آخر شواطئ بيروت العامة.. سكان المدينة يخشون من خصخصة شاطئ "الرملة البيضاء"

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

تمشَّ على الرمال الذهبية لشاطئ الرملة البيضاء، آخر الشواطئ العامة في بيروت، وستجد عائلاتٍ تصطاد، وتدخن الشيشة في كبائنٍ متداعية مصنوعة من سعف النخيل، وأولاداً يركلون الكرات تحت أعمدة الإنارة، وأطفالاً يبنون قلاعاً من الرمال قرب الأمواج. هذا المكان متنفس نادر الوجود في مدينةٍ أماكنها العامة قليلة ومتباعدة. لكن بنهاية الجزء الجنوبي من الشاطئ يتغير المشهد فجأة، إذ تظهر في الأفق رافعاتٌ، ورجال يرتدون خوذاتٍ حديدية، في طريقهم لتشييد مبنى إسمنتي.

هذه المنشأة المعروفة باسم منتجع خليج عدن، وهو مشروعٌ تبلغ مساحته 5000 متر مربع، وُصِفَ في الموقع المخصص للمشروع بأنه "ملاذٌ للفخامة والرقي"، بدأ العمل فيه العام الماضي، ما أشعل غضب مرتادي الشاطئ، ونشطاء المجتمع المدني، والمدافعين عن الأماكن العامة، بحسب ما ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية.

وتقول الشركة التي تنفذ المشروع إنها لا تخالف القانون، وإنها تضخ استثماراً ضخماً يوفر المئات من فرص العمل في اقتصاد لبنان الضعيف. لكنَّ الكثير من سكان بيروت من الفقراء والطبقة المتوسطة، الذين اعتادوا الذهاب إلى هذا الشاطئ لأجيال، يرونه تعدياً على واحدٍ من الأماكن العامة القليلة المتبقية لهم.

قال هشام حمدان (59 عاماً) وهو يلقي نظرةً خاطفة إلى المنشأة، بينما كان يتناول غداءه المكوّن من السمك، والحمص، والخضراوات، مع عددٍ من الأصدقاء: "الفقراء هنا يُعامَلون كالقمامة. هذه مدينة علي بابا والأربعين حرامي". ذكر حمدان عدداً من السياسيين البارزين ورجال الأعمال، واصفاً إياهم بأنهم "رجال عصابات. كلهم".

انتزع حمدان من الرمال عصا أعلاها تمثال لنفرتيتي، ثم أشار بها ناحية صفٍّ من البنايات السكنية، وقال: "انظر! هل تعرف ما سعر هذه الشقة؟ 4 ملايين دولار. وكل الناس هنا ليس معهم أي شيء". (بعض العقارات القريبة يصل سعرها فعلاً إلى هذا الرقم).

قريباً من المكان الذي كنا فيه، كان أبورامي، وهو عامل بأحد المتاجر (43 عاماً)، طلب أن يُسمَّى بكنيته ليستطيع الكلام بحرية، يركل الكرة مع ابنه. قال أبورامي: "عندما كنت أعزب، كنت أذهب إلى شاطئ الرملة البيضاء كل يوم. كنت أجري هنا مع أصحابي في حوالي السادسة أو السابعة صباحاً، وكنا نلعب الكرة. بل كنا أحياناً نأتي إلى هنا ليلاً لنلعب الكرة. كنا نعوم ونلعب ونسهر. كل الناس لديهم ذكريات مثل هذه".

وقال أبورامي إنَّ الناس الآن أصبحوا خائفين من أنّ الشركات الخاصة ستلتهم الشاطئ، ولن تترك شيئاً للفقراء والطبقة المتوسطة. وأضاف أبورامي: "أرى أنَّ الناس هنا بحاجة إلى الخروج والتظاهر ضد هذه الشركات، فهذا الذي يحدث اضطهادٌ للفقراء".

b


حديقة مركزية واحدة


لهذا الغضب والشك جذورٌ أعمق بكثير من منتجعٍ واحد. فبيروت لديها نقصٌ صادم في الأماكن العامة بالنسبة لمدينةٍ بهذا الحجم. هناك حديقةٌ مركزية رئيسية واحدة فقط، حديثة حرش بيروت، التي أعيد افتتاحها مؤخراً للجمهور بعد سنواتٍ من إغلاقها، في الوقت الذي تُغطى فيه أميال من ساحل البحر المتوسط بالشُقق الفخمة، والنوادي، والمطاعم، والفنادق، والمنتجعات التي تكلف أموالاً باهظة لدخولها.

