"تعبتني يا فضيلة الإمام".. تبعها هجومٌ إعلامي ضدَّ شيخ الأزهر.. إليك سرّ الحملة العنيفة

تم النشر: تم التحديث:
AHMED ELTAYEB
Anadolu Agency via Getty Images

8 ساعات فقط بعد عبارة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قالها لشيخ الأزهر في احتفال يوم الشرطة، وانطلقت حملة هجوم جديدة ضد الشيخ أحمد الطيب. "تعبتني يا فضيلة الإمام" هو الانتقاد الثالث من نوعه للشيخ خلال بضعة أشهر، ما يعكس اختلافاً في وجهات النظر بين الرئيس والإمام الأكبر حول مسائل فقهية وصفها البعض بأنها تتعلق بما يسمى تجديد الخطاب الديني.

وقالت مصادر مطلعة بمشيخة الأزهر لهافنغتون بوست عربي، إن "الدكتور أحمد الطيب، لم يحضر إلى مكتبه في المشيخة منذ احتفال مصر بعيد الشرطة الثلاثاء قبل الماضي، عقب قول السيسي له: تعبتني يا فضيلة الإمام، في معرض حديثه عن الطلاق الشفوي".

الغياب في رأي مصادر مقربة من الإمام، "يعد اعتراضاً على الطريقة التي خاطبه بها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الاحتفال بعيد الشرطة".
إلا أن الشيخ محمد زكي الأمين العام للجنة العليا للدعوة بالأزهر نفى ذلك، وقال إن "الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب يقضي إجازة نصف العام مع أسرته في بلدته بالأقصر".
وأضاف زكي لـ "هافينغتون بوست عربي": أن "شيخ الأزهر اعتاد قضاء بعض الوقت مع أسرته فى الأقصر، في مثل هذا التوقيت من كل عام".

ووفقاً لقانون الأزهر الذي تم إقراره في يناير من العام 2012، ونص على انتخاب شيخ الأزهر وانتهاء خدمته ببلوغه سن الثمانين، يكتسب شيخ الأزهر حصانة في منصبه تجعله غير قابل للعزل، إضافة إلى أن تقاعده لن يكون قبل 9 سنوات حين يتعدى 80 عاماً، وفقاً للقانون.


تفاصيل الموجة الهجومية


"مايسترو" الهجوم على شيخ الأزهر، وعلماء المشيخة، في الموجة الأخيرة التي نفذها إعلاميون وكتاب محسوبون على السلطة، كان حسبما يرى البعض، هو الدكتور أسامة الأزهري مستشار السيسي للشؤون الدينية الذي نشر مقالاً بصحيفة الأهرام الحكومية وصف فيه عملية تجديد الخطاب الديني التي يتولاها الأزهر بأنها "عملية متعثرة تشبه المخاض العسير".

واعتبر أن تعامل المؤسسة الدينية (الأزهر) مع ذلك الملف الكبير "لم يكن بالشكل اللائق والمطلوب". ونشر رابط المقال على صفحته على فيسبوك، بعنوان: "أمر يدع اللبيب حائراً"، منتقداً ما وصفه بتراجع دور المشيخة، وعدم استجابتها لمطالب السيسي حول تغيير الخطاب الديني.

وتابع: "الوطن يستنجد بالأزهر، ويلح عليه، ويطالبه، ويلمح ويصرح، ويستنهض ويشير، ويتألم ويستغيث، فيبقى الأمر ثابتاً عند مستوى واحد من تسيير أموره وقوافله وجولاته وأجنحته في معرض الكتاب، دون القفز إلى مستوى الحساسية والجد والخطر الذي يحيط بالوطن".


خصومة "الوطن" والشيخ


وتولت صحيفة "الوطن" الخاصة الدور الأكبر في الهجوم على المشيخة لوجود معركة قضائية بينها وبين الأزهر، بسبب خلافها مع الشيخ الطيب الذي رفع دعوى قضائية ضد "محمود مسلم" رئيس التحرير، وأحمد الخطيب مسؤول الملف الديني بالجريدة ، بعد حملة للصحيفة في يوليو من العام 2016 م، نشرت 11 مقالاً بالصحيفة تحت عنوان "فساد الأزهر".

