لا تصدِّق أن ترامب سيصاب بالجنون قريباً؟!.. إليك ما يقنعك بذلك

تم النشر: تم التحديث:
FF
SOCIAL MEDIA

كان دونالد ترامب مستيقظًا في الصباح الباكر من يوم الاثنين، 6 فبراير/شباط الجاري، وكعادته كان يشاهد البرنامج الحواري "مورنينغ جو" (Morning Joe) على قناة MSNBC.

كيف لنا أن نعرف هذا؟ لأنَّه بين السادسة والسابعة صباحاً من ذلك اليوم، كان جو سكاربورو، مقدّم البرنامج، يتحدّث عن التقارير التي تشير إلى أنَّ ستيف بانون، كبير المستشارين الاستراتيجيين في إدارة ترامب، هو العقل المدبر الحقيقي لسياسة البيت الأبيض. وعرض سكاربورو غلاف عدد مجلة "تايم" الصادر هذا الأسبوع، والذي يظهر فيه بانون تحت عنوان "The Great Manipulator"، أو "المتلاعب العظيم"، وعرض أيضاً مقطعاً من البرنامج الساخر "Saturday Night Live"، الذي قدّم بانون في صورة هيكل عظمي يرتدي عباءة سوداء، ويعطي ترامب التعليمات في مكتبه البيضاوي قبل الاستيلاء على المكتب لنفسه ونقل ترامب إلى مكتب أصغر بحسب تقرير لمجلة "نيويوركر" الأميركية.

وعلق سكاربورو على الخبر "لا أعلم، ربما يتخذ بانون جميع القرارات بالفعل، لكني ما زلت لا أعتقد ذلك".

"أتخذ قراراتي بنفسي"

لا يمكننا التأكد ما إذا كان ترامب يشاهد البرنامج حينها. لكنه في الساعة السابعة وتسع دقائق -أي بعد انتهاء البرنامج بقليل- غرّد قائلاً: "أتّخذُ قراراتي بنفسي، وتعتمد تلك القرارات بشكلٍ أساسي على جمع البيانات، هذا ما يعلمه الجميع وتكذب بعض وسائل إعلام الأخبار الزائفة بهذا الشأن بهدف تهمش دوري".

براد جافي، محرّر إخباري بقناة "NBC News"، غرد أيضاً إلى أنّ الفقرة المذكورة من برنامج "مورنينغ جو" ربما تكون قد أثارت هياج ترامب هكذا. ولطالما عُرف ترامب بكونه مدمناً لقنوات الكابل الإخبارية. حتى أنه في الآونة الأخيرة، باتت محاولة ربط تغريداته الغاضبة بفقرة معيّنة في برنامج إخباري ما أشبه بلعبة تتداولها الأوساط الإعلامية.

وفي مقالٍ دسم نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الاثنين، أشار الصحفيين ماغي هابرمان وغلين ثراش إلى أنّ ترامب يشاهد قنوات الكابل الإخبارية لوقتٍ طويل يمتد لما بعد وقت الإفطار.

ويقول الثنائي الصحفي إنَّ ترامب "استبدل شاشة التلفزيون المسطّحة والموجود بغرفة الطعام الخاصّة، ليتمكّن من مشاهدة الأخبار أثناء تناوله الغداء".

ومن الواضح أنَّه يشاهد الأخبار كثيراً خلال الليل أيضاً أثناء إقامته بمفرده في مقرّ السكن التابع للبيت الأبيض.

وقال تقرير صحيفة "نيويورك تايمز": "مع بقاء زوجته ميلانيا وابنه الأصغر بارون في نيويورك، يظل الرئيس وحيداً معظم الوقت، وأحياناً يكون معاونه القديم ومدير أمنه السابق، كيث شيلر، برفقته. وعندما لا يقضي ترامب وقته في مشاهدة التلفزيون وهو يرتدي رداء الحمام، أو عندما لا يتصل بمساعديه ومستشاري حملته الانتخابية، ينطلق ترامب لاستكشاف محيط منزله الجديد".

عادات ترامب هذه تُعَد غريبة بكل المقاييس. إذ قال الكاتب جون لينغان في تغريدةٍ له على موقع تويتر: "غالباً ما يكون رؤساء أميركا في فترتهم الرئاسية الثانية عندما تبدأ الصحف الكبرى في تناولهم وكأنهم أشباح بائسة تتحرّك في ممرات البيت الأبيض".

