ترامب ليس فاشياً بل بطل لملايين الأميركيين المنسيين.. ولهذه الأسباب يؤيدونه

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

وجهة نظر مختلفة يقدمها جون دانيال ديفيدسون، مراسل مجلة "فيديراليست" الأميركية، حول ترامب، فهو ليس مجنوناً أو فاشياً بل هو يمثل ملايين الأميركيين الذين فقدوا وظائفهم خلال العقود الماضية وفقدوا معها ثقتهم بالنظام الأميركي برمته.

انتخاب ترامب ليس ثورة على عهد أوباما، لكنه ثورة على النظام الأميركي والحروب والأزمات التي وقعت منذ عهد جورج بوش الابن، وأميركا ليست منقسمة بين الديمقراطيين والجمهوريين بل بين النخبة وكل شخص آخر.

في مقال لافت نشرته صحيفة الغارديان البريطانية يعتبر ديفيدسون أن خطاب ترامب قريب من الخطاب المفضل للاشتراكيين في بعض النواحي، وأنه أطلق نفس العبارات الشعبوية، التي كان يقولها النائب بيرني ساندرز الذي مرشحاً في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، بل إنه نفذ بعض مطالب ساندرز الذي ينظر له أنه على يسار السياسة الأميركية.

جون دانيال ديفيدسون هو مراسل لمجلة "فيديراليست" الأميركية، ونُشِرَت بعض كتاباته بصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية وصحف ومجلات أخرى عديدة.


نصل المقال:


وسط المظاهرات المتواصلة ضد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ودعوات "المقاومة" التي انطلقت بين الساسة الديمقراطيين والنشطاء، والخطابات المشتعلة التي تصور ترامب وداعميه على أنَّهم فاشيون ويعانون من رهاب الأجانب، قد نلتمس العذر لشخصٍ غريبٍ عن البلاد إذا اعتقد أن الولايات المتحدة قد أُستولى عليها من قبل حفنةٍ صغيرةٍ من القوميين اليمينيين.

تعاني الولايات المتحدة من انقسامٍ عميقٍ، لكنه ليس انقساماً بين الفاشيين والديمقراطيين. ولنكون أكثر دقةً يمكننا القول إن الولايات المتحدة مقسمةٌ بين النخبة وكل شخصٍ آخر. وكان انتخاب ترامب تعبيراً عن رفض هذه النخبة.

ولا يعني هذا أن العديد من الديمقراطيين والتقدميين لا يعارضون ترامب بشدة. لكنَّ هناك قاسمٌ مشترك بين حشود المتظاهرين والنخب السياسية والإعلامية: ألا وهو أنهم ما زالوا غير مستوعبين للكيفية التي اُنتخب ترامب بها، أو لماذا لا يزال ملايين الأميركيين يدعمونه.
وحتى الآن، تُظهِر استطلاعات الرأي أن عدد الأمريكيين الذين يدعمون قرار ترامب التنفيذي الخاص بالهجرة أكثر من عدد الرافضين له، لكنك لن تعرف هذا من خلال التغطية الإعلامية.

إنَّ الدعم الذي يحظى به قرار ترامب بحظر السفر، أو في الواقع كامل برنامجه الخاص بتعديل قوانين الهجرة، يمثل نوعية القضايا التي تجد وسائل الإعلام الرئيسية، والتي تتركز في المدن الحضرية على طول سواحلنا، صعوبةً في فهمها.
ففي الحقيقة، لطالما شعر العديد من الأميركيين الذين صوتوا لترامب، وخاصةً هؤلاء الذين يعيشون في الضواحي والمناطق الريفية بوسط وجنوب البلاد، بالانفصال عن المؤسسات التي تحكمهم. وبالنسبة لملف التجارة والهجرة، فإنَّ السبب الذي دفع بترامب إلى البيت الأبيض كان أن هؤلاء الناس يريدون للوضع الراهن أن يتغير.

وخلال أول أسبوعين من حكمه، كلما فعل ترامب شيئاً يثير رعب النخب السياسية والإعلامية، تجد مناصريه مبتهجين. لقد أعجبهم ما قاله للرئيس المكسيكي إنريكي بينيا نييتو إنَّه سيرسل قواتٍ عبر الحدود لإيقاف "الرجال السيئين هناك".
وأعجبهم تهديده بالانسحاب من اتفاقٍ كان أوباما قد أبرمه لاستقبال آلاف اللاجئين من أستراليا التي ترفض دخولهم البلاد. كما يريدون منه إلغاء قانون "دود-فرانك" المالي، والذي صدر في عهد أوباما لمراقبة وتنظيم عمل المؤسسات المالية والبنوك في وول ستريت بعد الأزمة المالية الأخيرة، وإعادة النظر في اتفاقات التجارة الأميركية. لقد انتخبوه من أجل هذه الأسباب.

