مع عودة مياه الفيجة إلى دمشق.. مهن مهددة بالزوال وأخرى سيطالها النسيان من جديد

تم النشر: تم التحديث:
DAMASCUS WATER
STRINGER via Getty Images

بعد عودة مياه نبع الفيجة لدمشق عقب خروج قوات المعارضة بات "أبو أحمد" ليلته سعيداً؛ لأن عمله سيزدهر من جديد.

فعليه الآن أن يحمل أدواته ويذهب إلى الحي الذي كان مسؤولاً عن تنظيف أبنيته، فاليوم المهمة ستكون سهلة كما كانت في السابق، فالمياه عادت لمجاريها في العاصمة السورية.

يخبرنا أبو أحمد -وهو رجل خمسيني يقيم بمنطقة التضامن في دمشق- بأنه يعمل بهذه المهنة في عدد من أحياء العاصمة السورية كالمزرعة والجسر الأبيض، وهو عادة كان يقوم بالتنظيف مرة في الأسبوع لكل بناية، ولكنه خلال فترة أزمة الماء تقلص عمله كثيراً، حتى إنه في البداية بقي في المنزل عدة أيام؛ لأن أصحاب الأبنية رفضوا التفريط فيما يدخرون من مياه.

يقول لـ"هافينغتون بوست عربي": "صدمة قطع الماء كانت قاسية على سكان العاصمة، ولم يتمكنوا من التكيف مع الأمر في البداية، ولكن بعد نحو أسبوع تمكنوا من التعايش قدر المستطاع مع الأمر". وحينها، عاد لعمله، ولكن بشكل خفيف ومع جهد أكبر؛ لأنه كان مضطراً إلى استخدام المياه بواسطة الدلو وبأقل كمية ممكنة.

يحمد الله أبو أحمد لعودة المياه، ويقول إن الكثير من العائلات تعيش من مهن ترتبط بالمياه كالعاملين بتنظيف الأبنية والبيوت، وهؤلاء جميعاً لا يملكون أكثر من قوت يومهم، وفي حال توقفوا عن العمل ستحرم عائلاتهم من المال، والطعام.


مهن ستندثر


لكن في المقابل، أوجدت أزمة المياه الأخيرة مهناً جديدة وأعادت الحياة لمهن أخرى كانت تعاني النسيان، وربما من أبرزها السيارات التي تبيع الماء من خلال حملها صهاريج يختلف حجمها بحسب حجم السيارة نفسها، وهي في غالبيتها سيارات غير مرخصة، بالإضافة إلى أخرى مرخصة من قِبل المحافظة كانت تعمل بالأصل في هذه المهنة بمناطق السكن العشوائي أو الضواحي فقط.

وتحصل هذه السيارات على المياه من آبار خاصة موجودة في أطراف دمشق وضواحيها كجرمانا وصحنايا ودف الشوك وغيرها من المناطق، وعادة ما يشترون الـ1000 لتر؛ أي ما يعادل 5 براميل بـ600 ليرة ويبيعونها للناس بمبلغ يتراوح ما بين 2500-5000 حسب مستوى المناطق والوضع المادي لأصحابها، كما يختلف الرقم بحسب الجهة التي تشتري، سواء أكانت بيوتاً أم مطاعم.



damascus water

ويدعي أصحاب هذه الآبار أنها صالحة للشرب، ولكن غالبيتها ليست كذلك، وكثيراً ما اشتكى الناس من وجود رائحة كريهة لهذه المياه ولون غريب، لكنهم كانوا مجبَرين على الشراء؛ لنفاد الماء من خزّاناتهم.

وقال صاحب إحدى هذه السيارات، وهو ممن كانوا يمارسون هذه المهنة قبل أزمة المياه الأخيرة، إن الكثيرين زاحموهم على رزقهم ورفعوا الأسعار بغير حق، والأسوأ من ذلك أنهم كانوا يبيعون مياهاً غير ملائمة، كما أن سياراتهم غير مجهزة لهذه المهنة، وبذلك شوهوا سمعة الجميع.


مهن استعادت عافيتها بسبب الأزمة


حمام السوق الذي كان مخصصاً لاستحمام الدمشقيين في الماضي، عانى الإهمال في السنوات الماضية، وتقلصت أعداد هذه الحمامات في العاصمة القديمة حتى أصبحت معدودة على الأصابع، ولكن أزمة المياه الأخيرة أعادت لها الحياة من جديد، فهذه الحمامات تملك آباراً خاصة بها تزودها بما تحتاجه من مياه.

