كل الطغاة حاربوا الأقليات وهذه كانت النتيجة.. في اليونان واليابان وإسبانيا لكل إمبراطورية ترامب

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

عبر التاريخ ، لكلّ إمبراطورية "ترامب" الخاص بها الذي اكتسب شهرته من الاستقواء على الأقليات أو طردهم ، وبقدر ما كان هذا الاضطهاد لأسباب اقتصادية وسياسية معقدة ومختلفة عن المعلن في الأغلب، بقدر ما كانت الآثار المترتبة في غير صالح هذه الإمبراطوريات في الأغلب أيضاً.

تقرير لموقع الديلي بيست الأميركي استعرض أشهر قصص الاضطهاد عبر التاريخ محاولاً تقصي الأسباب الحقيقية له والآثار السلبية التي وقعت على القائمين بالاضطهاد أنفسهم.


الإمبراطور الروماني فيسباسيان يُهَجر الرواقيين


عندما نفكر في الدين، غالباً ما تأتي الأخلاق في أذهاننا، وكيف يختار الإنسان أن يعيش حياته. ففي العالم اليوناني الروماني تقع مهمة مناقشة معنى أن يحيا الإنسان حياةً طيبةً على عاتق الفلاسفة، وليس الكهنة.

رأى الفلاسفة الرواقيون القدماء أنفسهم مسؤولين عن ممارسة "الأحاديث الجريئة"، فيما يشبه إلى حد كبير الصحافة المعاصرة حالياً، وهو ما تسبب في توبيخ قادتهم وجهرهم بالحقيقة في مواجهة السلطة. أدى هذا الموقف إلى جعل الفلاسفة غير مرغوب بهم في أوساط المسؤولين الحكوميين.

طرد الإمبراطور فيسباسيان في القرن الأول الميلادي جميع الفلاسفة الرواقيين تقريباً من روما. يقول المؤرخ كاسيوس ديو، عندما قرر ديمتريوس -أحد الفلاسفة- المقاومة، قال له فيسباسيان: "إنك تفعل كل ما بوسعك لكي تضطرني إلى قتلك، لكنني لا أذبح كلب ينبح".

بينما أُعدم هلفيديوس بريسكس، الفيلسوف المناهض للإمبريالية، الذي نادى بعودة روما إلى الجمهورية. كانت هذه الأحداث مجرد لمحة من العلاقة المتوترة بين الفلاسفة الرومان والأباطرة الرومان، التي استمرت لفترة تجاوزت النصف الثاني من القرن الأول.


اضطهاد دِقْلِدْيانوس للمسيحيين


عاش المسيحيون في أمان نسبي خلال الجزء الأكبر من القرون الثلاثة الأولى من التقويم الميلادي. إذ كان المسيحيون ليُعدمون بسبب التحريض أو الخيانة أو أي من الجرائم العديدة الأخرى التي عقوبتها الإعدام. لكنهم، باستثناء بضعة أشهر، لم يكونوا هدفاً للتشريعات الرسمية في ظل حكم الإمبراطور فاليريان.

فوفقاً لما كتبت في كتابي "أسطورة الاضطهاد"، كانت التغييرات التي أجراها الإمبراطور دِقْلِدْيانوس بين عامي 303 و305، سعياً لتوحيد الإمبراطورية من خلال سلسلة من المراسيم التي أُعدت لاستنباط مظاهر الوطنية والإخلاص.

جاء في منشور المرسوم الأول أن عقد الاجتماعات المسيحية غير قانوني، وأَمَرَ بهدم دور العبادة المسيحية، بالإضافة إلى مصادرة الكتب المقدسة المسيحية. كما حُرم المسيحيون من اللجوء إلى المحاكم، أو الرد على الإجراءات القانونية التي اتُخذت بحقهم، ما يجعلهم -بوجه خاص- ضعفاءً أمام الإجراءات القضائية.

أدى هذا إلى فقدان المسيحيين لوضعهم الاجتماعي المرموق، وتعرُّض العتقاء منهم للاستعباد. من المتوقع الآن أن يضحي الجميع، بمن فيهم المسيحيين، قبل البدء في أي عمل قانوني أو رسمي.

