كيف تورط ترامب بـ"ذكاء" الكويت وأبى التراجع؟.. القصة الكاملة

تم النشر: تم التحديث:
S
s

بدا الأمر بالنسبة لمحرر الشيفت المسائي في موقع الشؤون العربية كما لو كان خبراً هاماً: الكويت، على ما يبدو، تحذو حذو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فقد أصدرت حظراً على التأشيرات للمواطنين من 5 دول مسلمة أخرى.

كتب المحرر مقالاً، وبسرعة الصاروخ انتشرت الأخبار عبر الفضاء الإلكتروني. لفت أحد الروابط أنظار ترامب نفسه، فنشره على صفحته الرسمية بفيسبوك مصحوباً بالثناء على تلك السياسة المزعومة: "ذكاء!"، وفق ما نشرت صحيفة نيويورك تايمز.

يقول جيمس براونسيل، مدير تحرير صحيفة "العربي الجديد" The New Arab، الموقع الذي نشر تلك المادة في أول فبراير/شباط، إن هناك مشكلة: وهي أن الحظر الذي فرضته الكويت مطبق منذ عام 2011 ، قبل إعلان ترامب إجراء مماثلاً في الولايات المتحدة بوقت طويل. لم يلاحظ الكاتب أن هذا النبأ يرجع تاريخه إلى سنوات مضت.

ورغم إصدار بيانات وتوضيحات من دول وصحف لها صلة بالقضية لنفي الخبر، فإن الرئيس ترامب لم يحذف الخبر من صفحته وما زال موجوداً مع كلمة "ذكاء" التي أثنى فيه على القرار الذي لم تتخذه أصلاً.

ونفت الكويت في بيان أصدرته الخارجية الخبر جملة وتفصيلاً، وقالت إنها لا تربط الإرهاب والعنف بأي جنسية أو ديانة محددة، مؤكدة أن الجنسيات المشار إليها لديها جاليات كبيرة تقيم في الكويت وتتمتع بحقوقها كاملة.

العديد من المواقع التي كثيراً ما تدعم ترامب، أعادت نشر التقرير وفق ما ذكرت نيويورك تايمز، بما في ذلك Infowars.com ووكالة أنباء سبوتنيك الروسية، ثم أوضحت بعد ذلك أنها أخبار قديمة وغير ذات صلة بقرار ترامب.

ولكن بحلول مساء الثلاثاء، كان المنشور الذي لم يقم ترامب بتعديله حقق أكثر من 251 ألف رد فعل، و68 ألف مشاركة و15 ألف تعليق، العديد منها من مؤيدي ترامب الذين يرون أن قرار الكويت المزعوم باتباع ترامب، يعتبر تأييداً لسياسة الرئيس.

كتبت كريستينا فيلار: "هل تقصد أن تخبرني بأن المسلمين يمنعون المسلمين من دخول بعض البلدان؟ لدينا بعض الأميركيين يعتقدون أن رئيسنا بلا قلب. لا، إنه ذكي!".

إلا أن البيت الأبيض لم يستجب ليلة الثلاثاء على طلب للتعليق على تصريحات ترامب.

ظلت شبكة الإنترنت فترة طويلة موطناً لمواقع لا حصر لها مشكوك في مصداقيتها، والعالم العربي مليء بالمواقع الإخبارية التي تمولها أطراف خاصة لتعزيز مصالحها. تاريخياً، كان جمهورها محدوداً.

ولكن في هذه الحالة، أذيعت معلومات كاذبة، نقلاً عن خطأ صادِر عن مصدر أخبار غير معروف، لجمهور واسع من قِبل الرئيس الأميركي الذي هو عرضة للمبالغة والأكاذيب، والذي يتبع سياسة هجرة تنهال عليها الانتقادات، والذي روجت إدارته لمصطلح "حقائق بديلة".

وقد صدم هذا الحدث، وسرّ، بعض الذين نشروا تلك المعلومات الكاذبة.

قالت دينا دبوس، رئيس تحرير النسخة الإنكليزية من موقع "البوابة"، الموقع الأردني الذي نقل ترامب الخبر عنه، لصحيفة نيويورك تايمز: "لقد كان مذهلاً جداً. لقد كنا في غاية السعادة والفخر بذلك المقال". ولكن الصحيفة صححت هذه المادة على موقعها على شبكة الإنترنت".

بدأ انتشار المقالات حول حظر الكويت منح التأشيرات في الأسبوع الماضي، بعد أن وقع ترامب أمراً تنفيذياً يمنع المواطنين من 7 بلدان ذات أغلبية مسلمة من دخول الولايات المتحدة.

