3 تسريبات في أسبوعين لإدارة ترامب المتقلبة.. تساؤلات عن مدى تمتُّع الرئيس الأميركي بصحة عقلية سليمة؟

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
Pool via Getty Images

كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يعتريه بعض القلق والحيرة حيال الدولار: هل هو عملة قوية وتخدم الاقتصاد؟ أم أنه عُملة ضعيفة؟

ولِذا، أجرى ترامب اتصالاً هاتفياً، ولكنه لم يتحدث إلى أي من قادة الأعمال الذين عيَّنهم في إدارته، أو حتى إلى أحد أصدقائه القدامى من أيام عمله في القطاع العقاري. واتصل بدلاً من ذلك، بالجنرال المُتقاعِد مايك فلين، مستشار الأمن القومي في إدارته، بحسب اثنين من المصادر المُطَّلِعة على رواية فلين للواقعة بحسب ما نشرته النسخة الأميركية من موقع هافينغتون بوست.

لدى فلين سجل طويل وخبرة واسعة في مجال مكافحة التجسس، ولكن ليس في الاقتصاد الكلي، ولذا أخبر ترامب بأنه لا يعرف الإجابة عن سؤاله؛ إذ إنها تقع خارج مجال تخصصه، ونصحه بسؤال أحد الخبراء الاقتصاديين بدلاً منه.

لم يَكُن ترامب سعيداً بذلك الرد، ولكن قد يعود السبب إلى التوقيت الذي طُرح فيه السؤال؛ إذ إنه أجرى اتصالاً بفلين في الساعة الثالثة صباحاً، وفقاً لإحدى روايات المصادر التي نقلت عن فلين، رغم أن البيت الأبيض ومكتب فلين رفضا الاستجابة لطلبات الحصول على تأكيد تلك التفاصيل.

بيئة مناسبة للتسريبات

أما الأميركيون الذين رسموا انطباعهم عن ترامب استناداً إلى شخصية ملك المال المُقتدر والحازم، التي ظهر بها في أثناء تقديمه المواسم المختلفة من برنامج تليفزيون الواقع الشهير "Apprentice"، فإن تلك الصور التي أخذوها عنه، بالإضافة إلى العديد من الأنباء والحكايات الأخرى الصادرة عن إدارته، قد تبدو جميعها صادمة لهم: فهو الرئيس التنفيذي المُتَسَرِّع، والتافه في بعض الأحيان، الذي يولي اهتماماً كبيراً بالتَمَلُّق للأمة، بدلاً من الاهتمام بتفاصيل سياساته الخاصة، بالإضافة إلى سرعته في توجيه اللوم إن لم تسِر الأمور بالطريقة التي أرادها.

وتسبب سلوك ترامب المُتَقَلِّب في خلق بيئة مُناسبة لخروج تسريبات من أجهزته التنفيذية، وحتى داخل البيت الأبيض. وبينما كانت التسريبات تنطوي عادةً على العاملين الذين يقومون بأعمال تخريبية لتوريط بعضهم بعضاً ولتحسين مكانتهم الخاصة، أو يحاولون إحباط الأفكار السياسية التي تُمَثِّل لهم مشكلة حقيقية ونسفها، كانت لإدارة ترامب التي لم يمر على فترة عملها سوى أسبوعين فقط، فئة ثالثة من التسريبات: وهي التسريبات الواردة عن البيت الأبيض ومسؤولي المُنَظَّمة، ممن انتابهم القلق حيال سلوك الرئيس.

قال إليوت كوهين، أحد كبار المسؤولين بوزارة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس جورج دبليو بوش والذي كان عضواً بمجلس الأمن القومي في عهده: "مكثت في هذه المدينة ما يقرب من 26 عاماً، ولم أرَ شيئاً مُماثلاً لهذا من قبلُ. وأنا لا أظن حقاً أن هذا رئيس يتمتع بصحة عقلية سليمة".

هناك على سبيل المثال، مسألة بيانات الإحاطة الاستخباراتية الموجزة لترامب. فقد أخبر أحد مساعدي البيت الأبيض، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، في تصريح لـ"هافينغتون بوست"، أن القائد العام لا يحب قراءة المُذكرات الطويلة. لذلك، يُفَضَّل ألا تزيد تلك البيانات على صفحة واحدة. ويجب أن تكون على هيئة نقاط، ولكن ليس أكثر من تسع لكل صفحة.

