"حافلات حلب" تصبح نصباً تذكارياً بأشهر ميادين درسدن الألمانية.. إليك القصة مع الصور

تم النشر: تم التحديث:
S
s

بالنسبة لبعض أهالي مدينة درسدن الألمانية، فإن أبراج الحديد والصلب الصدئة المنتصبة هذه ليست سوى تشتيتٍ للانتباه يشغل الأنظار بعيداً عن عظمة مركز مدينتهم الذي أعيد بناؤه. أما بالنسبة لآخرين من أهالي المدينة نفسها، فإن هذه الأبراج شاهدٌ مثير للاهتمام والأفكار يذكر الرائين بأن المدينة نفسها كانت أنقاضاً قبل وقت ليس ببعيد.

فقد أقيم هيكلٌ لنصب جديد أقيم حديثاً في قلب المدينة الألمانية الشرقية، كشف عنه النقاب يوم الثلاثاء 7 فبراير/شباط الجاري، تحت اسم Monument (نُصَب)، يعيد تجسيد واحدة من أكثر الصور السريالية التي انبثقت من رماد الحرب السورية؛ فالنصب عبارة عن 3 حافلات منتصبة عمودياً في شارع من شوارع حلب استُخدمت لتكون متراساً للاحتماء من نيران القناصة، حسبما رصدت صحيفة الغارديان البريطانية.

الهيكل من تصميم الفنان الألماني السوري مناف حلبوني (32 عاماً)، ويأتي نصبه أمام كنيسة Frauenkirche الشهيرة قبل أسبوع واحد فقط من الذكرى السنوية الـ72 لبدء غارات الحلفاء الجوية عام 1945 التي أنزلت بالمدينة الويلات والحمم، لتخلف وراءها 25 ألفاً من القتلى، معظمهم مدنيون.

s

لكن هذه الباصات يرى فيها بعض أهالي درسدن استفزازاً ووسيلة لمنع مسيرات الاحتجاج التي نظمتها حركة بيغيدا المعادية للإسلام والتي استخدمت ساحة نيوماركت، المواجهة للكنيسة، لتكون نقطة التقاء وتجمهر لهم.

فقد أصدر الفرع المحلي لحزب ألمانيا اليميني الشعبوي "البديل من أجل ألمانيا" AfD بياناً استنكر فيه عمل "حلبوني" الفني ووصمه بـ"انتهاك الحرية الفنية" عن عمد ونية؛ من أجل "لجم مواطني درسدن والدفع بحركة بيغيدا إلى المتاريس" وطمس رمز إحياء مدينة درسدن المركزي بعد الوحدة بـ"قطع غيار من حديد".

وكان تدشين الصرح الرسمي أمس (الثلاثاء)، قد أدى إلى مشاهد من الاضطراب في مركز المدينة عندما تجمهر حشد المحتجين مع حشد المؤيدين الواقفين بأعداد كبيرة أمام العمل الفني؛ حتى إن الخطاب الذي ألقاه عمدة المدينة ديرك هيلبرت غطت عليه أصوات وصيحات الجمهور المستاء "إليك عنا!".

أما "حلبوني" الذي استنكره بيان "البديل من أجل ألمانيا" ووصمه بـ"المتجوّل الذي لا جذور له"، فله صلة وثيقة بدرسدن؛ حيث أن أباه السوري التقى أمه الألمانية هناك فيما كان يدرس الهندسة المعمارية بجامعة المدينة. انتقل الزوجان معاً إلى دمشق عام 1979 وهناك أبصرت عينا "حلبوني" النور، غير أنه كثيراً ما تردد على ألمانيا بزيارات في صباه، وله ذكريات طفولة في كنيسة Frauenkirche عندما كانت ما تزال أنقاضاً. ومنذ عام 2009 و"حلبوني" يتخذ من كلية الفنون الجميلة بالمدينة مقراً له.

رداً على هجوم حزب "البديل من أجل ألمانيا"، قال الفنان بطريقة غير مباشرة لعل نقاده على صواب بقوله: "إنني بلا جذور، بمعنى أن الحرب الغاصبة سرقت مني طفولتي بقتلها وتشريدها أصدقاء شبابي حول أصقاع العالم. ومنذ ذلك الحين، صرت أشعر كأني في وضع انتقالي؛ لأني ما زلت أشعر بأن الناس هنا بصعوبة تكاد تعترف بأني ألماني على محمل الجد".

وعلى إحدى صفحات فيسبوك الخاصة بشبكة ناشطين يمينيين محليين، أمطر مستخدمو فيسبوك ذاك العمل الفني بسهام انتقاداتهم، زاعمين أنه محاولة متعمدة لإلحاق العار بالألمان الأصليين والتقليل من شأن معاناتهم التاريخية، حيث كتب أحد المستخدمين: "منذ سقوط الجدار ويبدو أنه لا يُسمح لنا إلا أن نكون مجرمين لا ضحايا".

s

هذا الشهر تلقَّى هيلبرت، عمدة المدينة وعضو حزب ألمانيا الليبرالي، تهديدات بالقتل إثر انتقاده المحاولات الرامية إلى خلق "أسطورة الضحية" بقوله إن "درسدن لم تكن قط مدينة بريئة".

ويشير أنصار العمدة ومؤيدوه إلى أن المدينة لتوها أمّنت التمويل لإتمام نصب تذكاري جديد داخل كنيسة Busmann سيدرج أسماء 19 ألفاً من الضحايا الذين عُرفت أسماؤهم من بين ضحايا غارات 1945.

كذلك، فإن معرض الفن المعاصر خلف الهيكل الجديد المسمى Monument هو أيضاً يستضيف معرضاً يسلط الضوء على محنة الألمان الذين أُخرجوا طريدين من بولندا بعد الحرب.

بعد ظهر الإثنين وفيما كانت رافعتان ترفعان الباصات التي أصلها من بيروت لتوقفها عمودياً، كان "حلبوني" واقفاً يرقب عندما انضم إليه اثنان متقاعدان على متن دراجتين والغضب والسخط بادٍ عليهما. قال أحدهما، وهو رجل من أهالي المدينة رفض كشف اسمه، بيد أنه قال إنه خسر كلا والديه في أثناء قصف المدينة: "إن هذا هراء بأكمله وفضيحة تامة. انتظر وانظر ما سيحدث هنا في الأسابيع المقبلة".

أما أحد القائمين على المشروع الفني، فلمَّح إلى أن صورة الباصات الواقفة قد تساعد جيلاً من صغار أهالي درسدن على التفكير في الرعب والدمار الذي تسببه الحرب، لكن الرجل الجالس على دراجته الهوائية هز الرأس، وقال: "الأمر معقد جداً، وأهالي درسدن يعرفون هذا المعنى أصلاً".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.