ويوضح صاحب أحد هذه الحمامات أن عمله في السابق كان قليلاً، وقبل الأحداث في سوريا كان يعتمد على الأجانب أكثر، ولكن مؤخراً بات الإقبال كبيراً على خدماته، لدرجة أنه خصص لكل زبون ساعتين فقط، ولا يُسمح له بالبقاء أكثر؛ كي يفسح المجال لزبون آخر، في حين أن الحمام في السابق كان مفتوحاً من ناحية الوقت.

وتختلف الأسعار في هذه الحمامات؛ فبعضها يكلف 500 ليرة كرسم دخول دون أي خدمة أخرى من وسائل التنظيف، ويرتفع الرقم إلى 800 ليرة في حال أراد الزبون الحصول على خدمة كاملة من صابون وشامبو وليفة وأيضاً خدمة "التكيس"، وبعضها الآخر يقدم خدماته مقابل 1500 ليرة.

ولكن الحظ العاثر طال صاحب أحد هذه الحمامات؛ إذ تعرضت بئره الخاصة للردم منذ عدة سنوات، واعتمد على مياه الفيجة التي كانت تغذي كل المدينة.



damascus water

ويقول صاحب هذا الحمام إنه خلال الأزمة تعرض لمشكلة حقيقية منعته من الاستفادة من فورة الإقبال على الحمامات؛ إذ كان يحصل على الماء كبقية الناس مرة كل 4 أيام، وهي تحتاج ليوم كامل كي يتم تسخينها، ومن ثم كان يفتح أبوابه للزبائن مرتين في الأسبوع فقط، ولهذا اضطر إلى رفع تسعيرته.

ويضيف أنه رغم تأخره عن غيره فإنه خلال شهر ديسمبر/كانون الأول 2016، استقبل زبائن يفوق عددهم مجموع ما زاره في العام السابق كله.

ويختتم حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي" قائلاً: "إنه بعد عودة مياه الفيجة لدمشق، ستعود هذه الحمامات القديمة لطي النسيان وتبقى مجرد ذكرى في حياة الناس".


نشاط غير مسبوق


الحال ازداد سوءاً إبان أزمة المياه الأخيرة؛ لأن المياه كانت تصل مرة كل 4 أيام، فبات الجميع يتنافس لملء خزانه أولاً؛ كي يكفيه خلال أيام الانقطاع. وأمام هذا التنافس، قرر أصحاب البيوت المنخفضة شراء مضخات لهم أسوة ببقية الطوابق.

ويوضح أحد التجار أن نسبة بيع المضخات زادت كثيراً في الآونة الأخيرة، وحتى الذي كان لا يحتاج لمضخة قرر شراء واحدة، ومن كان يملك مضخة صغيرة قام بتغييرها لواحدة أكبر.

وأشار إلى أن الأسعار كانت تتراوح ما بين 20 ألف ليرة إلى 150 ألفاً، بحسب قوة المضخة، أو كما يقال باللهجة المحلية (عدد الأحصنة)، وأيضاً بحسب بلد التصنيع إن كان صينياً أم إيطاليّاً.


مستودعات منزلية


تحولت البيوت، خلال أزمة المياه، إلى ما يشبه المستودعات، فالجميع يريد تخزين أكبر قدر ممكن من الماء خلال فترة ضخها، كما قرر البعض جلب كل ما تيسر له من المياه من خلال ملء "البيدونات" من الحدائق العامة أو الحنفيات التي نشرتها الدولة بالمناطق المرتفعة كمنطقة المهاجرين. وأمام الإقبال على التخزين هذا، شمر باعة البدونات عن سواعدهم واستعدوا لاستقبال هذه الطفرة التي ما كانوا يحلمون بها من قبل.

بدورهم، رفع التجار الأسعار حتى أصبح سعر "البيدون" سعة 20 لتراً نحو 1200 ليرة، وسعر "بيدون" سعة 25 لتراً 1500 ليرة، رغم أن دوريات التموين حددت الأسعار بـ800 ليرة و1000 ليرة على التوالي، ولم يقتصر الأمر على ارتفاع السعر، وإنما وصل الأمر إلى بيع نوعيات جديدة رقيقة غير صالحة للاستخدام؛ لمواجهة زيادة الطلب هذه.

ولكن، يبدو أن على أرباب هذه المهن التي ازدهرت خلال الأزمة أن يبحثوا عن مصدر رزق آخر بعد أن عادت مياه نبع الفيجة لمجاريها في بيوت دمشق.