ابنة غير شرعية في أرض تستطع بها ألف شمس.. رواية تعكس حياة الأفغانيات

تم النشر: تم التحديث:
ALFSHMS
social media

ألف شمس ساطعة، رواية للكاتب الأفغاني خالد حسيني، وهي الإنتاج الأدبي الثاني للكاتب، صدرت عام 2013 عن دار بلومزبري- مؤسسة قطر للنشر، للمترجم إيهاب عبد الحميد.

تلك الرواية إهداء لنساء أفغانستان، اللاتي عانين كثيراً من الحرمان، والإهانة، وسلب حقوقهن المشروعة كافة في حياة كريمة أثناء الحرب.

هذه قراءتي الثانية للرواية، وفي كل مرة، أقف مترددةً، ماذا أكتب؟ ومن أين أبدأ؟ فالكلمات والأحداث داخل عقلي وقلبي في سباق مستمر، فاخترت أن أبدأ من تناسينا تلك الحضارة، وهذا التاريخ الثري بالمعاناة والصمود، بقدر ثرائه بكل مظاهر التحضر والإنسانية.

أفغانستان التي ارتبطت في ذاكرة كل منا بنساء يرتدين السواد، والأطفال اللاجئين، والمخيمات، واستجداء تعاطف العالم لبعض محاولات إنقاذ ما تبقى من مظاهر حزينة للحياة، في عيون وعقول رفضت أن تغادر رغم الحرب، وما خلَّفته من دمار.

جاء خالد حسيني بألف شمس ساطعة ليعبر فوق سنوات المعاناة، ويأخذ بيدنا في جولة داخل أرض أفغانستان، يطرح العديد من التساؤلات عن أسباب تدهور تلك الحضارة، وتوالي الحروب عليها، وتقاعس العالم عن إنقاذها. طرح الكاتب العديد من أوجه المعاناة التي يمكن أن يعانيها الإنسان وأقساها، فيظل طوال حياته يعاقب على ذنب لم يقترفه.

تمثَّلت هذه المعاناة في شخص مريم، الطفلة التي وُلدت لأب من أثرياء أفغانستان في ذلك الوقت، وأم تعمل خادمة لديه؛ فكانت مريم ابنة لعلاقة غير شرعية، فانتهى الحال بـها وأمها غريبتين في قرية فقيرة، لا تعلم عن العالم الواسع لأبيها شيئاً، سوى زياراته المتقطعة، دون أن يستطيع مواجهة العالم بوجودها، ثم يقرر الأب تزويجها برجل يكبرها بعشرات السنين ليتخلص من ذنبها ومسؤوليتها نهائياً بعد موت الأم.



alfshms

ينتهي الأمر بمريم ذات الـ15 عاماً زوجة لرشيد، صانع الأحذية في مدينة كابل، الذي لم يعرف الرحمة ولو للحظات، فاعتبرت مريم هذه الزيجة باقي ذنب، وتكفيراً عن ماضٍ لا تعرف عنه شيئاً.

تستمر حياة مريم، وفي كل يوم يشتد تعذيب الزوج وإهانته لها، ومعايرتها بماضي والديها، حتى يأتي للمنزل بزوجة أخرى "ليلى"، تصغر مريم بسنوات، وتصغر رشيد بعمر كامل.

ليلى، الفتاة البالغة من العمر 14 عاماً، عاشتها في كنف والديها، مع أم غلب الحزن على ملامحها لفراق ولديها أثناء الحروب التي شنها المجاهدون على القائمين بالثورة في أفغانستان، وأب لم يحرص على شيء طيلة حياته قدر حرصه على تعليمها، وتوعيتها بتاريخ أفغانستان الفني والأدبي، حتى رحيلهما في حادث مفجع إثر سقوط أحد الصواريخ، التي كانت تستهدف كابل ليلاً ونهاراً في ذلك الوقت.

ينتهي الحال بمريم وليلى تحت سقف منزل واحد، ومن هذا المنزل يتجول الكاتب داخل مدن أفغانستان، يعرض تاريخ الحرب بمنتهى الألم، ويقارن بين ما كانت تحياه أفغانستان في زمن ليس ببعيد من حضارة وفن وجامعات، حتى قيام الثورة في أفغانستان عام 1978، التي تبعتها حركات الجهاد ضد الثورة، وعرفت بالحرب الأهلية في ذلك الوقت، فتدخلت القوات السوفيتية، واستمرت حركة الحروب، حتى دخول قوات طالبان في سبتمبر/أيلول عام 1996، وكيف أساءت كل هذه الطوائف إلى هذه الحضارة، وانتقصت منها ومن كرامة أهلها.

