أباظة وعبيد والرافعي.. عائلات عريقة أثْرت الحياة السياسية والثقافية بمصر

تم النشر: تم التحديث:
AAILH
social media

ظاهرة العائلات الفنية التي عرفتها مصر، مثل عائلة التلمساني التي اشتُهرت بالثقافة والفن والرياضة، وعائلة سليم في النادي الأهلي وإمام في الزمالك، ليست وحيدة في الساحة، فهناك عائلات توارثت الأدب، وأخرى توارثت الصحافة والتاريخ، وأخرى تخصصت في العمل السياسي. وتفتح هذه الظاهرة قوس التساؤل حول إمكانية توريث الإبداع أو الاهتمام الأكاديمي والسياسي.

الواقع يجيب عن هذا التساؤل من دون أن يقدم وصفات جاهزة أو افتراضية، فهناك عائلات صنعت مجدها جيلاً بعد جيل، وشهد لها الجميع، سواء في الأدب أو السياسة.

فيما يلي رصد لأهم العائلات التي شكلت جزءاً من الثقافة والسياسة في مصر:


العائلة الأباظية: بين الثقافة والسياسة


العائلة الأباظية من أكثر العائلات المصرية الحديثة تأثيراً في الحياة الثقافية والسياسية في مصر.


إسماعيل أباظة .. عميد الأسرة


وُلد إسماعيل أباظة في عام 1854 في قرية "شرويدة" بمحافظة الشرقية، التي تبعد عن القاهرة بـ83 كيلومتراً، وفيها تلقى تعليمه الأول، ثم التحق بمدرسة المبتديان، فالمدرسة التجهيزية بالقاهرة، وتخرج في مدرسة الحقوق، وعاد إلى قريته بعد وفاة والده السيد باشا أباظة؛ للعمل في الزراعة.

كان إسماعيل أباظة أول من عمل في مجال المحاماة والصحافة من أبناء العائلة الأباظية، وتألق نجمه فيهما، فضلاً عن موقفه ضد الاحتلال، خاصة عندما سافر إلى إنكلترا، في عام 1908م؛ للدفاع عن مصالح مصر، وقال في البرلمان الإنكليزي: "نريد خدمة أمتنا، التي من جملة مطالبها: الإصلاح النيابي والإداري والتعليمي".

كما تولى منصب الوزارة في 5 حكومات مختلفة، فضلاً عن إصداره جريدة "الأهالي"عام 1894م، والتي كان يكتب فيها مقاله الشهير "بيان لا بد منه". ألَّف إسماعيل أباظة كتابَي: "حديقة الأدب "و"مقدمة أساس التاريخ العصري لمشاهير القطر المصري".


فكري أباظة.. شيخ الصحافة المصرية


محمد فكري حسين أباظة (1896-1979) أديب وصحفي، وُلد في كفر أبو شحاتة بالشرقية، وتخرج في مدرسة الحقوق، واشتغل بالمحاماة والصحافة.

شارك في ثورة 1919، وكان أحد خطبائها، فضلاً عن اقتران اسمه بجريدة الأهرام المصرية التي كتب فيها مقالاته عن الإنكليز، كما كتب في مجلة المصور وظل فيها حتى تولى رئاسة تحريرها.

وكان أباظة عضواً في البرلمان المصري لمدة 52 عاماً، وعُرف كمتحدث إذاعي لبق، حيث قدم بعض حفلات "أم كلثوم"، فضلاً عن كتبه الساخرة؛ مثل: "خلف الحبايب"، و"الضاحك الباكي"، الذي أصبح لقباً له فيما بعد. ولعطائه المتنوع، قال عنه أمير الشعراء أحمد شوقي:
ابني أباظة إن رافع بيتكم .. جعل المكارم فيه والإحسانا
فكري أذقت القوم عفو البلاغة .. وأردفت محضاً للنهى ولبابا
من كل فاكهة وكل فكاهة .. هيأت نقلاً واتخذت شرابا


عزيز أباظة .. مبدع المسرح الشعري


يعد الشاعر عزيز أباظة (1898-1973)، أحد رواد المسرح الشعري بعد أمير الشعراء أحمد شوقي، وُلد في منيا القمح بالشرقية، وتخرج في مدرسة الحقوق مثل باقي أفراد العائلة، وعمل بالمحاماة لمدة عامين، ثم التحق بالعمل في الحكومة وتنقل في مناصب عدة.