سيل تغريدات ترامب.. كيف نفسره؟

وفي وقتٍ لاحق من اليوم ذاته، اعترض ترامب على تغطية صحيفة "نيويورك تايمز" لحياته. لكن صورة الرئيس المستغرق في متابعة حديث الإعلام عنه، والتي عرضتها نيويورك تايمز في تقريرها، تبدو حقيقيةً.

والحقيقة أنَّها تساعدنا في تفسير سيل التغريدات، والخُطَب، والبيانات السياسية المثيرة للأعصاب التي رأينا ترامب يصدرها على مدار الأسابيع القليلة الماضية

قبل تنصيب ترامب رئيساً للولايات المتحدة، قيل مراراً، وبالاستناد إلى دوره القديم في برنامج "The Apprentice"، إنَّه قد يكون "رئيساً لتلفزيون الواقع". لكنه في الحقيقة أصبح "رئيساً للواقع التلفزيوني"، مقيمٌ بالبيت الأبيض ومحاصرٌ في عالم قنوات الكابل الإخبارية، حيث تأتي كلُ دقيقةٍ بـ"خبر عاجل"، وحيث تتحول كًل مشكلة إلى كارثة، وكل شهقة إلى أزمة، وكل انتقادٍ للرئيس، في نظره، إلى محاولةٍ لتشويه سمعته.

وبدلاً من الاستقرار على بعض المواضيع الرئيسية لسياسة البلاد والتقدّم فيها بحذر من خلال نظامٍ سياسي تُعَد سلطة الرئيس فيه محدودة، يريد ترامب الاشتراك في لعبة النقد عبر التلفزيون، بردوده السريعة وثوراته المفاجئة. وفي محاولةٍ لصياغة عناوين أنباء اليوم المقبل، يُقِر ترامب بعض السياسات المفاجئة. والنتيجة هي الفوضى، وهي فوضى تُضعف رئاسته يوماً بعد يوم، وتثير غضبه أكثر فأكثر.

عادة يحاول معظم السياسيين، أو من يريد منهم الحفاظ على سلامة عقله، تجاهل أكبر كمية ممكنة من الضوضاء المصاحبة لدورة الأخبار اليومية.

وكان الرئيس أوباما يخبر الجميع أنَّه لا يشاهد قنوات الكابل، ما عدا قناة "ESPN". والأكثر من ذلك، كان رونالد ونانسي ريغان، الرئيس الأميركي والسيدة الأولى السابقين، يشاهدان أخبار المساء فقط، ثم يشاهدان فيلماً قديماً.

بينما اتخذت مارغريت ثاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، سياسةً أكثر صرامة: إذ كانت ترفض مشاهدة الأخبار أو قراءة الصحف، فقد كانت تزدريها جميعاً. ولإبقائها مطَّلعة على الأحداث، كان برنارد إنغام، السكرتير الإعلامي الخاص بها، يُحضِّر موجزاً يومياً من قصاصات الأخبار، وكان عليه الجلوس بجانبها حتى يتأكد من قراءتها لبعضها.

وعندما يتّخذ معظم القادة، ومنهم ثاتشر وأوباما، القرارات بشأن سياسة البلاد، فهم يحصلون على أغلب المعلومات التي يعتمدون عليها من جلسات الاستماع الشخصية أو التقارير الموجزة.

لكنَّ ترامب ألقى مسبقاً تصريحاً مشهوراً أفاد فيه أنَّه لا يحتاج لموجز استخبارات يومي. ويبدو أنه يعارض قراءة التقارير الإخبارية الموجزة أيضاً، أو حتى قراءة القرارات التنفيذية التي يوقّعها. وفي أحدث تقرير كتبه ماغي وثراش، لمَّح الثنائي بقوةٍ لعدم إدراك ترامب أنّه قد عيّن بانون في منصب دائم بمجلس الأمن القومي، وهو قرارٌ انتقده عدة مسؤولين سابقين بمجلس الأمن القومي مراراً، إذ يقولون إنَّ تواجد بانون بالمجلس يخاطر بأن تتخذ النصائح التي يقدّمها المجلس للرئيس طابعاً سياسياً متحيزاً.