عرض الكاتب من خلال حياة مريم وليلى معاناة المرأة في أفغانستان، وتفاصيل حياتها اليومية تحت القصف؛ كي توفر المأكل، وتعرضها للإهانة والحرمان، حتى من الرعاية الصحية، وتضحياتها بكل ما تملك، فكان من السهل التضحية بالأمومة، فكثير من الأمهات وضعن أبناءهن في الملاجئ، ودور رعاية الأيتام للحصول على وجبة طعام واحدة في اليوم، وهذا ما فعلته ليلى بابنتها في ذلك الوقت، وكيف كانت تتعرض للضرب أو للاغتصاب إذا خرجت في الشوارع وحيدة.

تلك المرأة التي كانت في زمن قريب تتمتع بكامل حقوقها، فقد كانت تعمل معلمة وأستاذة جامعية.

حرص الكاتب على ذكر الأحداث السياسية التي حولت مجرى الحياة في أفغانستان، بتحديد تاريخ السنوات بدقة وأسماء أبرز الشخصيات، التي أسهمت في هذه الأحداث بالسلب والإيجاب.



alfshms

لكن من أهم الفصائل التي يسترسل الكاتب في الحديث عنها، حركة طالبان، "التي اتخذت من الدين ستاراً لها، وهي أبعد ما يكون عن ذلك"، حسب قوله. فأي دين هذا الذي يحرم المأكل والملبس والتعليم؟ وتلك أهم حقوق الإنسان في الحياة. أي دين يحرم ويحارب التقدم، ويهدم كل مظاهر الحضارة؟ أي دين هذا الذي يدعو للخراب والقصف، وقتل الأبرياء بشكل يومي؟ أي دين يحرم المرأة حقوقها، حتى الخروج من المنزل؟ وإن فعلت تموت ضرباً أو يتاجر بها. أي دين هذا الذي لا يحترم الإنسانية؟

تنتهي أحداث الرواية بمقتل رشيد، وهروب ليلى بصحبة أطفالها من أرض أفغانستان بمساعدة مريم، بعد أن تركت كل منهما أثراً في حياة الأخرى لا يمكن أن تمحوه الأيام، فقد عاشت مريم إحساس الأمومة الذي حرمت إياه، ورأت الاهتمام والمحبة والعرفان بالجميل في عيون ليلى وأبنائها، النظرة التي طالما بحثت عنها في عيون حتى أقرب الناس إليها.

ووجدت ليلى كذلك لدى مريم الأم والملجأ والملاذ، فقد أصبحت كل منهما للأخرى جزءاً لا يتجزأ منها، رغم الفراق، فحين تجمعنا الروح بكل صدق لا نفترق أبداً، فقوة الحب لدى الإنسان عامة، ولدى المرأة خاصة تجعلها تتحمل ما لا يخطر ببال، ولا تتحمله الجبال.

يأبى الكاتب أن ينهي الرواية دون أن يحيي بداخلنا الأمل، أو مثلما قال في نهاية صفحات الرواية "لا تخلو قصة أفغانية من موت وفقد وحزن يفوق الخيال، ومع ذلك يجد الناس طريقة للحياة، للمضي قدماً". وهذا ما فعلته ليلى حين قررت العودة مرة أخرى إلى أفغانستان؛ كي تشارك في حركة الإعمار عام 2003.

أكدت هذه الرواية إيماني بأن الحروب والنزاعات حول السلطة أبشع الجرائم التي ترتكب في حق البشرية، وتيقنت أيضاً أن الوطن ليس تاريخاً يكتب عن أحداث سياسية وحروب وحكام، الوطن هو الإنسان ومعاناته وإبداعه وحريته، وتمرده المشروع أحياناً في حدود الإنسانية وقواعدها العادلة، وما أجمل أن تجمعنا المعاناة والفرح أيضاً؛ فنصبح كياناً واحداً نحمل للآخر ذكرى لا يمحوها حتى الموت، فمن الممكن أن تُكسبنا المعاناةُ أيضاً أشياء حُرمنا منها عمراً كاملاً.