وبالنسبة للكثير من سكان بيروت، الذين يعيشون على بضع مئات من الدولارات شهرياً، فإنَّ السعر المناسب لإدخال عائلةٍ إلى واحدٍ من هذه النوادي قد يكلفهم حصةً ضخمة من راتب الشهر. لو كنت فقيراً، فلن يكون بإمكانك أن تتمتع بالهواء الطلق دائماً.

قارن محمد أيوب، المدير التنفيذي لجماعة "نحن"، وهي منظمة مجتمع مدني دافعت عن إعادة فتح حرش بيروت، وتعمل الآن على إحياء شاطئ الرملة البيضاء، موقف المدينة ببيتٍ بلا غرفة معيشة، أي بلا مساحة تجتمع فيها الأسرة.

وقال أيوب: "الصالون هو المكان الذي نتعلم فيه التعامل مع اختلافاتنا، لأنه ملكٌ لكل الناس. لا يمكنك مشاهدة التلفاز وحدك، لذا فأنت بحاجة إلى مناقشة ما تفعل. الصالون يعلمك الحوار، ويعلمك الديمقراطية، ويعطيك شعوراً بالانتماء. لهذا فهو مهم".

وقال أيوب إنَّ أهمية هذه الأماكن تزداد بالنظر إلى تاريخ الانقسام الطائفي الذي نتج عن الحرب الأهلية للبلاد التي استمرت من عام 1975 حتى 1990. لكنَّ نقص التشريعات المتعلقة بالأماكن العامة سمح للمقاولين بأن يأخذوا من هذه المساحات عبر السنين، فلم يتركوا سوى حفنةٍ صغيرة مفتوحة للجمهور. وتساءل أيوب: "ما الذي نملكه في المدينة؟ إنَّنا لا نملك شيئاً. ما الذي نفعله في المدينة؟ ماذا يمكننا أن نفعل في المدينة؟ ينبغي لك أن تدفع مقابل كل شيء".

لطالما كان شاطئ الرملة البيضاء، باعتباره واحداً من الاستثناءات القليلة، جاذباً للشكوك حول نوايا المقاولين. ويشير النشطاء إلى مرسومٍ صدر عام 1925 يعلن أنَّ كل شيء إلى حد أعلى نقطة يصل إليها موج البحر، يُعَد ملكية عامة.

ومع ذلك، فمنذ الستينات - بحسب النشطاء - بدأت سلسلةٌ من الإعفاءات، والثغرات، والانتهاكات، والمحسوبية لبعض المقاولين، في إحداث تآكلٍ تدريجي في خط الساحل، ليصبح هذا الشاطئ واحداً من المعاقل المجانية الأخيرة. ونتوء شاطئ داليا، القريب من شاطئ الرملة البيضاء، مهددٌ هو الآخر، مع أنَّ أعمال البناء لم تبدأ فيه بعد.

مرر علي درويش، مدير منظمة الخط الأخضر البيئية اللبنانية، في مكتبه المزدحم خافت الإضاءة في وسط بيروت، أصابعه على صورةٍ التقطتها الأقمار الصناعية للشاطئ، مشيراً إلى الأماكن التي يقول إنَّ المقاولين ينوون البناء عليها. وقال درويش: "اسأل أي بيروتي مُسنّ فوق الخمسين أو الستين، ولن يعرفوا حتى أنَّ هذه الأماكن مملوكة للقطاع الخاص. محفورٌ في رؤوسنا أنَّ هذه الأرض ملكية عامة".