قنوات الكابل تشكل وعيه

بالتأكيد، يقرأ ترامب صحيفة "نيويورك تايمز" من وقتٍ لآخر، ويحدّد بعض تقاريرها بقلمٍ أسود، ثم يعطيها لمعاونيه ليردّوا على محتواها. لكن ما يشكّل نظرة الرئيس فعلاً هو ما يراه في قنوات الكابل الإخبارية. وهذا لا يمكن أن يكون جيداً، سوى لغرور مقدّمي أخبار قنوات الكابل.

وبالطبع ليس ذلك جيداً بالنسبة لترامب نفسه، الذي يصبح أغرب يوماً بعد يوم. فلم تكن ثورته عبر تويتر في نهاية الأسبوع الماضي ضد القاضي الفيدرالي الذي وضع قرار حظر سفر المسلمين تحت الإيقاف المؤقت شيئاً قد يصدر عن شخصٍ يهتم بمصلحته.

وإذا حرَّكت تغريدات ترامب أحداً، فهي ستحرّك على الأرجح أعضاء الدائرة التاسعة من محكمة الاستئناف الأميركية، حيث تبحث إدارة ترامب عن التأييد، للوقوف في صف القاضي جيمس روبارت، الذي عيّنه الرئيس السابق جورج بوش الابن، والذي لقّبه ترامب في تغريداته بـ"القاضي المزعوم".

تذكّرنا مشاهدة ثورة ترامب الأخيرة بشيءٍ قاله صديقه القديم والمذيع هاورد ستيرن الأسبوع الماضي على خلفية تراكم الانتقادات الموجهة للرئيس الجديد. قال ستيرن، وهو يستعيد ذكرى معارضته ترشّح ترامب للرئاسة: "سيكون هذا مؤذياً لصحته العقلية.. لأنه يريد أن يُعجَب الناس به، ويريد أن يكون محبوباً، ويريد أن يهلّل الناس له. لا أظن أن تلك ستكون تجربة صحية بالنسبة له".

وإذا كان ستيرن محقاً، وهو ما يتفق معه بعض مساعدي ترامب وعبروا عنه سابقاً، فإنَّ الرئيس يحتاج إذن للرجوع عن بعض سياساته المثيرة للخلاف، أو على الأقل تعديلها، وخاصةً قرار حظر السفر الأخير، والذي يعارضه أغلبية الأميركيين، ويرونه محاولةً لمنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، بحسب استطلاعٍ أجرته شبكة "سي إن إن" الإخبارية.

ويجب عليه أيضاً الابتعاد قليلاً عن قنوات الكابل الإخبارية، وقراءة التقارير الرسمية في المقابل، والاستعانة ببعض الخبراء لمساعدته في القضايا والسياسات المطروحة. لكنّنا بالطبع نستبعد حدوث أي من تلك التغييرات.

وحتى عندما يذهب ترامب إلى شواطئ بالم بيتش بولاية فلوريدا، حيث كان في نهاية الأسبوع الماضي، لأخذ استراحةٍ كما قيل، سيقضي وقته أيضاً في مشاهدة التلفاز، والتذمّر بشأن ما يراه فيه.

وفي صباح يوم الاثنين أيضاً، بدا أن تغطية ردود أفعال المستائين من قرار الحظر أثارت غضبه أيضاً، وغرّد ترامب قائلاً: "جميع الاستطلاعات السلبية أخبارٌ كاذبة، كما كانت استطلاعات شبكات "سي إن إن"، و"أيه بي سي"، و"إن بي سي" أثناء الانتخابات. آسف، الشعب يريد أمناً حدودياً وتدقيقاً مشدداً عند دخول البلاد".

وفي وقتٍ متأخر من صباح يوم الإثنين، وقع مقال ماغي وثراش تحت يديّ ترامب، وبينما لم يتضّح ما إن كان قد قرأ المقال أو شاهد أحداً يتحدّث عنه على التلفاز، احتج ترامب على المقال قائلاً: "صحيفة نيويورك تايمز الفاشلة تكتبّ خيالاتٍ لا صحة لها عني. بعد أن أخطأوا بكل شيء لمدة عامين، هم الآن يختلقون قصصاً ومصادر من العدم!".

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة The New Yorker الأميركية، للاطّلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.