وعدهم "برداً وسلاماً" وهم يخشون من فتح "باب جهنم" عليهم.. ترامب يقسم مسيحيي الشرق الأوسط

تم النشر: تم التحديث:
S
s

قال مسيحي في شمال العراق عن خطة ترامب، إنها مدعاة لانقسامات غير مبررة، فيما قال آخر إنها قد تهدد إخوته في الدين الذين ما زالوا يعيشون بالشرق الأوسط.

وفي دمشق، قال المحامي المسيحي بسام صباغ (56 عاماً)، في إشارة إلى تعهد ترامب بمنح اللاجئين المسيحيين الأولوية بإذن الدخول إلى بلاده، إن تلك خطة متعصبة تهدف إلى سرقة التنوع الديني من الشرق الأوسط، وتساءل: "من يظن نفسه كي يفرق ويميز بين البشر؟"، وفق صحيفة الغارديان.

الانتقادات التي كالها بعض مسيحيي العالم العربي انضمت إلى انتقادات عالمية عارمة استنكرت مرسومه الرئاسي الذي يقضي بمنع الهجرة من 7 بلدان ذات أغلبية إسلامية لمدة 90 يوماً مع استثناء أقليات دينية يُسمح لها بالهجرة منها.


منح اللجوء للمسيحيين


وقال ترامب في مقابلة له الأسبوع الماضي، إن منح اللجوء للمسيحيين المضطهدين سيكون أولوية، وركز كلامه على مسيحيي سوريا الذين عانوا على يد مسلحي تنظيم داعش الإرهابي؛ فمرسومه التنفيذي الذي وقع قراره الجمعة الماضي يمنع اللاجئين السوريين من الاستقرار في الولايات المتحدة إلى أجل غير مسمى مع كل بقية اللاجئين من جنسيات أخرى، وذلك حتى 4 أشهر.

لكن الواشنطن بوست أجرت عشرات المقابلات مع مسيحيين في العراق وسوريا ولبنان وغيرها من البلدان، كشفت عن الانقسام الشديد في الآراء حول مرسوم حظر اللاجئين هذا، حيث أثنى على ترامب بعض المسيحيين ممن يعيشون في الشتات أو النزوح عن ديارهم بصفة قد تكون دائمة، وامتدحوه على تسليط الضوء على ما زعموا أنه وجود اضطهاد تاريخي للمسيحيين رغم أنهم أكدوا عدم وضوح ما إذا كان في نيته الوفاء بتعهده أم لا.

بيد أن الصحيفة الأميركية أشارت كذلك إلى شعور بعدم الراحة رصدته بين صفوف هؤلاء إزاء إبداء رئيس أجنبي المعاملة التمييزية لأقلية على حساب الآخرين في شرق أوسط تعصف به الانقسامات أكثر من أي وقت مضى، حيث عبر هؤلاء عن أن هذا الحظر العنصري ما هو إلا صدى من أصداء المخططات المغرضة التي يمارسها حكام المنطقة نفسها في زج بلدانهم وسط انقسامات طائفية؛ بغية الانتفاع بالمكاسب السياسية. كانت هناك مخاوف من أن دعوة ترامب قد تقوض جهود المسيحيين الذين نادوا بالتكاتف فيما بينهم لإثبات مكانهم في المنطقة، تكاتف لا يتجزأ وسط تعددية الهويات الدينية المتنوعة في العراق وسوريا وغيرهما.



لكن الحزن خيم كذلك على تعميم الحظر على جيرانهم المسلمين. يقول يونادام كنا، العراقي المسيحي العضو في البرلمان (من شمال العراق): "نطلب من أصدقائنا مساعدتنا على البقاء، لا أخذنا من ديارنا. نحن هنا منذ 3000 سنة. ومن المهم أن يبقى المسيحيون هنا؛ لأن ذلك إن لم يتم فستحدث تغييرات ديموغرافية كبيرة في المنطقة".