بدأت علاقته بالشعر بديوان "أنّات حائرة" الذي كتبه بعد وفاة زوجته، وله أيضاً 9 مسرحيات تمتاز برسم الشخصيات، والعمق، والحفاظ على عمود الشعر الكلاسيكي في كل أعماله، وهي: قيس ولبنى على غرار مجنون ليلى لشوقي، والعباسة، والناصر، وشجرة الدر، وغروب الأندلس، وشهريار، وقافلة النور، وقيصر، أما أوراق الخريف فمسرحية عصرية. وقد غنى له المطرب والموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب قصيدة "همسة حائرة".


ثروت أباظة .. الرواية


الأديب ثروت أباظة (1927- 2003)، هو ابن الروائي دسوقي أباظة، وُلد في قرية غزالة بالشرقية، وعُرف عنه حبه للكتابة منذ الصغر. أما أول أعماله الروائية الطويلة، فكانت "ابن عمار" التي قررت وزارة التربية والتعليم تدريسها للطلاب.

بدأ حياته العملية في مجال المحاماة بعد تخرجه في مدرسة الحقوق عام 1950، بالإضافة إلى تولي رئاسة مجلة الإذاعة والتليفزيون، ورئاسة القسم الأدبي بالأهرام التي ظل يكتب فيها حتى وفاته، ورئاسة اتحاد الكتاب، ووكيل مجلس الشورى.

أما أشهر أعماله الأدبية، فهي: "ثم تشرق الشمس-الضباب- شيء من الخوف التي تحولت إلى فيلم شهير بطولة شادية ومحمود مرسي- جذور في الهواء- أوقات خادعة- طائر في العنق- قصر على النيل- أحلام في الظهيرة - بريق في السحاب". وقد نال ثروت أباظة وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وجائزة الدولة التقديرية.


العائلة التيمورية.. الأدب "جين" وراثي


تعود أصولها إلى محمد بن إسماعيل تيمور، الذي جاء إلى مصر مع الحملة العثمانية في عام 1801م، ثم التحق بجيش الوالي محمد علي باشا، فعينه برتبة كاشف ثم محافظاً للمدينة المنورة 1837م، فمديراً للشرقية إلى أن توفي عام 1848م، وجاء من بعده ابنه إسماعيل باشا، الذي تولى عدة مناصب في الحكومة. لكن رغم ذلك سلك أبناؤه وأحفاده طريقاً آخر، فقد عملوا بالأدب.


أحمد باشا تيمور .. من أعلام النهضة الحديث


أحمد بن إسماعيل المشهور بـ"أحمد باشا تيمور" (1871- 1930)، أحد رموز الأدب في مصر، تلقى مبادئ العلوم واللغات في مدرسة "مارسيل" الفرنسية التي تركها بعد ذلك، ثم أكمل تعليمه في البيت.

أسس تيمور ما يمكن اعتباره أكبر مكتبة في العصر الحديث آنذاك، عُرفت بـ"الخزانة التيمورية" والتي احتوت على 19527 مجلداً، و8673 مخطوطاً. وقد عُين عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق وعضواً بالمجلس الأعلى لدار الكتب المصرية.

عاش أحمد تيمور حياته بين التأليف والدراسة وفهرسة مكتبته الضخمة، ورعاية أبنائه بعد وفاة زوجته، ومن أشهر كتبه: "الأمثال العامية، والحب والجمال عند العرب، والآثار النبوية".


عائشة التيمورية.. ياقوتة الأدب العربي


عائشة بنت إسماعيل (1840-1903)، شاعرة الحب والألم، هي الأخت الكبرى لأحمد تيمور باشا، وقد شهدت في طفولتها كبار الكتّاب والشعراء في صالون والدها، الذي لمح شغفها للأدب، فأحضر لها من يعلمها الفقه، والنحو، واللغات، فضلاً عن اهتمامها بأخيها الأصغر أحمد تيمور.

والتيمورية، من رائدات التنوير للمرأة المصرية، حيث كتبت المقالات في صحيفتي الآداب والمؤيد، ومن مؤلفاتها: "مرآة التأمل في الأمور"، ولها مجموعة قصصية باسم "نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال".