ووصف الأزهر في بيان له حينئذ (21 يوليو الماضي)، ما نشرته الوطن بأنه "محض افتراء وادعاءات كاذبة ومضللة تستهدف الإساءة للأزهر الشريف ورجاله"، ووصفها بأنها "مشبوهة".

كما سخرت الوطن في عدد لها مما أسمته "التضخيم الإعلامي الذي تلجأ إليه مشيخة الأزهر والمتحكمون فيها، في التعامل مع أنشطتهم"، وما أسمته "الوهم الكبير الذي تعيشه المشيخة، فضلاً عن فشلها الذريع".

كما هاجمت الإعلامية المقربة من السلطة "لميس الحديدي"، الدكتور أحمد الطيب متهمة إياه بالتقصير في مسألة تجديد الخطاب الديني، وقالت: "إن تفسير كلمة السيسي له (تعبتني يا فضيلة الإمام) والتي وجهها لشيخ الأزهر معناها أن الرئيس فاض به الكيل".

واعتبرت خلال برنامجها على قناة "CBC"، أن سبب غضب الرئيس من شيخ الأزهر، عدم استجابته لما طالبه به السيسي عقب توليه الرئاسة، قائلة "إلى الآن لم يتم شيء، فلم تطور المناهج الأزهرية حتى اليوم وكأننا أسرى التطرف".

وعنف الإعلامي خالد صلاح،، في برنامجه "على هوى مصر"، شيخ الأزهر الشريف، لعدم استجابته لمطالب الرئيس قائلاً له: "ياريت ماتتعبش الرئيس".

وكانت من أبرز عناصر تلك الحملة مقال محمد الباز رئيس تحرير صحيفة الدستور المستقلة، المعروف بعلاقاته الوطيدة بالنظام الحالي.

وتحت عنوان "لماذا لا يستقيل شيخ الأزهر"، طالب فيه الباز الدكتور الطيب بالاستقالة، متوعداً إياه صراحة بقوله "افعلها قبل أن تضيق عليك الأرض بما رحبت"، ودعاه ألا يدخل نفسه في "صراع سياسي أكبر منه، وساعتها ستزل قدمه، ولن يجد وقتها مَن يغيثه أو ينصره"،

السبب المعلن للحملة ضد شيخ الأزهر وعلماء المشيخة هو الفشل في تجديد الخطاب الديني، ووقوف الأزهر عقبة في طريقه بحسب الإعلاميين ، ولكن خلفية هذا الهجوم المنظم الحقيقية غير واضحة بدقة.

فقد سبق أن شُنت حملة مشابهة ضد شيخ الأزهر في ديسمبر الماضي بدعوى أنه رفض –في بيان- تكفير تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). واتهمه إعلاميون، منهم إبراهيم عيسى وعمرو أديب، بالمسؤولية عن انتشار التطرف.

فما هو السبب الحقيقي لهذه الموجة الهجومية الأخيرة؟ وهل المشكلة مع شيخ الأزهر أم مع المؤسسة؟


سر التزامن الإعلامي؟


"هافينغتون بوست عربي" استطلع آراء بعض الإعلاميين حول هذه الحملة على شيخ الأزهر والمؤسسة معاً، فجاءت إجاباتهم متباينة.

صحفي بجريدة "الوطن"، رفض نشر اسمه، قال إن الجريدة تُكن كل احترام وتقدير للدكتور أحمد الطيب، وإن الموضوعات التي يتم نشرها، هي مجرد انتقادات لطريقة إدارة المشيخة ليس إلا. ولكنه انتقد "تسيير الأمور داخل المشيخة من قبل شخص واحد فقط مما تسبب فى عدم إنجازها موضوع تجديد الخطاب الديني، الذي نادى به الرئيس منذ عامين".

لكن صحفياً آخر بالجريدة، أشار إلى الخلاف القضائي مع مشيخة الأزهر، معتبراً أن الأمر ربما لا يخلو من "رغبة في الانتقام"، لرفع المشيخة دعاوى قضائية ضد الصحيفة. وأشار إلى أن مشيخة الأزهر، بدلاً من أن ترد على المقالات التي تم نشرها، رفعت دعوى قضائية ضد رئيس التحرير وصحفي آخر بالجريدة، ما تسبب فى إحالتهما لمحكمة الجنايات.