قد تغمر التفاصيل الصغيرة ترامب بالفرحة العارمة، أو تتسبب في إثارة غضبه الشديد. فقد أخبر صحيفة نيويورك تايمز ذات مرة، بأنه فُتِن بنظام الهاتف الموجود داخل البيت الأبيض. وفي الوقت ذاته، سجّل شكوى بخصوص مناشف اليد الموجودة على طائرة الرئاسة، بحسب ما ذكره مساعد بالبيت الأبيض، والسبب هو أن تلك المناشف ليست ناعمة الملمس بالقدر الكافي.

لقد كان متوجساً من أداء مساعديه على التليفزيون. فعادةً لم يكن الرؤساء السابقون يخصصون وقتاً معيناً لمشاهدة الإيجازات الصحفية اليومية التي يدلي بها مساعدوهم للصحفيين، لكن يبدو أن ترامب قد جعل ذلك جزءاً من روتينه اليومي. كما يأتي على رأس أولويات مشاهدته، برنامج النقد اللاذع الأسبوعي لإدارته "Saturday Night Live"، والذي يتراوح رد فعله عليه بين الامتعاض والغضب الشديد.

توصلت الـ"هافينغتون بوست" إلى معلومات حول التعاملات الشخصية لترامب، والأعمال الداخلية لإدارته عن طريق بعض الأشخاص بالوكالات التنفيذية وفي البيت الأبيض نفسه. فقد تحدثوا عن تلك الأمور شريطة عدم كشف هويتهم؛ خوفاً من فقدان وظائفهم.

في حين أن بعض هذه التسريبات قائمة على معارضة سياساته -مثل حظر السفر على كل اللاجئين، والزائرين القادمين من 7 دول ذات أغلبية مسلمة- إلا أن الكثير منها نابع من اعتقاد أن كلمات ترامب وتصريحاته وتغريداته، تمثل تهديداً حقيقياً.

على سبيل المثال، عندما غرد ترامب عن التكنولوجيا الصاروخية لكوريا الشمالية قبل توليه السلطة بـ3 أسابيع، تسبب ذلك في ارتباك لدى جهاز الأمن القومي للرئيس باراك أوباما آنذاك، والذي استشعر خطر استفزاز الدكتاتور الشاب الأرعن المهووس بالأسلحة النووية.

هدف التسريبات

قال ريتشارد نيفيو، وهو خبير في وزارة الخارجية بشؤون فرض العقوبات على إيران في فترة إدارة أوباما، إن بعض هذه التسريبات الواردة من بعض الوكالات، على الأرجح، ما هي إلا محاولات لكي يعرف العامة أن مشورتهم لم تُتبع، في حالة ما إذا حدث شيء سيئ في نهاية المطاف.

وقال نيفيو عن هذه التسريبات: "أعتقد أنها ظهرت لتوضح أن هؤلاء الناصحين قد حاولوا عمل الشيء الصحيح، وليس هناك المزيد الذي يستطيعون أن يقدموه في ظل إدارة متسلطة".

في الإطار نفسه، ذكرت وكالة أنباء أسوشييتد برس تفاصيل مكالمة هاتفية أُجريت في 27 يناير/كانون الثاني بين ترامب والرئيس المكسيكي إنريكي بينيا نييتو، مشيرةً إلى أن ترامب قال إن المكسيك لديها "أعتى المجرمين"، وهو ما يتطلب إرسال قوات الولايات المتحدة إلى هناك لاتخاذ اللازم. (قال البيت الأبيض في وقت لاحق إن ترامب كان يمزح).

وقد نشرت صحيفة الواشنطن بوست تقريراً تفصيلياً حول محادثة جرت في 28 يناير بين ترامب ومالكولم تورنبول رئيس وزراء استراليا، والتي استنكر فيها ترامب غاضباً من اتفاقية إعادة توطين اللاجئين في الولايات المتحدة التي حصلت عليها أستراليا.

وفي غضون ذلك، رسمت صحيفة نيويورك تايمز صورة للرئيس وهو غارق في التفكير، وشارد الذهن وحيداً في أحد حمامات البيت الأبيض ليلاً، ويشاهد القنوات التليفزيونية أوقاتاً طويلة، وينفِّس عن إحباطه من خلال التغريدات الغاضبة.

قالت إليزابيث روزنبرغ، الخبيرة في مكافحة الإرهاب بوزارة الخزانة الأميركية في فترة حكم أوباما: "أعتقد أنه استجداء للمساعدة"، وقالت إن الكثير من العاملين الذين لا يزالون في مواقعهم داخل وكالات الأمن القومي في ظل حكم ترامب يراقبون ما يحدث، ويقودهم دافع بسيط، وهو (الارتياب والحاجة لتداولها)".