ولها أيضاً رواية بعنوان "اللقا بعد الشتات"، فضلاً عن ديوانها الشعري "حِلْية الطِّراز". وقد امتدحها العقاد قائلاً: "إن شعر السيدة عائشة يعلو إلي أرفع طبقة من الشعر ارتفع إليها أدباء مصر في أواسط القرن التاسع عشر إلى الثورة العرابية".


محمود تيمور.. صاحب أول قصة قصيرة


محمود أحمد تيمور (1894-1973)، روائي وأديب، وُلد في "درب سعادة" القريب من منطقة الأزهر بالقاهرة، في قصر العائلة التيمورية، وعُرف عنه حبه للأدب مثل بقية أفراد أسرته، كما عرف عنه ميله إلى الكتابة منذ الصغر.

قرأ في مكتبة أبيه أمَّات الكتب التراثية في الأدب؛ مثل: كليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة، وحديث عيسي بن هشام للمويلحي، ومقدمة ابن خلدون. وبسبب إصابته بالتيفود، انقطع عن الدراسة في مدرسة الزراعة، وسافر إلى سويسرا للاستشفاء، وهناك اطلع على الأدب الأوروبي، وبدأ يهتم بالكتابة والتأليف، وتميز إبداعه بالغزارة والتنوع ما بين القصة والمسرحية والقصة القصيرة والبحوث الأدبية والدراسات اللغوية.

أما أول قصة كتبها، فكانت "الأسطى حسن يُطالب بأجرته" في عام 1919، وقد كتبها تيمور باللغة العامية، ونشرت في جريدة الفجر، وذيَّلها بقوله: "بقلم صاحب العزة: محمود تيمور، موباسان مصر"، نسبة إلى الفرنسي الشهير جي دي موباسان أحد رواد القصة القصيرة في العالم.

استوحى تيمور معظم قصصه من رحلاته، وشارك في العديد من المؤتمرات الأدبية، ونال عدداً من الجوائز الأدبية، منها: جائزة مجمع اللغة العربية، وجائزة الدولة للآداب، وجائزة "واصف غالي" بباريس، وجائزة الدولة التقديرية.


محمد تيمور.. من رواد المسرح


محمد أحمد تيمور (1892 - 1921)، من مؤسسي الأدب القصصي والمسرحي في مصر؛ وذلك لاستخدامه اللهجة العامية بدلاً من الفصحى، لذا تُعرف الحياة الأدبية في مصر ما قبل تيمور، وما بعده.

درس القانون في باريس، والطب في برلين، لكن لم يكن لديه ميل لدراسة أي منهما؛ وذلك لحبه الأدب الذي تتنفّسه الأسرة، فاتجه إلى التأليف المسرحي، ونهض به، واشترك في جمعية أنصار التمثيل، وحملت مسرحياته الطابع الكوميدي الاجتماعي، وأشهر مسرحياته هي: "العصفور في القفص، وما تراه العيون".


العائلة الرافعية


جمعت عائلة الرافعي بين عشق الأدب والدين والتاريخ، تعود أصولهم إلى الأراضي الحجازية.


عبد الرحمن الرافعي.. مؤرخ مصر الحديثة


عبد الرحمن الرافعي (1889-1966)، أحد أهم المؤرخين المصريين، كان والده أحد رجال الأزهر الشريف. تعلم في المدارس الحكومية، وتخرج في مدرسة الحقوق، وبدأ حياته المهنية صحفياً بجريدة "اللواء"، وشارك في الكثير من الحركات الوطنية، فضلاً عن مشاركته في كل المؤتمرات التي نظمت ضد الاحتلال الإنكليزي.

ألَّف الرافعي خلال حياته 20 كتاباً، عن تاريخ مصر الحديث، بدأها بـ"حقوق الشعب" وختمها بـ"مقدمات ثورة 23 يوليو/تموز"، وبينهما أصدر"عصر محمد علي"، و"عصر إسماعيل"، و"ثورة 1919"، وغيرها الكثير من الكتب التي تؤرخ لمصر في العصر الحديث.


أمين الرافعي.. قديس الصحافة


أمين عبد اللطيف الرافعي (1886-1927)، كاتب وصحفي مصري، حصل على الشهادة الابتدائية في عام 1901، مع أخيه عبد الرحمن، ومثله التحق بمدرسة الحقوق في القاهرة وتخرج فيها.