ورفض رؤساء تحرير ومسئولون في فضائيات الرد على تساؤلات حول "تزامن" هجومهم على الأزهر وشيخه في توقيت واحد.


الهجوم للتقرب من الرئاسة


الدكتور سامي الشريف، رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون الأسبق، وعميد كلية الإعلام بالجامعة الحديثة، يرجع السبب في الحملة ضد الأزهر إلى أن "الإعلاميين اعتبروا الهجوم على شيخ الأزهر نوعاً من التقرب للرئيس، بعد مداعبته له فى احتفالات سابقة، خلال الفترة الماضية".

وأضاف الشريف لـ "هافينغتون بوست عربي": "الإعلاميون اعتبروا ممازحة رئيس الجمهورية لشيخ الأزهر، نوعاً من الخصومة بينهما على غير الحقيقة".

وانتقد الشريف ما وصفه بـ"عدم المهنية الإعلامية، التي تتمثل في نشر السب والشتم والحديث من وجهة نظر واحدة".

"الهجوم على شيخ الأزهر، جزء من مخطط خارجي يتبناه بعض الإعلاميين"، هذه وجهة نظر للدكتور عبد المنعم فؤاد أستاذ الثقافة الإسلامية، وعميد كلية العلوم الإسلامية للوافدين بالقاهرة، الذي انتقد "تطاول البعض على الإمام الأكبر، في الوقت الذي يُجله فيه ويحترمه العالم كله".

وأشار فؤاد، إلى أن "هجوم بعض الإعلاميين على الإمام في الآونة الأخيرة، واتخاذهم من عبارات الرئيس منطلقاً لذلك، لا علاقة له بحرية الإعلام لأنه ليس من الحرية السب والقذف وإطلاق الاتهامات دون وثيقة واحدة.”


"فارق سرعات" بين الرئاسة والأزهر


"فارق سرعة بين المؤسستين هو سبب الأزمة بين الرئاسة، ومن ورائها الإعلام، ومشيخة الازهر".. هكذا يرى الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام الدكتور حسن أبو طالب، الذي قال لـ "هافينغتون بوست عربي" لا توجد أزمة بالمعنى الحقيقي. فالرئاسة ترى أن تسريع تجديد الخطاب الديني ضرورة لمساندة جهود مواجهة الإرهاب والتطرف الفكري، ولكن تجديد الخطاب الديني لا يتم بقرارات وإنما من خلال حركة فكرية يشارك فيها الأزهر إلى جانب مؤسسات أخرى من المجتمع المدني ومؤسسات تربوية وتعليمية رسمية، ونتائجها تتحقق بإشاعة مناخ للتفكير النقدي وتغيير في طرق التدريس في الأزهر وغيره، وهذه حركة تاريخية وليست قرارات أو أوامر".

ويضرب أبو طالب مثالاً بمسألة الطلاق الشفهي قائلاً: "هو أمر شرعي ومحاولة ضبطه من خلال القاضي أو المأذون مسألة تحتاج دراسة شرعية بمنهج يوازي بين مقاصد الشرع ومتطلبات التوازن الاجتماعي، والتسرع يضر ولا يفيد وقد ينتج عن التسرع نتائج اجتماعية غير محسوبة".

ويتابع: إن "قلق الرئيس على تماسك الأسرة، حين طالب بضوابط للطلاق الشفهي، مشروع، ولكن الطلب العلني بالصورة التي تمت لكي يقوم الأزهر بوضع ضوابط لم يكن موفقاً، لأن القضية تحتاج إلى دراسة اجتماعية دينية. والأزهر يجب أن يأخذ وقته في الدراسة المطلوبة فهذه مسئولية كبيرة".