هذا الفشل في فهم الأسباب التي جعلت هذه الإجراءات مقبولة لدى ملايين الأميركيين ينبع من الإحساس بالانفصال العميق داخل المجتمع الأميركي، والذي لم تمكن بدايته مع ترامب أو انتخابات الرئاسة في 2016.
فعلى مدار سنواتٍ عديدة، شعر ملايين الناخبين أنهم لم يلحقوا بركب التعافي الاقتصادي الذي استُبعِدوا منه، وشعروا بالانفصال عن ثقافةٍ سخرت من معتقداتهم، وعن حكومةٍ وعدتهم بالتغيّر لكنها فشلت في الوفاء بوعدها.

ليس هناك مكانٌ يتجلى فيه هذا الشعور بالانفصال عن المؤسسات الحاكمة أكثر من الغرب الأوسط الأميركي، وخاصةً في أماكن مثل مدينة أكرون الصغيرة الواقعة في شمال شرق ولاية أوهايو على طول نهر كوياهوغا الصغير. يفتخر وسط المدينة بشوارعهِ النظيفة والمُبهجة، ومتنزهٍ لدوري البيسبول من الدرجة الثانية، ومقاهٍ صاخبة، وجامعةٍ مُفعمةٍ بالنشاط. ويتسم شعبها بالود والانفتاح مثلما يكون عادةً سكان الغرب الأوسط. وبصورٍ عديدةٍ، أركون هي نموذجٌ لمدينةٍ أميركيةٍ شاعرية.

لا يعيب تلك المدينة سوى الهيروين. فمثل العديد من الضواحي والمجتمعات الريفية في البلاد، وقعت مدينة أركون فريسةً في قبضة وباء الهيروين المميت. ففي الصيف الماضي، ظهرت فجأة بالمدينة دفعةٌ من الهيروين المخلوط بأدويةٍ مركبة مسكنة للآلام تدعى "كارفينتانيل"، والتي تستخدم كأدويةٍ مُهدئة للأفيال. وخلال يوم واحد فقط، تعاطى 21 شخصا جرعاتٍ زائدة من المخدر. وخلال الأسابيع اللاحقة، تعاطى 300 شخص آخرين جرعاتٍ زائدة، وتوفي العشرات.

ينتشر وباء الهيروين كرد فعلٍ مضاد للتدهور الصناعي بالمدينة. ففي وقتٍ ما، كانت أركون مركزاً صناعياً وموطناً لأربع شركات ضخمة لتصنيع الإطارات، وتمتعت بتنامي نفوذ الطبقة الوسطى. واليوم، تلاشت معظم هذه الانجازات. إذ انتقلت مصانع الإطارات إلى خارج البلاد منذ وقتٍ طويلٍ، وينكمش التعداد السكاني للمدينة منذ ستينات القرن الماضي. وهذا ما كان يتحدث عنه ترامب عندما تكلم عن "المذبحة الأميركية" في خطابه الافتتاحي.

ولا تعد حالة مدينة أركون استثناءً. فالمدن الواقعة على طول "حزام الصدأ"، (وهو اسم يُطلَق رفع للشرق من ولاية نيويورك تعاني من التراجع الاقتصادي وتقدس السكان بعد أن كانت مركز للصناعة والتعدين) وكذلك منطقتي جبال الأبلاش وأقصى الجنوب الأميركي ، تعيش حالةً من الانحدار التدريجي. ولوقتٍ طويلٍ، كانت العديد من هذه المناطق تشكل معاقل للديمقراطيين المدعومين من قبل النقابات العمالية عندما كانت قويةً.

وفي يوم الانتخابات، أعطى ملايين الناخبين الديمقراطيين، الذين صوّتوا لباراك أوباما في 2008 و2012، أصواتهم لترامب.
ففي الانتخابات السابقة، كان هؤلاء الناخبين، ذوي الياقات الزرقاء، يصوّتون من أجل التغيير، على أمل أن يعطي أوباما الأولوية لاحتياجات العمال الأميركيين على حساب النخب والمصالح الخاصة المُتركزة في العاصمة واشنطن وفي وول ستريت.

