من دراسة الصيدلة بحلب تحت وقع القنابل إلى الدكتوراه في بريطانيا.. إليك قصة إنانة السورية

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

كان قد مضى على بدء إنانة العسَّاف لأحد اختبارات الصيدلة في جامعة حلب خمس دقائق فقط حينما انفجرت قنبلةٌ بالجوار. وتقول الطالبة، التي كانت تبلغ من العُمر آنذاك 22 عاماً، إنَّها قد سمعت ضجيجاً يصُّم الآذان لطائرةٍ حربية قبل سقوط القنبلة. وبعد ذلك، اهتز المبنى، وتحطَّم الزجاج وسقط على رأسها، وتعالت الصرخات والصيحات من الطوابق الأعلى.

وبينما جلست تتجمَّد من الصدمة والارتعاد، منحها المُراقِب الخيار: بإمكانها المغادرة إلى مكانٍ آمن، وإعادة الاختبار في الصيف، أو البقاء هناك وسط الفوضى وإنهائه، بحسب ما ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية.

وتسأل إنانة: "ماذا ستفعل (لو كنت مكاني)؟ كان التعليم هو الشيء الأهم في حياتي. لم أكن سأتوقَّف فقط لأنَّ الوضع كان خطيراً". ولذا، بقيت، إلى جانب معظم رفقاء صفِّها، وأكملوا الاختبار. وبينما كانوا يجيبون عن الاختبار، انفجرت قنبلةٌ أخرى بالخارج. وبعدما غادروا بعد ذلك بساعاتٍ، مرّوا في طريقهم إلى منازلهم بدماءٍ وسيارات إسعاف.

تقول إنانة، التي تبلغ من العُمر الآن 26 عاماً، وتعيش في مكانٍ آمن نسبياً في نورويتش بالمملكة المتحدة، إنَّها ترغب في مساعدة السوريين الذين لا يستطيعون مواصلة دراساتهم بسبب الصراع.

b

عُرِض على إنانة نفسها منحةً لدراسة درجة الدكتوراه في أبحاث السرطان بجامعة "إيسن أنجليا"، وتقول إنَّ تلك الفرصة غيَّرت حياتها. وتضيف: "لدينا في سوريا الكثير من الأشخاص الأذكياء الذين لا يستطيعون مواصلة دراساتهم. إنَّهم يرغبون حقاً في إكمال دراساتهم، لكنَّهم لا يستطيعون".

تُعاني الجامعات من أجل مواصلة عملها في خِضَم الحرب. وأينما يتمكَّنون من ذلك، يحاول الطلاب إكمال دراساتهم، لكن بالنسبة لمعظمهم، ليس الأمر سهلاً. عاشت إنانة بالقرب من أحد مبانى المخابرات الجوية، وهو هدفٌ للقصف والقنَّاصة. وتقول: "تعتاد رؤية الدماء على الأرض. وتقول فقط: الحمد لله أنَّني لم أكن هناك قبل 5 دقائق مضت، وإلا لكنتُ أُصِبت".

اضطَّرت إنانة للانتقال للإقامة مع عمَّتها في حلب الغربية بعد أن وصلت المنزل من الجامعة ذات يومٍ لتجد قذيفةً قد سقطت على غرفة معيشتها، ودمَّرت منزلها بالكامل. وكانت عمَّتها تعيش بالقرب من أحد المستشفيات، وتذكُر إنانة رؤيتها لكلابٍ تحوم حول جثثٍ موجودةٍ في الصناديق بالخارج.

ولم تكن الجامعة مكاناً أكثر أمناً. فكانت إنانة تضطَّر إلى الجري إلى الطابق السفلي في كل مرةٍ يكون فيها تهديد أو خطر، وقُتِل العديد من أصدقائها. وتقول: "اعتُقِل نصف أصدقائي، وبعضهم غادر البلاد، وبعضهم قُتِلوا بالرصاص في منازلهم".

لم تكن هناك كهرباء، أو ماء، أو تدفئة في الجامعة. وتضيف: "ليس لديك أي شيءٍ في المُختَبَر. وانتهى الأمر بنا نتلقَّى تعليمنا بواسطة أساتذةٍ حصلوا لتوِّهم على درجة البكالوريوس، لكنَّهم كانوا يتولَّون مناصب أساتذةٍ في الجامعة".

y

وعلى الرغم من ذلك، لم يكن بمقدور إنانة الانتقال إلى جامعةٍ خارج سوريا. وتقول: "حاولتُ في كافة الخيارات. حاولتُ الذهاب إلى لبنان، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، لكنَّهم لم يكونوا يقبلون شهادتي. والأمرُ أيضاً مُكلِفٌ للغاية".

