ترامب يتراجع.. تبنَّى مواقف متشدِّدة وعرَّض علاقات بلاده للخطر.. هكذا يعود مرغماً لسياسة أوباما الخارجية

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP AND OBAMA
Anadolu Agency via Getty Images

بعد تعهّده بالتخلي تماماً عن السياسة الخارجية التي ينتهجها باراك أوباما، أصبح الرئيس الحالي دونالد ترامب داعماً لبعض الأهداف الرئيسية لاستراتيجية الإدارة الأميركية السابقة، التي من بينها تحذير إسرائيل لوقفِ بناء المستوطنات ومطالبة روسيا بالانسحاب من شبه جزيرة القرم وتهديد إيران بفرض عقوبات عليها لإجرائها تجارب الصواريخ الباليستية.

وفي تحولٍ مُذهلٍ لوعوده الانتخابية، أصدر البيت الأبيض بياناً يطالب فيه الحكومة الإسرائيلية بعدم التوسّع في بناء المستوطنات اليهودية إلى ما وراء حدودها الحالية في القدس الشرقية والضفة الغربية. وقال البيان إن مثل هذه التوسعات "قد لا تساعد في تحقيق" هدف السلام.

وقالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هالي إن بلادها لن ترفع العقوبات المفروضة على روسيا حتى تتوقف عن زعزعة استقرار أوكرانيا وتسحب قواتها من شبه جزيرة القرم.


الموقف من إيران


وفي الشأن الإيراني، تمضي سياسة الرئيس ترامب إلى مزيد من التصعيد ضد طهران، وفرضت أمس الجمعة عقوبات اقتصادية طالت شركات وشخصيات إيرانية، وفقاً لما ذكرته وكالة رويترز، وهي عقوبات مشابعة لتلك التي فرضها الرئيس السابق أوباما قبل عام مضى.

إلا أن البيت الأبيض لم يظهر أية مؤشرات على عزمه تمزيق الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمه أوباما، بالرغم من النقد الهدّام الذي وجهه ترامب للاتفاقية خلال حملته الانتخابية، وفقاً لما ترى صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

وبينما كانت إدارة أوباما تبحث عن طرق أخرى تجنبها المواجهة مع إيران خلال عامها الأخير، يبدو أن ترامب مُتأهب لمواجهة ما قاله إنه توسّع إيراني في المنطقة، خاصة في العراق واليمن.

وفي تغريدة له صباح أمس الخميس، كان ترامب مُتعجرفاً في حديثه عن إيران، إذ قال: "لقد وُضعت إيران على قائمة الإنذار رسمياً بسبب إجرائها اختباراً لإطلاق صواريخ باليستية. والفضل في هذا يرجع إلى الاتفاق المُريع، الذي أبرمته الولايات المتحدة معها".

وفي تغريدةٍ ثانيةٍ، قال ترامب مخطئاً: "لقد كانت إيران على وشك الإصابة بالشلل والانهيار حتى جاءت الولايات المتحدة ومنحتها طوق نجاةٍ والمتمثل في الاتفاق الإيراني: البالغ قيمته 150 مليار دولار".

غير أن الإدارة الأميركية كانت حريصةً على عدم توضيح ما الذي كان يقصده مستشار الأمن القومي مايكل فلين عندما قال يوم الأربعاء الماضي إن إيران وُضعت "على قائمة الإنذار" بسبب تجاربها الصاروخية وتسليحها وتدريبها للمتمردين الحوثيين في اليمن.

ويقول غالبية الخبراء إن تأثير العقوبات الفعلي على إيران سيكون محدوداً ذلك لأن الشركات، التي تزوّد إيران بأجزاء الصواريخ، نادراً ما تمتلك معاملات تجارية مباشرة مع الولايات المتحدة. كما أن العديد من الدولة الحليفة للولايات المتحدة تُعارض إعادة فرض العقوبات بعد رفع العديد منها ضمن الاتفاق النووي في عام 2015.

ورد مستشار المرشد الأعلى الإيراني علي أكبر ولايتي على تغريدات ترامب بقوله: "هذه ليست المرة الأولى التي يهدد فيها إيران شخص عديم الخبرة. ستتعلم الحكومة الأميركية أن تهديد إيران أمرٌ غير ذي جدوى"، وفقاً لما جاء بوكالة فارس الإخبارية شبه الرسمية.