وبالنسبة للعديد من الأميركيين، جسدت هيلاري كلينتون مباديء الفساد والعمل من أجل تحقيق المصالح الشخصية، التي تتسم بها النخبة. لكن لم يكن انتخاب ترامب تعبيراً عن رفض هيلاري فحسب، بل كان رفضاً للسياسات المعتادة. وإذا كانت المؤسسة السياسية والإعلامية ترى أول أسبوعين من حكم ترامب كعاصفةٍ من الفوضى وعدم الكفاءة، فإن مناصريه يرونه شخصاً من خارج النظام تولى مسؤولية نظامٍ متصلب، يحتاج إلى التفكيك.
وكان هذا تحديداً ما اعتقد الأميركيون أنهم يفعلونه منذ ثماني سنوات مضت عندما دفعوا بنائبٍ جديدٍ من ولاية إلينوي إلى البيت الأبيض. إذ وعد أوباما بأسلوب حكمٍ جديد، ووعد بأنَّه سيصبح رئيساً "متجاوزاً للاختلافات الحزبية"، وأنَّه "سيغيّر البلاد بشكلٍ جوهري"، وأنَّه سيولي اهتماماً للطبقة الوسطى. وخلال مخاض الركود الكبير، كانت هذه الأحاديث تتردد. كان واضحاً أن هناك خللٌ في نظامنا السياسي، وأراد الشعب الأميركي شخصاً لإصلاحه.

وعلى كل حالٍ، لم تظهر حركة "حزب الشاي" كرد فعلٍ معادٍ لرئاسة أوباما، ولكن رئاسة جورج بوش الابن. وفي رأي غالبية الأميركيين، حدثت الأزمة المالية بسبب تجاوزات المصرفيين في وول ستريت، وعدم كفاءة قادتنا السياسيين.
وقبل تكتل حزب الشاي وتحوُّله إلى حركةٍ سياسية، لم يكن المُتظاهرون المنتمون للحركة مجرد محافظين تقليديين يولون اهتماماً لقضايا مثل الحكومات ذات الصلاحيات المحدودة والدستور. لقد كانوا، في غالبيتهم، أميركيين عاديين، يشعرون بأن النظام صُمِمَ بشكل معادٍ لهم، وأرادوا تغييره.

لكن لم يحدث التغيير، وما حصلوا عليه كان المزيد من نفس السياسات. إذ قدم أوباما سلسلةً من البرامج الحكومية الضخمة، بدءاً ببرامج التحفيز المالي البالغ قيمتها 83 مليار دولار، ومروراً بقانون الرعاية الصحية الأميركي، ووصولاً إلى قانون "دود- فرانك" المالي.
ولم تنجح أي من هذه البرامج في تهدئة المخاوف الاقتصادية للطبقة المتوسطة. وشاهد الأميركيون الحكومة الفيدرالية وهي تتدخل لإنقاذ البنوك، ثم صناعة السيارات، ثم تمريرها لقانون الرعاية الصحية الذي حوًل المليارات من أموال دافعي الضرائب إلى شركات التأمين الصحي الكبيرة.
وفي الوقت ذاته، ارتفعت أقساط التأمين الصحي، وظل التعافي الاقتصادي واهناً وبطيئاً، وخسرت القوة العاملة ملايين الدولارات من دخلها، لتتحول إلى الاعتماد على قسائم شراء الطعام وبرامج الرعاية الاجتماعية لتُعينهم على العيش على حد الكفاف. وهنا سأل الأميركيون أنفسهم: "أين خطة إنقاذنا؟"

وفي الوقت ذاته، كانوا يشاهدون العالم يصبح أكثر اضطراباً. وجزءٌ من شعبية أوباما كان سببها الوعود التي أطلقها بإنهاء الحروب غير المدعومة من قبل الشعب الأميركي في العراق وأفغانستان، واستعادة مكانة الولايات المتحدة في المجتمع الدولي، والسعي لإبرام اتفاقات متعددة الأطراف، سيكون من شأنها تحقيق الاستقرار العالمي.
وعلى النقيض من هذه الوعود، شاهد الأميركيون تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وهو يخطو لملء الفراغ الذي تسبب فيه انسحاب القوات الأميركية من العراق في 2011. وشاهدوا الحرب الأهلية السورية وهي تشعل أزمة هجرة في أوروبا، والتي يراها العديد من الأميركيين حالياً بمثابة سيناريو يحذر بما قد يحدث في بلادهم.
وفي الداخل، باتت الآثار المدمرة للهجمات الإرهابية المُستلهمة من أفكار تنظيم داعش جليةً مثلما حدث في أوروبا. وخلال كل هذا، أصرت إدارة البيت الأبيض تحت رئاسة أوباما أن كل شيءٍ يسير على مايرام.