نُشر المرسوم الثاني في صيف عام 303، الذي أمر باعتقال رجال الدين المسيحي. أما المنشور الثالث، الذي جاء في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 303، فقد أمر بالعفو عن رجال الدين المسجونين، شريطة مشاركتهم في اختبار الولاء للإمبراطور.

فيما طالب المرسوم الرابع والأخير، الذي صدر في ربيع عام 304، الجميع -رجالاً ونساءً وأطفالاً- بالتجمع في مكان عام لتقديم القرابين، وإذا رفضوا، يُنفذ فيهم حكم الإعدام. تسببت تلك المراسيم بلا شك في سقوط شهداء، إلا أنها قادت الكثير من المسيحيين إلى الاختباء والهجرة.


إنكلترا تنفي اليهود


الحكومات التي اضطهدت اليهود ليست قليلة. فقد وجَّهت السلطات الدينية والسياسية على حدٍّ سواء انتباهها السلبي على اليهود، ضمن وسائل إثارة الدعم الشعبي واتخاذ كبش فداءٍ، وتشتيت الانتباه عن أنفسها.

أصدر الملك إدوارد الأول في عام 1290 قرار طرد ونفى حوالي ألفي يهودي من إنكلترا. كانت أفعاله مدفوعة جزئياً بأزمةٍ مالية داخل البيت الملكي. عندما طرد إدوارد الأول اليهود من جاسكوني وإنكلترا، استولى على ممتلكاتهم وديونهم. ثم حمّل تكلفة الترحيل دافعي الضرائب الإنجليز، المتحمِّسين للفولكلور والأساطير المعادية للسامية، والذين كانوا سعداء بدفع ضريبة نفي اليهود الإنجليز كبش الفداء.

يقول كلٌ من كارين باركي (الرئيسة الموقَّرة الحالية للتنوُّع الديني في معهد Haas في جامعة كاليفورنيا في بيركلي) وأيرا كاتزنيلسون (أستاذ العلوم السياسية والتاريخ في جامعة كولومبيا) في مقالهما States, Regimes, and Decisions، إنَّ الطرد لم يكُن متعلِّقاً بالمال فقط، بل كان يتعلَّق ببناء الدولة.

يقولان إنَّ الدافع وراء طرد اليهود من إنكلترا وفرنسا كان "نتيجة محاولات من الملك لاستعادة الأمان الملكي، وإعادة تنظيم العلاقات بين الدولة والمجتمع، وبناء أنظمة ضرائب أكثر استمراراً داخل المناطق التي كانوا يعتبرونها تابعة لهم".

يعني كل هذا أنَّه مع بداية تبلور الهويات الاجتماعية الأوروبية وتراجع أهمية اليهود المالية، صار من الممكن تصنيفهم بأنَّهم دخلاء بصورةٍ أوضح. جعلهم هذا ضعفاء اجتماعياً وسياسياً وأدَّى في النهاية إلى إجلائهم.


طرد الملك فيليب للموريسكيين للأندلسيين


في عام 1609، أمر الملك فيليب الثالث ملك إسبانيا بطرد مجموعة منبوذة عرفت باسم "الموريسكيين"، أو "أقلية الموروس". كان الموريسكيون من نسل سكان إسبانيا المسلمين القدماء، الذين وصلوا إلى شبه الجزيرة الأيبيرية مع الفتح الأموي عام 711. عاش قرابة المليون موريسكي في إسبانيا قبل ما يزيد على 900 عام، وأُجبروا على التحول إلى المسيحية على يد المطران الإسباني سيسنيروس في القرن الخامس عشر.

على الرغم من تحولهم إلى المسيحية، استمر التعصب الشعبي ضد كل من يشتبه بانتمائه للموريسكيين الأندلسيين، ومشاركته في الشعائر الإسلامية السرية. أدى ذلك إلى نفي ما يصل إلى 300 ألف شخص من إسبانيا بين عامي 1609 و1616. وقد استقر معظمهم في المغرب وعلى حدود الإمبراطورية العثمانية.

