آينشتاين الصغير.. طفل عبقري لم يلتحق بمدرسة وحصل على فرصة يحلم بها العلماء

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

الثلاثاء هو يوم المتحف بالنسبة للفتى رومانيو غولفين الابن ذي السبعة أعوام. في ظهيرة يوم ما زار الفتى المُتحف القومي للفنون مع والده. وبينما كانا واقفين إزاء أعمال الفنانين الكلاسيكيين الجدد أخذ الأب في شرح تقنيات الرسم لابنه بنبرة منخفضة.

يقول الأب: "عادة، يدخل الأستاذ القاعة أولاً ثم يتبعه تلامذته".

اختبر غولفين الأب ابنه بأسئلة سريعة عن إحدى اللوحات الموجودة على الجانب الآخر من المعرض، ووعده بأن الإجابات الصحيحة ستعني مزيداً من البطاطا المقلية على الغداء، وفقاً لما ذكرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية.

أجاب رومانيو: "هذه لوحة جون سينغر سارجنت". لكنه كان مخطئاً - وقد كانت القدرة على رؤية اللوحة وتحديد صاحبها صعبة على كل حال، بسبب بُعد المسافة. لكنه استطاع تحديد أعمال فنانين مثل جان أوغست دومينيك أو جوزيف مالورد ويليام (JMW) ترنر بعد ذلك بكل سهولة.

جلسات التعليم المنزلي كانت أمراً معتاداً بالنسبة للفتى الذي يقطن Silver Spring، والذي أظهر ما سمّاه أبواه وبعض الأكاديميين عقلية غير تقليدية. الفتى مُغرم بالفن وشهيته مفتوحة للموسيقى، لكن شغفه الحقيقي هو العلم.

ورغم أنه لازال محباً لمكعبات الليغو والسكاكر، فإنه حصل مُؤخراً على فرصة يحلم بها الكثير من العلماء، حيث حصل هو وعائلته على دعوة لزيارة المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN)، التي تدير مصادم الهدرونات الكبير، أكبر تجربة علمية في العالم، وهو موجود في سويسرا.

قال رومانيو عن رحلة نوفمبر/تشرين الثاني إنها "كانت ممتازة!"، واصفًا إياها بأنها رائعة كمائة ألف قطعة من حلوى الزنجبيل المربعة وهي من حلواه المفضلة.

بالنسبة لستيفن جولدفارب، وهو عالم الفيزياء التجريبية في سيرن الذي وجه الدعوة للصبي وعائلته، فإن رومانيو ليس فتى عادياً.

وكتب جولدفارب بهذا الخصوص عبر الإيميل: "بدا أن استضافة رومانيو الصغير ستمتاز بالكثير من المرح، وكان حدسي صحيحاً!".

كان ستيفن مذهولاً من صغر سن الصبي واهتمامه بالفيزياء، ما دفعه لتسميته "سفيراً" لسيرن في منطقة واشنطن آملاً في جذب المزيد من صغار السن لإجراء التجارب هناك ولتشجيع العلم بشكل عام.

يقول رومانيو: "أحد الأسباب التي تدفعني لحب العلم هي الكلمات الكبيرة"، مثل حمض كربوكسيل الهكسان الحلقي cyclohexanecarboxylic acid، وهي صعبة النطق على أي بالغ. يقول: "إنها ليست صعبة عليّ".


لم يلتحق بأي مدرسة


لم يلتحق رومانيو قط بأي مدرسة عامة أو خاصة. يعمل والده مستشاراً بقسم الموسيقى في جامعة نورث كارولينا بينما تشغل والدته شيري فيليب المتخصصة في علم نفس الشخصيات منصب مديرة الأبحاث في شركة للاستشارات التعليمية تدعى مجموعة روبسون. قرر الوالدان الالتزام الكامل بتعليم ابنهما منزلياً وتجهيزه للمستقبل بطريقتهم بسبب عدم رضاهم عن نتائج التعليم التقليدي.