ودعا المعهد الدولي للتعليم الجامعات لبذل المزيد من أجل مساعدة الطلاب السوريين للالتحاق بالتعليم في الخارج. وبالرغم من أنَّ بعض الجامعات، بما في ذلك جامعة "إيست أنجليا"، تُوفِّر الآن منحاً لهم، إلا أنَّ الطلاب السوريين لا يزالون يواجهون عقبات اللغة، وتأشيرات السفر، والتمويل في كثيرٍ من الأحيان.

كانت إنانة محظوظةً بما فيه الكفاية للحصول على الدعم، وحصلت على منحةٍ من "مؤسسة أصفري" في 2014 لدراسة درجة الماجستير في الطب الجزيئي بجامعة "إيست أنجليا".

لكنَّ المشكلات لم تتوقَّف حين وصلت إلى جامعتها الجديدة. فتقول إنانة إنَّها كانت مكتَئِبةً، وكان عليها طلب المشورة الطبية. وتضيف: "لم أكن مستقرَّةً نفسياً لأنَّني كنتُ في منطقة حرب، وفجأةً أصبحتُ في مكانٍ جميلٍ للغاية. اعتدتُ الاستيقاظ كل ليلةٍ على وقع استعادة الذكريات، والشعور كما لو كنتُ قد عُدتُ إلى سوريا".

وشعرت إنانة بالانقطاع عن الطلاب الآخرين، وتقول: "كانت هناك فجوةٌ كبيرة بين ما كان يجري هناك وما يجري هنا. أحياناً كنتُ أخبر الناس بأنَّني قدمتُ من سوريا، ولم يكونوا يتفهَّمون". وتراجعت درجاتها. وتقول: "لم أكتب مقالاً في حياتي، ولا أعلم كيف أشير لمصدر، أو أن أفعل أشياءً بسيطة". وبالإضافة إلى ذلك، كانت تعاني مع المحاضرات التي تُلقى بالإنكليزية.


منحة للدكتوراه


لكن رغم معاناتها في البداية، أكملت درجة الماجستير الخاصة بها، والشهر الماضي، يناير/كانون الثاني، قدَّمت لها جامعة "إيست أنجليا" منحةً لدراسة درجة الدكتوراه في أبحاث السرطان. وتقول إنانة إنَّه "أفضل شيءٍ حدث على الإطلاق" لها، وأنَّها تُخطِّط لتعمل بجِد لتتوصَّل إلى علاجاتٍ للسرطان بأسعار معقولة من أجل المُشرَّدين. وتُردِف: "اتَّصلتُ بعائلتي في حلب، وبكت أمي". وحتى على الرغم من كوْنها تحت ضغطٍ وخوفٍ كبيرين، كانت دوماً ما تدعو إلى أن تحقِّق حلمها وتحصل على درجة الدكتوراه الخاصة بها.

وانضم زوج إنانة إليها، وهو زميلٌ صيدلي، تزوَّجته أمام تجمُّعٍ من ذوي النوايا الطيبة في سوريا بعد التخرُّج. وتقول: "كان الناس قد مرُّوا بما يكفي من الحزن، ورغبنا في الاحتفال".

لكنَّ قلبها دوماً مع عائلتها في الوطن. وتقول: "أول ما أفعله حينما أستيقظ هو التحقُّق من الأخبار. ثم أتحقَّق من الوقت الذي دخلت فيه أمي وأختى إلى الإنترنت آخر مرة. إذا كان بالأمس، سأضطَّر إلى الاتصال للتحقُّق من أنَّهم بخير. وتمضي أيامٌ وأنا في حالة قلقٍ مستمر. أعتقد أنَّ كل سوري يُعاني من ذلك القلق داخل قلبه".

وترغب إنانة في عمل ما بمقدورها من أجل مساعدة الطلاب السوريين الآخرين. وتقول: "أرغب حقاً في التأكيد على أنَّني آمل بأن يكون هناك المزيد من الدعم للاجئين في الخارج. كنتُ محظوظةً بالحصول على منحةٍ لمواصلة دراستي، لكن هناك طلاباً آخرين لا يزالون هناك. وإذا ما منحتهم تعليماً، سيساهمون في إعادة إعمار البلاد".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.