آواهم في بيته ففتح له السجن أبوابه.. ثمن باهظ يدفعه "هيرو" بطل الفارين إلى فرنسا

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

لطالما نقلت لنا السينما الغربية روايات عن أبطال يحملون اسم "سوبرمان" و"باتمان" وغيرهم.. لكن اليوم وفي عالم الواقع ظهر أمام اللاجئين الفارين من إيطاليا إلى فرنسا بطل أو "HERO" جديد، ليس اسمه عن صفته ببعيد.. هو الفرنسي الثلاثيني سيدريك هيرو.

يصف "هيرو" نفسه لصحيفة الواشنطن بوست الأميركية بأنه "يساري متطرف"، بلحيته التي لا يستغني عنها اليساريون وشعره الطويل المربوط كذيل حصان.

فيما مضى، كان هيرو يعمل ميكانيكيّ سيارات، ثم تحول عنها إلى مهنة تصليح مداخن البيوت، أما الآن فصار مزارِع زيتون يعيش في مزرعة أشبه ببيت ريفي متهدم من القرن الـ19 في منطقة نائية منعزلة على منحدر صخري فوق مجرى نهر.

لكن همّ هيرو الأكبر ما عاد الاعتناء بأشجار الزيتون بقدر ما صار موضوع الساعة: المهاجرون.

فعلى مدار العامين الماضيين، استمر هيرو (37 عاماً) في تحدي السلطات الفرنسية عبر مساعدة المهاجرين على المرور خلال الحدود الإيطالية باتجاه مزرعته الواقعة على سفح التلة المجاورة.

يقول هيرو إنه آوى ذات مرة 60 مهاجراً على أرض مزرعته دفعة واحدة بعدما طرق بعضهم بابه ليلاً.

اليوم، يواجه هيرو محاكمة أمام القضاء، مثل كل السامريين الصالحين أمثاله في بريطانيا وإسكندنافيا، فكان أن طالته -مثلهم- اتهامات بـ"مساعدة أجانب غير مصرح لهم بالدخول والتجول والمكوث" في فرنسا.

وفي حال إدانته بجلسة الجمعة 10 فبراير/شباط 2017، قد يصدر حكم ضده بالحبس 5 سنوات مع غرامة قدرها 30 ألف يورو (32 ألف دولار).


ماذا يعني أن تكون فرنسياً؟


وبينما تلهث فرنسا محاوِلةً التقاطَ نفَسٍ أمام موجات الهجرة العارمة التي أغرقت شواطئ أوروبا في السنوات الأخيرة، تحولت قصة ميكانيكيِ الأمس مزارعِ اليوم إلى حديث الساعة الذي ألهب هذا البلد الذي لا يزال حتى الآن يضنّ بضيافته نسبياً على اللاجئين.

ففي جوهر القضية ولب الموضوع سؤالٌ غيرُ مريحٍ، محورُه أخلاقيات ومسؤوليات المواطنة الفرنسية…

فماذا يعني أن يكون المرء فرنسياً في أوقات عصيبة كهذه؟ هل يا ترى تكون المواطَنة الفرنسية في اتباع نص القانون بالحرف الواحد، والذي فعلاً يحظر الأجانب غير المصرح بهم؟ أم هل تكون بنصرة القيم السامية الإنسانية التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية حتى لو كان ذلك رغماً عن قوانين الجمهورية نفسها؟

بالنسبة لهيرو ولآلاف غيره، هبّوا تأييداً له عبر أنحاء البلاد، فالرأي -وبإصرار- هو رأي المعسكر الثاني. حيث رد هيرو على قاضٍ سأله لِمَ ساعد المهاجرين على عبور الحدود بعبارة بسيطة: "أنا فرنسي".

وفي مقابلة معه أول من أمس، قال هيرو فيما يجلس على شرفة مزرعته يرشف القهوة التي صنعها في مطبخه الريفي وسط أحضان الطبيعة: "هناك الكثير من الانتقادات الموجهة لها في يومنا هذا، غير أن فرنسا بلد ذو قيم جميلة، كحقوق الإنسان وحماية الأطفال والمعونات الاجتماعية التي لدينا، والتي نحن بصدد تضييعها كلها الآن".


بين "هيرو" و"محمد"


يمسك هيرو بمقلاة بها زيت ساخن أمام آخر مهاجرٍ استضافه على أرض مزرعته، محمد (19 عاماً) من السودان، والذي شق طريقه عبر ليبيا ووسط البحر الأبيض المتوسط، وصولاً إلى جزيرة لامبيدوسا، ثم إلى أرض إيطاليا الأم.