بغض النظر عن الجانب الأخلاقي، تسبب طرد الموريسكيين في نتائج عكسية شديدة التأثير على الإسبان. كما تسبب في انهيار شامل لاقتصاد مملكة فالنسيا. والأهم من هذا، أظهر الآثار المترتبة على الاضطهاد الديني والعرقي على القائمين بالاضطهاد وليس الخاضعين له فقط .


اليابان تحظر "الأجانب"


في القرن السابع عشر، وبعد عقودٍ من التجارة مع أوروبا، قرَّر توكوغاوا إيميتسو، شوغون اليابان، طرد الأجانب من البلاد. حظر قرار ساكوكو عام 1635 الأجانب الموجودين في اليابان بالفعل، وكذلك "هدَّد أي أجانب يحاولون دخول البلاد بصورةٍ غير قانونية، أو أي شخص يمارس شعائر المسيحية، بعقوبة الإعدام".

لم يكُن الغرض من المنع هو الحدِّ من الزحف "الأجنبي" على اليابان فحسب، وإنَّما أيضاً حماية اليابان من التبشير على يد المبشِّرين الكاثوليكيين تحديداً. وكما حدث مع دقلديانوس، كان على الناس النجاح في اختبار ولاءٍ ديني (fumi-e أو الوقوف على الصور الدينية) كي يثبتوا عدم دخولهم في المسيحية: كان عليهم الوقوف على صورةٍ ليسوع. وكان أولئك الذين يرفضون الارتداد عن المسيحية يتعرَّضون غالباً للتعذيب والقتل.

دام حظر الأجانب مائتي عام قبل أن يبحر العميد البحري ماثيو بيري بأسطول مكوَّن من أربع سفنٍ إلى خليج إيدو (خليج طوكيو) في يوليو/تموز 1853. قدَّم بيري للمسؤولين اليابانيين علمين أبيضين واتفق معهم على أن يرفعوا العلمين عندما يريدون منه التوقَّف عن إطلاق مدافعه على مبانيهم. يمثِّل هذا الحادث بداية نهاية السياسة الانعزالية.

عندما ننظر إلى الألفي عام الماضية، نجد من الجدير بالملاحظة أنَّ العديد من هذه الإجراءات التمييزية العنيفة كانت تتعلَّق بالربح والوطنية.

وكما قالت د. هايدي فينت من جامعة رايت العامة لصحيفة The Daily Beast "قد تشير الأدلة إلى أنَّ هذه الحوادث في العادة لم تكُن مسائل تتعلَّق مباشرةً بعدم التسامح الفكري أو الديني".

وأضافت أنَّ "الأكثر يقيناً هو أنَّ ذلك (الحظر الديني) كان له غالباً أثر مختلف هو جذب الانتباه إلى الممارسات أو الرموز المستهدفة (من قِبل هذا التشريع) وشرعنتها، ولا تكون النتيجة سوى زيادة تأثير هذه الممارسات والرموز.

وتسيطر أوهام الأخطار الخارجية والتحريض الداخلي على كل هذه الحكومات المشار إليها، لكن الإيمان بأن الوحدة الوطنية لن تصبح واقعاً إلا بالقضاء على كل الأديان المخالفة وأن المصالح القومية لن تتحقق إلا باستبعاد الأجانب هو طبع دائم الحضور.
حتى اليوم فإن عدداً من الدول تفرض تشريعات تستهدف بشكل انتقائي الأفراد المنتمين لمجموعات دينية معينة: منذ 2016 على سبيل المثال قام بوتين في روسيا بتجريم التبشير خارج الكنائس.

في ظل التغييرات التي أجرتها إدارة ترامب على قوانين الهجرة، يتساءل عديد من الناس ما إذا كان هذا بداية للرقابة الدينية في الولايات المتحدة الأميركية. فمن المؤكد أن تلك ليست المرة الأولى التي تفرض الحكومة حظراً على أعضاء جماعات دينية يُرى أنها تشكل خطراً أو ترتكب أعمالاً تخريبية. لكن الحظر الديني لن يحقق نجاحاً لأي من الأطراف على الإطلاق، سواء المستهدفين، أو هذه الحكومات التي تنفي الآخرين.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Daily Beast الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.