدب قبل صيده.. وبدلاً من أن يسعى للوقيعة بين الحليفين يستدرج إلى فخ ينصبه نظيره الروسي فلاديمير بوتين بدهاء؟

المحرر البارز بصحيفة دايلي بيست الأميركية مايكل فايس، يسعى من خلال مقاله إلى الإجابة على هذه الأسئلة مستشرفاً كيف يمكن أن يكون الثمن الذي قد يدفعه ترامب لمحاولته باهظاً، قد يتعدى رفعه العقوبات عن روسيا، إلى إهدار الدم الأميركي بـ"نيران صديقة"، ثم تعليق الجريمة في عنق "داعش" وأشباهه.


فإلى نص المقال


إن التناقض الرئيسي في السياسة الخارجية لدونالد ترامب، التي يصعب التكهن بها، كان سبباً في التوفيق بين حبه وكراهيته لعدوين من أعداء أميركا. جاء الحب بطبيعة الحال من نصيب فلاديمير بوتين، "السفاح" بالتأكيد، لكنه لم يعد كذلك بالنسبة لترامب.

على الجانب الآخر، جاءت كراهيته من نصيب جمهورية إيران الإسلامية، التي وصفها وزير الدفاع جيمس ماتيس بأنها "أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم"، وإن كانت لا تزال تتمتع بالدعم الروسي الوثيق في الجوانب التكتيكية والجوية إلى جانب التعاون الاستخباراتي في سوريا، فضلاً عن تجارة الأسلحة المتنامية مع موسكو.

لكن لا داعي للقلق. فقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، الأسبوع الماضي، أن استراتيجية ترامب التي لا تزال في مهدها تحاول إحداث فرقة بين بوتين وآيات الله (بإيران).

وفي هذا الصدد، قال مسؤول في الإدارة الأميركية، لم يكشف عن اسمه للصحيفة: "إذا كان هناك إسفين لإحداث فرقة بين روسيا وإيران، فنحن على استعداد لاستكشافه". هذا الأمر أكده عددٌ من المسؤولين الأوروبيين والعرب، الذين لم يكشفوا عن أسمائهم، والذين أكدوا أن هناك رؤية طويلة المدى أصبحت واضحة بأن ترامب، المستأجر الجديد للبيت الأبيض، لا يزال يتباحث هذا الأمر في الخفاء، لكنه لم يجد بعد كل المفاتيح للوصول إلى ذلك الهدف، حسبما جاء في صحيفة ذا ديلي بيست الأميركية.


"موسكو ستسلبهم كل ما له قيمة"



ومن جانبه، سخر أحد محللي السياسة الخارجية الروسية المعروفين، الذي طلب التعليق على هذه القصة لصحيفة ذا ديلي بيست دون الكشف عن اسمه، من فكرة إمكان إحداث فرقة بين موسكو وطهران، وخاصة من خلال هذا القائد الأعلى ترامب، مضيفاً "أعتقد أن ترامب وبنس لا يعرفان جيداً عمق العلاقات بين روسيا وإيران"، مضيفاً "إن موسكو سوف تسلب منهم أي شيء ذا قيمة".

ومن المرجح أن يرحب بوتين بمثل هذا المفاتحة التي كان يتوقعها من ترامب، بل وسيشجع ذلك، ليس لأنه من المهتمين بالتفاوض بحسن نية بشأن مبادلة الحلفاء في حربه الغريبة على الإرهاب. لكن الأمر فقط يتعلق بأنه مولع دائماً باستهلاك الوقت، وانتزاع التنازلات وتقويض المصالح الأميركية. لذلك فإن الجهود الأميركية الوهمية لإيقاف بوتين ستكون موضع ترحيب.

(ما يُثبت الفكرة هو شجب الجمهوريين من قبل لما يسمى إعادة تعيين العلاقات الثنائية خلال ولاية أوباما الأولى باعتبارها صفقة ساذجة، لكن على ما يبدو أنهم نسوا تقييمهم لهذا الساذج أوباما بعد ثماني سنوات).

وبالإضافة إلى ذلك، لدى بوتين والمرشد الأعلى آية الله خامنئي هدف مشترك لتدمير حلف شمال الأطلسي وتفكيك الاتحاد الأوروبي، لكنهما لا يحتاجان إلى مساومة ترامب على تلك الأهداف لأن العديد من تصريحاته وإجراءاته تبين بالفعل أنه يشاركهما نفس الأهداف.