الأزهر إذن .. "لا يستطيع مجاراة الدولة المصرية بالسرعة التي تسير بها، منذ تولى السيسي المسئولية"، بتعبير آخر للدكتور بكر زكى عوض أستاذ مقارنة الأديان بكلية أصول الدين القاهرة، الذي قال في تصريحات خاصة، إن "كل ما تريده الدولة المصرية هو سرعة الانتهاء من تجديد الخطاب الديني، والتصدي لفوضى الفتاوى، واستقطاب الشباب من قبل الجماعات الإرهابية".

وأشار أستاذ مقارنة الأديان، إلى أن "الأزهر الشريف لم يقدم حتى الآن أي جديد في مسألة تجديد الخطاب الديني. وعلى الرغم من عقد الإمام الأكبر عدة جلسات مع مثقفين وكتاب وسياسيين، إلا أنها لم تخرج بشيء حتى الآن".

ويقول الباحث الإسلامي عصام تليمة "ربما كان لوزير الأوقاف مختار جمعة، "دور كبير في الضغط على الشيخ الطيب، لأنه يطرح نفسه بديلاً له، ويقدم للنظام أكثر مما يطلب منه، وهو أكثر ارتباطاً برجال الإعلام، الذين ربما يرون فيه الرجل المناسب لهذه المرحلة".
ويخلُص تليمة إلى أن ما يجري هو "صراع تدعمه السلطة، ويقوده مستشارون إعلاميون للمؤسسات الدينية الثلاث، مشيخة الأزهر، والأوقاف، والإفتاء لنيل رضا النظام".


لجنة الخطاب الديني متوقفة


وكشف الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر، وعضو لجنة تجديد الخطاب الديني بالمشيخة، أن اللجنة التي شكلتها المشيخة، "اجتمعت ثلاث مرات فقط لوضع ضوابط وآليات التجديد، وتوقفت فجأة، من دون إبداء أي أسباب".

وأضاف كريمة أنه "على الرغم من تأكيد الرئيس السيسي أكثر من مرة على أن تجديد الخطاب الديني أهم التحديات في المرحلة الحالية، إلا أن شيخ الأزهر ووزير الأوقاف لم يهتما بذلك، وانشغلا في الخلافات بينهما".

وذكر أستاذ الشريعة الإسلامية، أن "المؤسسة الدينية لن تتمكن من تجديد الخطاب الديني، في ظل تعاملها معه على أنه تكليف".

"ربما تكون هناك أخطاء داخل الأزهر، إلا أنه يتحملها أصحابها فقط، ومن غير المنصف أن يتم تحميلها للإمام الأكبر، وتلك الحملات لن تنال منه".. هكذا يعقب الدكتور إكرام بدر الدين رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة، على حملة الهجوم التي يتعرض لها الدكتور الطيب شيخ الأزهر، ويصفها بأنها "حملة لن تؤثر أو تنتقص من قدر الإمام الأكبر".

إسناد "تجديد الخطاب الديني" لمستشار السيسي
وكشف مصدر مسئول في الأزهر أن مؤسسة الرئاسة سحبت عملية "تجديد الخطاب الديني"، من شيخ الأزهر وأسندتها فعلياً إلى مستشاره الديني الشيخ أسامة الأزهري، "بعدما أبدى الرئيس غضبه من عدم استجابة الأزهر، وتعمد شيخه أحمد الطيب، تجاهل مستشار الرئيس في أي أنشطة بهذا الشأن”.

وذكر المصدر -الذي فضل عدم ذكر اسمه لحساسية منصبه في مشيخة الأزهر- لـ "هافينغتون بوست عربي"، أن الرئاسة أسندت المهمة للأزهري بعد فشل الأزهر.

وعلم "هافينغتون بوست عربي" من مصادر قريبة من مستشار السيسي، أن أسامة الأزهري سيبدأ مهامه في منتصف فبراير الجاري بمؤتمر يعقده في جامعة القاهرة، يليه لقاءات أخرى، وأنه يعكف حالياً على عرض المشروع على رئاسة الجمهورية لأخذ الموافقة النهائية.
ويعاون الدكتور الأزهري في مشروع تجديد الخطاب الديني فريق عمل، اختاره بعناية من بعض تلامذته وأساتذة بالأزهر وإعلاميين من المعنيين بالشأن الديني.