وعبّر بعض المحللين عن قلقهم بشأن عدم امتلاك الإدارة الأميركية، التي يصعُب تدخلها عسكرياً بالمنطقة، الوسائل التي تمكنها من دعم تحذيراتها.

وقال آرون ديفيد ميلر، الزميل رفيع المستوى في مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين: "سواء كانت إدارة ترامب تقصد أم لم تقصد ما قالته، فقد وضعت خطاً أحمر لا ينبغي تجاوزه. وعندما تعاود إيران إجراء تجاربها، فليس أمام الإدارة الأميركية خيار سوى تنفيذ تهديدها أو التزام الصمت".


داعم وفيّ لإسرائيل


سيحتفي نتنياهو باللهجة العنيفة التي يتحدث بها ترامب مع إيران. لكن البيان الذي أصدره البيت الأبيض بشأن المستوطنات قد يدفعه إلى تغيّر مسار ملفٍ محلي حساسٍ. ويبدو أن تحالف حكومته قد اعتبر تنصيب ترامب بمثابة صافرة بداية السباق للتوسّع في بناء المستوطنات بالأراضي المحتلة.

وتشير "نيويورك تايمز" إلى أن الإدارات الجديدة غالباً ما تفشل في تغيير السياسات الخارجية للإدارات السابقة لها على النحو الجذري الذي وعدت به، لأن إدارة الدولة تختلف تماماً عن إدارة الحملات الانتخابية. وبالطبع، يمكن أن تتغيّر المواقف الحالية بمرور الوقت. فمما لا شك فيه أن إدارة ترامب وضعت أسساً جديدةً للتجارة والهجرة، ساهمت في تدهور علاقتها بالمكسيك وأجزاءٍ كبيرةٍ من العالم الإسلامي.

لكن تغيّر توجهات الإدارة الحالية كان صارخاً، إذ إنه جاء بعد أيام من مكالماتٍ عاصفةٍ بين ترامب وقادة أجانب، تحدى خلالها ترامب كل الأعراف الدبلوماسية التقليدية وعرّض العلاقات الأميركية بالدولِ الأخرى للخطر، واحدة تلو الأخرى.

وقدم ترامب نفسه خلال حملته الانتخابية في صورة الداعم الوفي لإسرائيل وانتقد إدارة أوباما لسماحها بصدور قرارٍ من الأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، يُدين إسرائيل لتوسعها في بناء المستوطنات.

غير أن المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر قال في بيانٍ: "بينما نعتقد أن وجود المستوطنات لا يشكل عائقاً أمام تحقيق السلام، فإن بناء مستوطناتٍ جديدةٍ أو توسيع المستوطنات الحالية إلى ما وراء حدودها الحالي قد لا يساعد في تحقيق هذا الهدف"، بحسب وكالة رويترز.

وأضافت الوكالة أن البيت الأبيض أن الرئيس "لم يتخذ أي موقفٍ رسميٍ بشأن النشاط الاستيطاني"، وقال إنه سيناقش الأمر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عندما يلتقيان في الـ15 من فبراير/شباط الجاري، ما يعني أنه يطلب من نتنياهو الانتظار حتى ذلك الحين.

وبعد حلف ترامب لليمين الدستورية، أعلنت إسرائيل عن إعطاء تصاريح لبناء 2500 منزل آخر في مناطق موجودة في الضفة الغربية وتبع هذا الإعلان خلال الأسبوع الحالي عن بناء 3000 منزل آخر. وصعّد نتنياهو من الأمر بأن تعهّد ببناء أول مستوطنة جديدة في الضفة الغربية منذ سنواتٍ عديدةٍ.

وتشير جملة "ما وراء حدودها الحالية" في بيان البيت الأبيض إلى العودة إلى سياسة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، التي رُسمت كي يتبناها رئيس الوزراء الإسرائيلي إرييل شارون في 2004. وكانت هذه السياسة تُقر بأن تخلي إسرائيل عن غالبية مستوطناتها للوصول إلى اتفاق نهائي أمر غير واقعي، غير أنه يمكن تعويض هذا عبر اتفاقٍ لتبادل الأراضي بين الطرفين.

وقد وعد ترامب أيضاً بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس. لكن البيت الأبيض أبطأ تنفيذ هذه الخطوة خشية أن تتسبب في رد فعلٍ عنيف.