إن أية صفقة جوهرية تبعد بوتين عن الحضن الفارسي سيترتب عليها بالتأكيد رفع جميع العقوبات الأميركية ضد روسيا جراء غزو واحتلال أوكرانيا، بالإضافة إلى الاعتراف رسمياً بشبه جزيرة القرم باعتبارها تابعة لسيادة الأراضي الروسية.

علاوة على ذلك، فإن التغيير الكلي في الموقف الدبلوماسي سوف يجعل واشنطن منتهكة للقانون الدولي ويجعلها منبوذة بين الديمقراطيات الليبرالية الغربية أو ما تبقى منها.


سوريا تجمعهما


بالإضافة إلى ما سبق تُعتبر إيران هي القوة البرية الرئيسية في سوريا، وهذا يعني أنه سواء شاء الكرملين أم أبى، ستظل القواعد الروسية العسكرية والأصول الاستخباراتية تحت رحمة القوات الإنكشارية الإيرانية.

وقال المحلل: "سيكون موقفنا صعباً بدون حزب الله"، مشيراً إلى أن الروس يحاولون حالياً "تدريب وتجهيز القطاعين الساحلين السوريين الخاضعين لموسكو".

وحتى لو افترضنا أن هذه القوات الموجودة في هذه القطاعات سوف تظهر بمظهر احترافي، فهي لا تزال غير كافية بالمرة لشغل كافة المواقع الاستراتيجية المستعادة من المتمردين السوريين في العامين الماضيين. فيما يتفق محللون عسكريون روس آخرون على أن جيش الأسد يمثل بالكاد هرة صغيرة في الوقت الحالي.

وأوضح الخبير في الشؤون الإيرانية في معهد أمريكان إنتربرايز، بول بوكالا، أن النمو في التعاون بين بوتين وخامنئي "حقيقةٌ ماثلةٌ على أرض الواقع". واستنتج أن "أي جهد أميركي مرضٍ لإقناع روسيا بالتخلي عن إيران في سوريا سيكون في نهاية المطاف غير ناجح"، ودليله على ذلك واضح في ساحة المعركة السورية.

ففي الحملة الأخيرة لاستعادة شرق حلب التي يسيطر عليها المتمردون، وجد أن إيران نشرت "الآلاف من الجنود من مختلف فروعها العسكرية خلال عملية استمرت 15 شهراً،" بما في ذلك من قواتها العسكرية التقليدية، أو الجيش الإيراني، وقوة الباسيج شبه العسكرية، وقوات الحرس الثوري الإسلامية البرية، وفيلق القدس، الذراع المسلح الخارجي الذي يقوده اللواء قاسم سليماني ذو البأس الشديد.

ويُصنَّف فيلق القدس حالياً ككيان إرهابي من قبل الولايات المتحدة، ويدرس ترامب بقوة إدخال الحرس الثوري الإيراني في هذا التصنيف بشكل رسمي. فلطالما قام حزب الله اللبناني، فرع إيران غير الفارسي المصنف في قائمة الإرهاب من قبل الولايات المتحدة، جنباً إلى جنب مع الحرس الثوري الإيراني بتدريب وتسليح الميليشيات الشيعية المختلفة الأفغانية والباكستانية والعراقية في شمال سوريا، بجانب فرقة صغيرة من القوات الخاصة الروسية التي انضمت إلى هذه الميليشيات.

كان الهدف من وراء الإعلان عن المقاتلين الأجانب هو تعويض النقص في جنود النظام السوري الجاهزين للقتال. وهو ما حدث بالفعل، فقد كان الفضل في استرداد حلب يرجع إلى اللواء يحيى رحيم صفوي من الحرس الثوري الإيراني، وهو المستشار العسكري البارز للقائد الأعلى للثورة الإسلامية، وهو أمر كان بمثابة عمل تمهيدي "للتحالف بين إيران وروسيا وسوريا وحزب الله". ولم يكن صفوي يتظاهر عندما أعطى الأولوية للنجمين الكبيرين في هذه الكوكبة.

الجانب الأقل ظهوراً للتدخل الروسي في الحرب السورية، التي بدأت في سبتمبر/أيلول 2015 تحت ذريعة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) (استهدفت معظم القنابل الملقاة المدنيين أو المتمردين المناهضين لداعش) يتمثل في دورها التعليمي والتدريبي. فإيران تحارب أفضل بكثير الآن بفضل روسيا.

كتب بوكالا: "عمل ضباط رفيعو المستوى من قوات الحرس الثوري البرية كمستشارين عند التدخل العسكري الإيراني في سوريا منذ منتصف عام 2012، لكن مشاركتهم كانت مقتصرة على تدريب وتقديم المشورة والمساعدة".