عثر هيرو على محمد هائماً على وجهه في الوادي هذا الأسبوع، فبادر إلى استضافته وإيوائه. لكن هيرو يقول: "أخشى عليه؛ فهو لا يأكل كثيرا".

يخبر هيرو صحيفة الواشنطن بوست بأنه عادة ما يجمع المهاجرين من كنيسة في فينتيميليا الإيطالية القريبة حيث يعيش العديد من المهاجرين القادمين من بلدان جنوب الصحراء الإفريقية في مخيم رث الأحوال بقرب السكة الحديدية المهجورة خارج البلدة. ما يفعله هيرو هو أنه يقلّهم بشاحنته الزرقاء المهترئة التي يستخدمها في مزرعته ليعبر بهم الحدود الفرنسية.

إن دخول فرنسا عبر الطرقات الخلفية آمن وأسلم منه عبر محطات القطار التي يرابط فيها العسس ورجال الشرطة الفرنسية بأعين مفتّحة كالصقور ترصد المهاجرين الذين هم بلا أوراق أو تصريحات رسمية وتمشط القطارات بحثاً عنهم، في مشهد يتفصّد العرق منه رهبة؛ لأنه يذكر الرائي باقتناص وتصيُّد اليهود الهاربين المختبئين من أعين الجنود والشرطة إبان الحرب العالمية الثانية.

وهذا كان بالضبط ما حصل عصر يوم الثلاثاء الماضي في محطة مينتون-غارافان، آخر المحطات الفرنسية قبل الحدود الإيطالية، فهناك أمسكت وحدة من الشرطة الوطنية الفرنسية بشيخ إسحاق بيناتي (21 عاماً) الآتي من ساحل العاج فيما كان واقفاً على رصيف محطة القطار، فوضعوه على قطار الـ3:40 عصراً العائد إلى فينتيميليا الإيطالية.

"لا تخافوا!"، صاح بيناتي بالشرطة فيما كان أفرادها يزجون به على القطار في انتظار انطلاقه ومغادرة المحطة.

لكن أياً من رجال الشرطة الذين شاركوا في تلك الحادثة رفض التعليق والإدلاء بكلمة لصحيفة الواشنطن بوست.

أما بيناتي الذي كان وفد إلى أوروبا عبر ليبيا ولامبيدوسا، فقال حين وصوله إلى الجهة الإيطالية إنه كان عبر الحدود الفرنسية ليلة الأحد؛ أملاً بالوصول إلى ضاحية سان دوني الباريسية حيث تقطن عمة له؛ لكن الشرطة الفرنسية أمسكت به في نيس صباح الثلاثاء بينما كان يحاول أن يستقل القطار المتجه إلى باريس بأوراق انتهت صلاحيتها أواسط نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

عندما حاول التملص من أفراد الشرطة والإفلات من قبضتهم، قال بيناتي إن أحدهم سدد له ضربة على رأسه خلفت جرحاً نازفاً، أحنى بيناتي رأسه أمام مراسل الواشنطن بوست ليريه جرحه، ثم قال: "كانت لدي فكرة إيجابية عن فرنسا بلد حقوق الإنسان والشرعية، لكن لا شيء من هذا يُرى هنا!".

مع ذلك، بيناتي عازم على تكرار المحاولة.


لست بطلاً ولكني لست نذلاً كذلك


أما على الجهة الأخرى من الحدود وفي الداخل الفرنسي، سخر هيرو وقلل من شأن اعتقاد الكثيرين أنه بطل شهْمٌ؛ فقال: "لا أقوم بهذا سعياً وراء المال ولا المنفعة المادية؛ فعندما لا تكرس حياتك للكسب، تصبح فكرة فصل (هذا بيتك) عن (هذا بيتي) فكرة لا محل لها من الإعراب".

لكن هيرو يرى أن المشكلة الكائنة على الحدود ليست في إغلاق المجتمع أبوابَه أمام الأجانب بقدر ما هي مشكلة أن ثمة أناساً على استعداد للتعايش مع النذالة الواقعة خارج نطاق هموم حياتهم الخاصة.

يقول: "على الكل النزول إلى الشارع ومحاولة إصلاح أي مشكلة يرونها، فهذه هي الديمقراطية. إنها ليست بالجلوس في البيت ومشاركة الأشياء على فيسبوك؛ بل هي في أن يتخذَ كلٌ موقعاً يمكننا فيه أن نعيش جميعاً بشكل أفضل".

وختم هيرو بالقول: "وإن اضطررنا إلى محاربة الدولة لنفعل ذلك، إذاً يصبح هذا واجباً لزاماً علينا".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.