وقد غيّر ترامب سياسته بعد لقائه القصير مع ملك الأردن عبدالله الثاني على هامش فعالية "إفطار الصلاة الوطني"، وهو حدث سنوي يُقام في واشنطن ويجمع رموزاً سياسية واجتماعية ورجال أعمال من مختلف دول العالم للتعارف وبناء العلاقات بينهم. وقد مكّن الحدث الملك عبدالله، أحد أهم قادة العالم العربي، من لقاء الرئيس الأميركي الجديد قبل نتنياهو، بحسب "نيويورك تايمز".

وتعارض الأردن، التي يوجد بها عدد كبير من الفلسطينيين، بقوةٍ بناءِ المستوطنات.


ترامب وبوتين


أقام ترامب أيضاً علاقات أكثر وداً مع روسيا، التي تعد حجر الأساس لسياسته الخارجية المُعلن عنها خلال الحملة الانتخابية. ويتأهب القادة الأوروبيون لقرار ترامب رفع العقوبات، التي اشتركوا في فرضها مع أوباما على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد استيلائه على شبه جزيرة القرم. لكن أمس الخميس 2 فبراير/شباط، بدت نيكي هايلي، سفيرة ترامب لدى الأمم المتحدة، مثل سابقتها سامانثا باور.

ودانت نيكي هايلي أمام مجلس الأمن الدولي، أول أمس الخميس، "الأعمال العدائية" لروسيا في أوكرانيا، مؤكدة دعم الولايات المتحدة القوي لكييف على الرغم من سعي الادارة الأميركية الجديدة لتحسين العلاقات مع موسكو، بحسب ما ذكرته وكالة الأنباء الفرنسية.

وفي أول تصريحات لها في المجلس، أكدت هالي أن العقوبات الأميركية ستبقى مفروضة على موسكو إلى أن تعيد روسيا شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا.

وتزامن التحول المفاجئ لسياسة الإدارة الأميركية مع أول يومٍ يتسلم فيه وزير الخارجية الأميركي ريكس دبليو تيلرسون مهام منصبه بالوزارة ووصول وزير الدفاع جيم ماتيس إلى كوريا الجنوبية في أول رحلةٍ رسميةٍ له.

ويُعتقد أن الرجلين قادران على إضفاء تأثيرٍ معتدلٍ على الرئيس وفريق مستشاريه بالبيت الأبيض، غير أنه لم يتضح بعد مدى علاقتها بالتغيّر الحالي في سياسات ترامب.

ويأتي هذا التحوّل السياسي بعد أسبوعٍ مضطربٍ، تشاجر خلاله ترامب مع زعيمي أستراليا والمكسيك بشأن أكثر القضايا المشبعة بالتوتر خلال رئاسته الجديدة: وهي قضية الهجرة.

دافع ترامب عن المشاحنات المتوترة مع زعماء الدول الأخرى بأنه إظهار متأخر لحزم الولايات المتحدة، التي تعرضت فعلياً للاستغلال "من كل دولة في العالم".

فقد قال أمس الخميس خلال فعالية إفطار الصلاة الوطني: "إنهم حازمون. يجب أن نكون أقوياء. لقد حان الوقت لإظهار بعض الحزم. لن يحدث هذا مجدداً".

وفي وقتٍ لاحقٍ من اليوم، شعر البيت الأبيض بضرورة إضفاء صورة دبلوماسية مُنمقة على الأحداث، إذ قال سبايسر إن اتصال ترامب برئيس الوزراء الأسترالي مالكولم تيرنبول كان "ودياً للغاية" حتى إذا عارض ترامب بشكلٍ لاذعٍ الاتفاق الذي تفاوضت بشأنه إدارة أوباما وينص على قبول نقل 1250 لاجئاً من معسكر الاحتجاز الأسترالي إلى الولايات المتحدة.

وأنكر مسؤولٌ رفيع المستوى بالإدارة الأميركية صحة تقرير يقول إن ترامب هدد بإرسال قوات إلى المكسيك للتعامل مع "رجالها السيئين". وقال المسؤول إن المحادثة مع الرئيس المكسيكي إنريكه بينيا نييتو كانت "ودية للغاية" وإن حديث ترامب كان يغلب عليه المزاح.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية، للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.