وتزايدت خسائرهم بعد تدخل روسيا في النزاع نظراً لأن إيران استغلت تلك الفرصة لإرسال قوات لا يقتصر اختصاصها على التدريب وتقديم المشورة والمساعدة فقط، بل والمشاركة في المهام القتالية النشطة. ومن المرجح أن السبب وراء التدخل الإيراني الموسع هو شعورهم بأن طائرات سوخوي وطائرات الميغ الروسية تمثل مظلة أكثر أماناً من الطائرات السوفيتية القديمة التي تستخدمها القوات السورية.

عندما أقلعت طائرات بوتين من قاعدة الشهيد نوزة الجوية في محافظة همدان الإيرانية، هاجم وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان دعاية الكرملين للحدث بعنف باعتباره "مباهاة"، مؤكداً الاعتقاد السائد بين الدبلوماسيين بأن هناك "علاقة قوية" بين موسكو وطهران. لكن الأمر الأقل ملاحظة كان مدى امتنان أحد اللواءات الإيرانيين في قاعدة الشهيد نوزة الجوية بأن طياريه تمكنوا من التعرف عن قرب على كيفية عمل هذه الطائرات.

ووفقاً لبوكالا والخبير الروسي في معهد دراسات الحرب، جينيفيف كاساغراند، فإن الاندماج الجيد بين القتال الأرضي والجوي على غرار النمط الروسي يعد شيئاً راسخاً بشكل كبير لدى إيران.

فقد أنشأت القوات البرية للحرس الثوري الإيراني وحدة هجوم جوي جديدة في أواخر فبراير 2016، متأثرة بمراقبة عمليات القوات الخاصة الروسية حول حلب في وقت سابق من هذا العام.

وأضاف بوكالا وكاساغراند: "الآن إيران تريد الطائرات الحربية الروسية، أيضاً، وعلى وجه التحديد أسطول طائرات سوخوي 30 القاذفة المقاتلة التي من شأنها أن تقلل بشكل كبير من اعتماد طهران على الطائرات الروسية (والأميركية في العراق) ذات الأجنحة الثابتة لدعم عملياتها البرية".


نيران صديقة


ويعمل بوتين على تدعيم قوة خامنئي في الداخل، فتسليم روسيا لنظام مضاد الطائرات S-300 إلى إيران في الخريف الماضي -بعد سنوات من الوعود، والدعاوى القضائية والتعهدات المتكررة المرتبطة بالضغوط الأمريكية وعقوبات الأمم المتحدة التي رفعت الآن- أعطت لإيران قدرات دفاعية جوية محلية مماثلة لما بنته روسيا في سوريا. وعلى أية ساحة قتال، تهدف هذه الصواريخ في المقام الأول إلى ردع أمة واحدة. خمِّن ما هي!

حسناً، دعونا نقول أن ترامب يبحث بنشاط عن معركة مع إيران، أو يستجيب ببساطة لأي استفزاز إيراني اعتاد أوباما تهميشه أو تجاهله في الماضي. إذا كانت الولايات المتحدة وإيران لم يستطيعا الوصول إلى حالة الحرب في سوريا والعراق واليمن، أو في أي مكان آخر حيثما تكون القوات الأميركية هدفاً للحرس الثوري الإيراني، والعكس بالعكس، فماذا قد تفعل روسيا؟

الأمر الأول أنها سوف تنكر مسؤولية إيران عن ارتكاب أية مخالفات، لا سيما إذا تعرض الجنود الأميركيون للقتل أو القصف في مناطق الصراع متعددة الأبعاد. فقد تلقي باللوم على تنظيم القاعدة أو داعش. إذا كان نشوب القتال أمراً غير متوقع بين السفن الرابضة في الخليج، فإن روسيا سوف تلعب بكل سرور دورها التقليدي كصانع للسلام. ولقد كثفت وجودها العسكري ونفوذها في الشرق الأوسط ليس لتعزيز آفاق تلبية دعوة أميركا لها، لكن لتحل محل أميركا باعتبارها القوة المحورية لإجراء جميع الأعمال الإقليمية الرئيسية.

من خلال المخاطرة بمواجهة ملالي إيران، من الواضح أن ترامب سيلقي بالمزيد من أوراق اللعبة في أيدي بوتين أو على حد تعبير محلل السياسة الخارجية الروسية المذكور "نحن نحب أن نرى الولايات المتحدة متورطة في صراع فوضوي مع إيران".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Daily Beast الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.