يقول جولفين: "كفى استخداماً لطريقة العصر الصناعي التعليمية في القرن الواحد والعشرين".

قضى غولفين بعضاً من سني شبابه في مجمعات بروكلين السكنية، ويتذكر شباباً موهوبين من الأميركيين الأفارقة أحسّوا بأنهم عالقون بسبب ظروفهم المعيشية. بعضهم نشأ في أسر مفككة لم يكن الأبوان فيها مستعدين للتعامل مع تعطش أبنائهم للمعرفة.

حوالي 3% من الطلاب في الولايات المتحدة يتعلمون في المنزل. قبل ميلاد رومانيو ناقش أبواه غولفين وشيري مسألة تقديم تعليم متقدم لابنهما الوحيد معتمدين على دراسات أظهرت أن الأطفال لديهم قدرة أكبر على امتصاص المعلومات مما هو شائع عنهم. كانت أم رومانيو متشككة في البداية، لكن مع نموه، بدا أن رومانيو يحيط بالمفاهيم المتقدمة التي كان والده يلقنه إياها.

لوهلةٍ بدا أن رومانيو يُظهر فهمه للعناصر في حدود إمكانيات أي طفل. وذات يوم، استخدم حبات الفشار في صنع نماذج للذرات بحسب والده. استخدم الأجزاء الداخلية من قطع الفشار كبروتونات ونيوترونات وإلكترونات ليصنع في النهاية نماذج لعناصر النيتروجين والليثيوم.

عزم جولفين على تقديم تعليم لابنه لا تقدر أي مدرسة على تقديمه.

يقدّر أن العائلة استغلت فرصاً للتعليم المجاني تساوي في قيمتها مليون دولار. سعت الأسرة لهذه الفرص أينما وجدتها سواءً على الإنترنت أو أي فرصة واقعية. عندما لا يصطحب ابنه إلى أحد البرامج المجانية بالمتاحف، فإنه يأخذه معه روتينياً لحضور محاضرات جامعية، ليراقب وأحياناً يتحدث كما فعل في كلية مورهاوس وجامعة ديوك في 2015.

يقول بريان هوجان، أستاذ الكيمياء بجامعة نورث كارولينا، إنه لم ير سوى شعر الفتى وجبهته و"كرتيّ عينيه" حين كان يحضر محاضرته، وأضاف أن مقلتي الفتى "بدتا وكأنهما بيضتان مسلوقتان بقسوة. كانتا مفتوحتين جداً".

كلما تحدث هوجان مع الفتى أكثر أدرك أنه يتعامل مع طفل استثنائي.

يضيف: "تساءلت في البداية: هل في الأمر خدعة ما؟ هل هو مثل مستر إد الحصان القادر على العد؟".

هوجان من أقوى مؤيدي عائلة غولفين منذ قابلهم، وهو مبهور برغبة رومانيو في التعلم.

يقول هوجان إن "رومانيو يُمكن أن يصبح أينشتاين القادم. لديه عقل صُمّم خصيصاً لحل المشاكل".

يقول جولدفارب بخصوص ذكاء رومانيو: "أعلم أن الفتى يمتلك ذاكرة مذهلة ويبدو أنه طوّر بعضاً من طرقه الخاصة لامتصاص المعلومات والاحتفاظ بها. كنت أتمنى لو كان لديّ هذه الموهبة".

من نواحٍ عديدة فإن رومانيو مازال مثل أي طفل آخر يبلغ من العمر 7 أعوام. يشاهد المسلسلات على نتفليكس ويلعب ألعاباً مثل أونو ويحب لعبة تركيب الأحجية.

يقول رومانيو: "لديّ لعبة تركيب الأحجية على شكل سمكة فيها 300 قطعة. اللوحة نفسها كبيرة وتومض في الظلام". يتحمس عندما يتحدث عن وقت اللعب.