وقال درويش إنَّ مجموعته اكتشفت، في أواخر التسعينات، خطةً أظهرت أنَّ رئيس الوزراء السابق، رفيق الحريري، المشهور بصفقاته العقارية الواسعة في فترة ما بعد الحرب، أراد أن يحول هذه المنطقة إلى مرفأ، وهو الأمر الذي أوقفه الضغط الشعبي. واشتعل الجدل مرة أخرى عام 2015 عندما سمح قاضٍ لشركتين تملكان قطعاً من الشاطئ بغلقهما أمام الجمهور. فألغى القاضي قراره، لكنَّ النشطاء ظلوا في حالة تأهبٍ قصوى.


دعوى قضائية


لا يستطيع قادة المجتمع المدني وسط هذا الجو العام من انعدام الثقة رؤية أي شيءٍ في مشروع خليج عدن سوى أنه مقدمةٌ لاستيلاءٍ كامل على الشاطئ. ورفعت منظمة الخط الأخضر دعوى قضائية لوقف المشروع، لكن، في انتظار الحكم، لا زال البناء مستمراً.

ويعتقد النشطاء أنه لو نجح مشروع خليج عدن فإنَّ مقاولين آخرين سيتبعونه بلا شك. وقال درويش إنًّ واحداً من أصحاب الأراضي على الشاطئ قدم بالفعل طلباً للحصول على رخصةٍ للبناء. وأضاف درويش: "سيفتح هذا الأمر الباب لمشروعاتٍ أخرى".

عبَّرت شركة عاشور للتطوير العقاري عن وجهة نظر مختلفة تماماً للموقف. فقد قال محامي الشركة، بهيج أبومجاهد، من مكتبه المطل على وسط بيروت، والمسمى "سوليدير"، على اسم الشركة التي أنشأها الحريري قبل اغتياله عام 2005، بعد أن قلَّب في ملف سميك من الوثائق، إنَّ هذه الوثائق تثبت بشكلٍ قاطع حق الشركة في البناء على الأرض.

وأحضر أحد المساعدين نُسَخاً من سجلات الملكية لقطعة الأرض، ورخصة البناء للمشروع، وإذناً من نقابة المهندسين، وخريطةً توضح أنَّ المشروع يبعد مئات الأمتار عن الأجزاء العامة من الشاطئ.

وقال أبومجاهد إنَّه بالنظر إلى الاضطراب الإقليمي، فإنَّ هذا المنتجع الجديد يعتبر "مشروعاً شجاعاً وطموحاً" سيضيف المئات من فرص العمل لاقتصادٍ في أمسّ الحاجة إلى هذه الفرص. وأضاف أبومجاهد: "الوزارات اللبنانية تسافر في كل العالم لتشجيع المستثمرين على الاستثمار في لبنان. لو خضنا حرباً ضد هذا المشروع، الذي يمتلك كل الوثائق القانونية، والتصريحات، والأذونات، والقرارات القانونية، فما هي الرسالة التي نرسلها للمستثمرين؟ تعالوا إلى لبنان واستثمروا، وفي أية لحظة قد يقرر أحدهم أنَّ هذا مكانٌ عام ويوقفكم؟".

وقال أبومجاهد إنَّ الاعتراضات على المشروع سببها سوء الفهم، وفي بعض الحالات نظريات المؤامرة التي تفترض أنَّ الحكومة اللبنانية بأكملها محتشدة ضد الجمهور. وقال: "هذا ضد قوانين الطبيعة".

أما في الرملة البيضاء فإنَّ الفروقات الدقيقة للجدل القانوني لا تهم كثيراً معظم مرتادي الشاطئ. فالكثيرون فعلاً يعتقدون أنَّه من المسلم به أنَّ الحكومة متآمرةٌ ضدهم. وقال أبورامي، عامل المتجر: "هناك ساسةٌ يحتكرون كل شيء، يأتون ويأخذون المال، وينتهي كل شيء. بإمكانهم أن يفعلوا ما يشاؤون. ينبغي للشعب اللبناني أن يتحد. ستجد أناساً يخرجون للشارع ويتظاهرون ضد هذا القهر، ضد هذه السرقة، ثلاثة أرباع الناس مع أولئك المتظاهرين، لكنهم يمكثون في بيوتهم".

لماذا؟ أجاب أبورامي قائلاً: "ربما هم مشتتون. إنَّهم مشغولون في الحصول على لقمة العيش".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.