اهتم أمين الرافعي بالصحافة في أثناء دراسته بالمرحلة الثانوية، فكتب في صحف؛ منها "اللواء" و"الشعب"، فضلاً عن انضمامه إلى الحزب الوطني في عهد مؤسسه مصطفى كامل.

وعن عمله في الصحافة، قال: "إن مهمتي الوحيدة أن أقول ما أعتقد، وأن أقوله في الصحافة، وما خُلقت لأغنم مالاً أو جاهاً؛ بل خُلقت لأدعو الناس وأرشدهم، عن طريق الصحافة، إلى الوطنية والفضيلة والإيمان".


مصطفى صادق الرافعي.. نابغة الأدب


مصطفى صادق الرافعي (1880-1937)، عُرف عنه حبه الأدب وتمكّنه من اللغة العربية، وقدرته في استخراج جواهرها. بدأ مصطفى الرافعي حياته شاعراً، لكنه انصرف عن الشعر مبكراً إلى الكتابة النثرية، لذلك عُرف بحجة الأدب العربي، رغم أنه لم يحصل في تعليمه إلا على الابتدائية مثل العقاد، فضلاً عن فقده السمع نهائياً وهو في الثلاثين من عُمره.

أشهر مؤلفات الرافعي هي : ديوان الرافعي، وديوان النظرات، ووحي القلم، وتاريخ آداب العرب.


عائلة سراج الدين


وفي عالم السياسة اشتُهرت عائلة سراج الدين قبل ثورة يوليو ١٩٥٢ وبعدها


فؤاد باشا سراج الدين .. رجل الأرقام القياسية


محمد فؤاد سراج الدين (1910-2000)، سياسي مصري، وُلد بكفر الجرايدة بالشرقية، وتخرج في مدرسة الحقوق في عام 1931، ثم أصبح عضواً في البرلمان وعُمره لا يتجاوز 26 عاماً، ثم تولى أول منصب وزاري له وهو في الحادية والثلاثين من عُمره.

قام فؤاد باشا بتمويل حركة الفدائيين بمنطقة القناة بالمال والسلاح في الفترة من 1951 إلى 25 يناير/كانون الثاني سنة 1952، كما رفض الإنذار البريطاني يوم 25 يناير سنة 1952، عندما كان وزيراً للداخلية. وبعد سنوات طويلة من إقصاء ثورة يوليو 52 له ، أعاد إحياء حزب الوفد في عام 1978 تحت اسم "حزب الوفد الجديد"، عقب عودة التعددية الحزبية في عهد الرئيس أنور السادات.


ياسين سراج الدين.. على درب أخيه


ياسين سراج الدين (192-2005)، سار في الطريق نفسه، فتخرج في مدرسة الحقوق، وشارك في الحياة السياسية قبل 1952 وبعدها، وقاسم شقيقة الأفراح والأحزان التي عاشتها العائلة، فكما لازمه داخل حزب الوفد وتولى قيادته من بعده، دخل معه السجن أيضاً أكثر من مرة في عهدي عبد الناصر والسادات.


عائلة مكرم عبيد: حكومة ومعارضة


اشتهرت عائلة عبيد المسيحية بالعمل السياسي وكان منها قادة في مجال السياسة والعمل الحكومي قبل ثورة يوليو وبعدها


مكرم عبيد .. ابن سعد البار


يُعرف مكرم باشا عبيد (1889-1959) بأنه محام بارز وخطيب بارع وسياسي، بحكم انضمامه إلى حزب الوفد، الذي أصبح فيما بعد سكرتيراً عاماً له، فضلاً عن توليه منصب الوزارة أكثر من مرة.

في بداية الأربعينات من القرن الماضي، عندما وقع الخلاف بينه وبين مصطفي النحاس رفيق دربه السياسي، ألّف عبيد "الكتاب الأسود" مهاجماً فيه النحاس باشا.

كما شارك في تأسيس جامعة الدول العربية، وأيد ثورة 23 يوليو، وطالب بإنشاء جريدة الجمهورية.

وفي عهد السادات، تولى فكري مكرم عبيد منصب نائب رئيس الوزراء، وفي عهد مبارك، انضمت مني مكرم عبيد إلى البرلمان المصري، كما تولت في عهد مبارك أيضاً نادية مكرم عبيد منصب وزيرة شؤون البيئة، لتكمل سلسلة العائلة في العمل الحكومي.