عندما يكون في غرفته يلعب بالمكعبات، محاطاً بالأشياء التي يحبها مثل صورة الطائرة المعلقة على الجدار ورسمة لسنجاب رسمها بنفسه. لديه صورة معلقة كذلك للجدول الدوري.

بالنسبة لوالديه فإن تدريسه لم يكن أمراً سهلاً. على الرغم من توافر المصادر المجانية يقدّر غولفين المصاريف الشهرية بحوالي 1000 دولار لتشكيل منهج دراسي. الرحلة إلى سيرن كلفتهم ما يقارب 11 ألف دولار، وهو مبلغ كان بإمكانهم تحمّله بفضل مساعدة بعض المتبرعين.

الجزء الأصعب من العملية بجانب التكاليف المادية هو التوفيق بين العمل والدروس، ومن حُسن الحظ أن الوالدين يتمتعان بجداول عمل مرنة.

يقول غولفين بهذا الخصوص: "عليك أن تصبح السيدة التي تقدم طعام الغداء وعليك أن تكون الحامي وسائق الحافلة وأستاذ الرياضة".

تقمّص كذلك دور أستاذ الموسيقى. يحب غولفين الموسيقى الكلاسيكية وتسرب حب الأوبرا منه إلى ولده. أظهر رومانيو براعة فائقة عندما خضع لاختبار قسم الموسيقى في جامعة نورث كارولينا.


عبقري صغير


يقول جميس موسير، المستشار الفخري بالجامعة الذي أصبح على معرفة بالأب وابنه منذ ما يقارب العامين: "هذا عبقري صغير، ولم أرَ هذا النوع من الذكاء إلا نادراً".

يقول غولفين: "الآن، أصبح رومانيو عازفاً كبيراً على الجيتار يستطيع عزف القليل من الروك، والقليل من البلوجراس، والقليل من الكانتري".

يأمل جولفين بأن ابنه سيستغل ذكاءه في عمل يغير حياة الناس عن طريق العلم، لكنه يعترف بأن حب رومانيو للموسيقى والفن قد يدفعه في اتجاهات أخرى.

ويضيف قائلاً: "لنطلق للفتى حريته وسيقوم بصناعة عالمه".

في لحظة ما أثناء جولة سيرن توقف رومانيو لالتقاط صورة أمام صورة واقعية لجهاز ملتقط CMS، وهو الجهاز الذي ساعد على تأكيد وجود بوزون هيجز، وهو جسم محوري في الفيزياء.

الجهاز الحقيقي يبلغ طوله 100 قدم مدفون تحت الأرض يطلق البروتونات 11 ألف مرة في الثانية في مسار دائري يبلغ 17 ميلاً ويصادمها ببعض. يطلق أبوه على الجهاز اسم "الصبي وحلقة الضوء" كشيءٍ خرج للتو من فيلم خيال علمي. كان هذا أقرب ما استطاع رومانيو الوصول إليه بالنسبة لجهاز مسرع الجزيئات مرتفع الطاقة بسبب مخاطر الإشعاع.

يقول جولدفارب: "لدينا الكثير من الأسئلة الكبيرة ونحتاج جيشاً من رومانيو لنكون جاهزين لإيجاد حلول لها في العقود القادمة".

بالنسبة للوقت الحاضر يستمتع رومانيو بكونه مجرد طفل.

لديه كتب ملونة ويحب أن يدفن نفسه في جهاز الآيباد خاصته، يلعب على تطبيقات الأحجيات واختبارات الذكاء ومحفزات العقل.

عندما يكون في الخارج يقطع الشوارع جيئة وذهاباً بالسكوتر الخاص به، ويستخدم الكابح الخلفي لإطلاق بعض الشرر في الهواء. يحب أن يطلق عليه اسم "الركوب المشع" نسبة إلى ظاهرة فلكية لأحد نجوم النيوترون السيارة التي تُطلق إشعاعات كهرومغناطيسية.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية . للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.