تسريبات حتمية

أنكر البيت الأبيض العديد من هذه التهم؛ من بينها فكرة أن ترامب يمتلك روب حمام، ما بالك بارتدائه! يشكك آخرون في النظرية التي تقول بأن استهانة العاملين في إدارة ترامب بأهليته أمر غير اعتيادي.

رون كوفمان الذي عمل في البيت الأبيض في أثناء إدارة جورج بوش أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، يرى أن تسريبات إدارة ترامب هي نصيب مقدَّر بالنسبة لأي إدارة شابة. "كانت هناك دائماً تسريبات"، يقول كاوفمان، مضيفاً: "كل رئيس في التاريخ قال إن الصحافة تكرهه وإن هناك الكثير من التسريبات".

يقول عضو اللجنة القومية في الحزب الجمهوري راندي إيفانز، الذي كان محارباً سابقاً في خدمة منع التسريبات عن جناح المتحدث الرسمي السابق نيوت غينغريتش في التسعينات، إنه لم يصله الإحساس بأن طاقم إدارة ترامب يتشككون في ملائمته للمنصب .

"ليس بعدُ على كل حال"، كما يقول إيفان الذي يضيف: "نحن ما زلنا في المراحل المبكرة من العملية، وأظن أن بإمكانك أن ترى الكثير من المناورات السياسية في هذه المرحلة والكثير من محاولات إثبات الذات".

فكرة أن ترامب غير صالح للمنصب بشكل جوهري ليست شيئاً جديداً؛ كانت هذه هي الحجة الأساسية ضده في الانتخابات التمهيدية بالحزب الجمهوري قبل عام مضى وفي الانتخابات العامة بالصيف والخريف الماضيين. في بعض الأوقات، بدا أن ترامب يتقمص الشخصية ويرتديها كوسام شرف؛ لكونه معادياً للمؤسسة السياسية ودخيلاً عليها.

لكن، ما كانت مجرد مخاوف افتراضية في فترة الحملة الانتخابية أصبح الآن قرارات حياة أو موت داخل البيت الأبيض، كما تشير إلى ذلك الدلائل التي تتحدث عن موت قائد بالبحرية في الغارة الفاشلة باليمن في التاسع والعشرين من يناير الماضي.

أقر ترامب الهجمة بعد غداء عمل شمل كبير مستشاريه السياسيين ورئيس قطاع الأخبار السابق ستيفن بانون الذي كانت عضويته الدائمة في مجلس الأمن القومي في حد ذاتها مثاراً للكثير من التسريبات والتحذيرات من مؤسسة الأمن القومي.

يقول ريك ويلسون، وهو مسؤول سابق في البنتاغون على دراية بقضايا الاستخبارات والذي أصبح من المنتقدين العلنيين لترامب، إن "مجتمع الاستخبارات يسعى بشكل يائس للبحث عن طرق للحصول على أفضلي،ة في محاولة إبعاد السياسات الخطيرة من أن تنحو في إتجاهات كارثية".

بإمكانهم إيجاد المسؤولين عن التسريبات

قال إيفان إنه في نقطة ما سيكون على البيت الأبيض أن يتعامل بجدية مع التسريبات المضرة إذا أرادوا السيطرة على رسائلهم كما فعل مكتب غينغريتش قبل عقدين من الزمان. وصف الطريقة التي يتم خلالها إعطاء العديد من التصريحات والأخبار المثيرة لأفراد طاقم العمل والانتظار لرؤية أيها يصل إلى وسائل الإعلام. يضيف إيفان: "إذا أصبحت الإدارة جادة بشأن التسريبات فسيقومون باختبار الصبغة الزرقاء وسيجدون المتهمين".

لكن بالنسبة لكوهين الذين يعمل مدرساً في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة هوبكنز، فإن المشكلة ليست في المسربين، إنما في الرئيس نفسه؛ لأن ترامب لم يُظهر أي اهتمام حقيقي أو احترام لأي أحد خارج عائلته المباشرة. يضيف كوهين أنه ليس بإمكانه أن يتوقع هذا من طاقمه. "هذا ما يحصل عندما يكون لديك رئيس نرجسي".

- هذا الموضوع مترجم عن النسخة الأميركية لـ"هافينغتون بوست". للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.