بينما عمت الفوضى في المطارات ورفع المعارضون دعاوى قانونية ضد هذا القرار، وجد محرر يعمل في الشيفت الليلي بـ"العربي الجديد"، وهو موقع إخباري مقره لندن، تقريراً يفيد بأن الكويت كانت قد أعلنت حظر إصدار التأشيرات لمواطني 5 دول ذات أغلبية مسلمة.

ولحرصه الشديد على "المصلحة العامة الدولية المُبررة"، كتب المحرر بسرعة مقالاً عن الحظر الكويتي، ونشره دون أن يدرك أنه استند إلى "قرار اتُّخذ في عام 2011"، وفقاً لبيان نُشر على الموقع يوم الثلاثاء، بعد استفسار نيويورك تايمز عن مصدر المقال.

ولكن بحلول الوقت الذي رُصِد فيه الخطأ وصُحِّحَت المادة، كانت النسخة الخاطئة قد انتشرت بالفعل.

وقال بيان للموقع: "مثل تلك الأخطاء تحدُث، ولكن للأسف وجدنا أن هذا الخطأ الفادح (الذي عوقب بسببه أحد موظفينا) انتشر انتشاراً واسعاً".

اعتبرت صحيفة "العربي الجديد" خطأها "انحرافاً وحيداً عن تغطيتنا الصحفية الممتازة".

بسبب وجود اتفاق النشر المشترك بين الصحيفتين، نُشرت المادة الخاطئة على موقع "البوابة" في اليوم نفسه الذي نشرها فيه "العربي الجديد". على "البوابة"، جاء عنوان المقال "الكويت تصدر حظرها (الترامبي) الخاص بها على 5 بلدان ذات أغلبية مسلمة".

حظيت المادة بالاهتمام الدولي، ونقلت عنها عدة مواقع، غالباً ما تدافع عن سياسات ترامب.

قالت Breitbart News، التي كان يرأسها ستيفن بانون، كبير الخبراء الاستراتيجيين في إدارة ترامب، إن مخاوف بشأن "الإرهاب الإسلامي المتطرف" هي التي دفعت الكويت لفرض الحظر.

ونشر موقع Infowars.com نسخة قال فيها إن الكويت قلقة بشأن "الهجرة المحتملة للإرهابيين الإسلاميين المتطرفين".

أما سبوتنيك، وكالة الأنباء الرسمية الروسية التي غالباً ما تنشر الأكاذيب، قالت إن الكويت "نقلت صفحة من كتاب قواعد اللعب الخاص بالرئيس الأميركي دونالد ترامب" بإصدارها قرار حظر التأشيرات الخاص بها.

لكن سرعان ما ظهرت مؤشرات تدل على أن هذه المادة كانت خاطئة. فقد نفى سفير باكستان لدى الكويت أن حظر التأشيرة يُطبق على الباكستانيين. ويوم 3 فبراير/شباط، أصدرت الكويت، في بيان نُشر على وكالة الأخبار الرسمية "كونا"، "نفياً قاطعاً" أنها أوقفت إصدار تأشيرات دخول لبعض الجنسيات.

وبحلول الوقت الذي أصدرت فيه بعض المواقع التي نشرت المعلومات الخاطئة، توضيحات تشير إلى الإنكار الكويتي، كانت مقالات "العربي الجديد" و"البوابة" قد تصدرت قوائم "الأكثر شعبية" على مواقعها بالفعل، على الرغم من أنها نشرت قبل ذلك بـ6 أيام.

وقال براونسيل، من "العربي الجديد"، إن المقال ولّد حركة على الموقع أكثر من معظم المقالات الأخرى، لكنه مع ذلك امتنع عن ذكر أرقام.

وأضاف: "من الآمن أن أقول أكثر من المعتاد".

أصدرت "البوابة" بياناً، أيضاً بعد استفسار من صحيفة نيويورك تايمز، قالت فيه إن مقالها أبرز مدى صعوبة حصول شخص من سوريا ودول أخرى على تأشيرات الدخول إلى الكويت، حتى لو لم يكن هناك حظر رسمي شامل.

وقال البيان الصادر عن البوابة: "ترامب، لست مخطئاً هنا! كان خطأنا الوحيد أن سميناه (حظر التأشيرات)، في حين كان ينبغي لنا أن نسميه (التدقيق الشديد)، أو ربما حتى حظر مع استثناءات قليلة".

قالت دينا دبوس، محررة "البوابة"، في مقابلة عبر الهاتف يوم الثلاثاء، إن هذه المادة تخدم هدف الموقع عن طريق نشر "بعض الحقائق حول الشرق الأوسط والتي تعتبر روايات قليلاً ما نراها"، وفق ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز.

وقالت إنها ليست قلقة لكون موقعها قد أبقى المادة الخاطئة التي نشرها ترامب لمدة 6 أيام.

وأضافت: "نحن لا نعتبره خطأً فادحاً؛ لأننا نعتقد أن المقال يكشف عن حقائق أخرى".