ووسط كل هذا، جاء ترامب. وكان شخصيةً قوية، وملياردير مشهور وصاخب، ويمتلك حُجةً قويةً يريد إقناع الآخرين بها. ويكنّ الرجل ازدراءً واضحاً لكلا الحزبين السياسيين، والذين قال عنهما إنَّهما خذلا الشعب الأميركي.
وأظهر احتقاره لسياساتِ التصحيح السياسي، والتي كانت تخنق النقاش العام بشأن العديد من القضايا الجدلية مثل الإرهاب. وخلال حملته الانتخابية وفي خطابه الافتتاحي الأخير في حفل تنصيبه، أطلق ترامب نفس العبارات الشعبوية، التي كان يقولها النائب بيرني ساندرز بين حشد مناصريه من الشباب الاشتراكيين، وأحياناً بنفس الكلمات.

من عدة نواحي، برنامج ترامب ليس حزبياً بالشكل المتعارف عليه، وخاصةً فيما يتعلق بملف التجارة. وبمجرد توليه الحكم، أوفى ترامب بالوعد الذي قطعه ساندرز أيضاً، وهو انسحاب الولايات من اتفاق الشراكة العابرة للمحيط الهادئ، وإعلان انتهاء الاتفاقات التجارية متعددة الأطراف.
كما هدد أيضاً الشركات الأميركية بفرض ضريبةٍ على أنشطتهم في الخارج إذا قاموا بنقل أنشطتهم وفرص العمل إلى خارج البلاد. ولا تُعَبِّر هذه الوعود عن المواقف والآراء الحزبية التقليدية للحزب الجمهوري، لكنَّها تلقى رواجاً لدى العمال الأمريكيين الذين شاهدوا الشركات وهي تسحب نشاطها وتنقل الوظائف خارج البلاد.

وكان ترامب مزعجاً بالنسبة لمعظم كبار نواب وأعضاء الحزب الجمهوري. ويختلف معظمهم معه جذرياً بخصوص مواقفه من التجارة والهجرة. وحتى الآن، يعارض النواب الجمهوريون اقتراح ترامب ببناءٍ سور حدودي، ويَعِدُون بمنع أي نفقاتٍ جديدة له. كما أنهم لا يشعرون بالارتياح تجاه شخصية ترامب. وبالنسبة لبعض الجمهوريين، كان وعد ترامب بتعيين قاضٍ محافظ في المحكمة العليا بدلاً من القاضي أنتونين سكاليا فقط هو ما أقنعهم بإعطاء أصواتهم له. وأوفى ترامب بهذا الوعد خلال الأسبوع الماضي، عندما عيّن القاضي نيل غورساتش لتولي هذا المنصب، وهو قاضٍ يسير على نهج سكاليا إلى حدٍ كبيرٍ.

وبمجرد ترشيح ترامب في المؤتمر الوطني الجمهوري، سارع الناخبون الجمهوريون لتأييده، وكان منطقهم مبني على أنَّه مهما كان حجم الشك الذي يتملكهم بشأن ترامب، فإن انتخاب هيلاري بدلاً منه كان خياراً أسوأ.

ولأسبابٍ عديدة، لم تكن انتخابات 2016 مجرد استفتاءٍ على سياسات أوباما طوال السنوات الثماني التي قضاها في البيت الأبيض، بل كانت رفضاً لكامل النظام السياسي، الذي منحنا حرب العراق، والأزمة المالية، وقانون الرعاية الصحية الفاشل، وعدم المساواة الصادمة في مستوى الدخول خلال التعافي الاقتصادي البطيء. ومن مدينة أركون إلى ولاية ألاسكا، فقد ملايين الأمريكيين الثقة ببساطة في قادتهم والمؤسسات التي يفترض أنها ترعى مصالحهم. وفي يأسهم هذا، وجهوا أنظارهم إلى رجلٍ لا يعبأ بالنخبة وينوي تجاهلها.

وخلال خطاب حفل تنصيبه بالحكم، قال ترامب: "اليوم، لا ننقل السلطة من إدارةٍ إلى أخرى، أو من حزبٍ إلى آخر، بل ننقلها من العاصمة واشنطن لنعيدها إليكم، أيها الشعب".
وبالتأكيد، يمكن لهذا النوع من التوجه الشعبوي أن يشكل خطراً غير متوقع، لكنه لا ينبع من فراغ. يمكن فقط لنظامٍ سياسي فاسد إشعال ثورةٍ سياسية بهذا الحجم. وبدلاً من إلقاء اللوم على صعود شعبية ترامب بسبب حديثه العنصري والمُعبر عن الرهاب من الأجانب، عليكم بلوم هؤلاء الذين لم يتوقعوا حدوث هذا، وما زالوا لا يفهمون لماذا قد يفضل الأميركيون وجود ترامب في البيت الأبيض بدلاً من أن يعانوا من حكم نخبتهم.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.