وأضاف أن خطة أميركية أفضل قد تكون بالمساعدة في بناء القرى والبلدات المسيحية التي دمرها تنظيم داعش المتطرف، "فالبيوت والكنائس دُمرت وحُرقت، ونهيب بالأميركيين أن يساعدونا في الإعمار والترميم. لقد مضى أكثر من 100 يوم على تحرير نينوى، لكن لم يتخذ أي فعل لإعادة البناء ومساعدة المسيحيين على العودة إلى ديارهم؛ بل كل ما نحصل عليه كلام بكلام".

لكن مسيحيين آخرين قالوا إن الفاجعة الأخيرة كانت من الفداحة، لدرجة قد لا يظل معها مسيحيو المنطقة المحيطة بالموصل (شمال العراق) يراوحون مكانهم، فمدينة الموصل مدينة مهمة وهي الآن معقل داعش المحاصر.

"لا مستقبل للمسيحية في العراق"، هكذا قال الأب سمير شير، من كنيسة مار إلياس بأربيل (شمال العراق)، بعد قداس مساء الأحد، وأضاف: "هناك ميليشيات كثيرة شيعية وسنية وكردية، والكل يحاول فرض السيطرة. نحن نأمل أن يعود الناس إلى منازلهم، لكن ذلك صعب جداً، فالجيران سرقوا كل شيء ولا أمانة ولا ثقة بقيت".


أوروبا وأميركا لا تكترثان


ولا يعبر الأب سمير شير عن ثقته حتى بوعود الرئيس الأميركي، فيقول: "أوروبا وأميركا لا تكترثان، فهما تبيعان الأسلحة وتحصلان على النفط. إن قال ترامب شيئاً فلا ندري هل ينفذه أم لا، وأنا لست على ثقة بأنه سيسمح بدخول المسيحيين، ولكن ينبغي له ذلك".

وكان زحف داعش الدامي على المنطقة لم يسلم منه أحد بأي شكل ولم يترك المعاناة حكراً على أحد، فالمقابر الجماعية التي عُثر عليها في العراق وحده كشفت قيام التنظيم الإرهابي بإعدام مسلمين من السُّنة بصفة موظفين حكوميين متعاونين مع أفراد الطائفة الإيزيدية التي يكفّرها التنظيم.

وكان المتطرفون قد قتلوا أكثر من 1700 جندي مسلم شيعي قبل 3 سنوات، في أعنف موجة قتل جماعي طائفي بذاكرة العراق الحديثة. أما المسيحيون في الموصل وما حولها شمال العراق، فقد أُجبروا إما على التحول عن دينهم وإما على دفع الجزية وإما القتل، فيما أضرم المسلحون النيران في كنائسهم.

لكن وعود ترامب كان لها وقع دافئ على آذان بعض المسيحيين المهجَّرين الذين ما زالوا يحتفظون في آذهانهم بذكريات أليمة كانوا فيها قاب قوسين أو أدنى من موت محقق، ففي كنيسة بلبنان يوم الأحد قال هاني داود (50 عاماً)، إنه أُجبر على النزوح مرتين بسبب تنظيم داعش، الأولى كانت من بيته في برطيلة بالعراق عندما هرب مع عائلته فجراً قبل ربع ساعة من وصول مسلحي داعش إليها، حسبما قال.

وقتها، انتقل مع عائلته إلى القامشلي السورية قبل السفر إلى لبنان. يقول: "لقد عانينا أكثر من الكل في هذه المنطقة. هل سيزيد ذلك [يقصد وعد ترامب] من التوتر بين المسلمين والمسيحيين؟ بالطبع، نعم، ولكن هل بقي مجال لكي تتأزم الأمور بيننا أكثر؟".

بعد أيام من إصدار ترامب قراره لم تظهر أي أدلة على حصول المسيحيين على معاملة أفضل من غيرهم في أثناء سفرهم إلى الولايات المتحدة، ففي مطار فيلادليفيا الدولي احتُجزت عائلتان سوريتان مسيحيتان ثم رُحّلتا إلى قطر يوم السبت، حسب ما ذكرته صحيفة Philadelphia Inquirer الأميركية المحلية.

ديانا سركيسيان مسيحية آشورية كانت عائلتها قد لجأت إلى أستراليا قبل عقد من الزمن، تقول إن لها أقرباء في تركيا أُوقفت معاملاتهم التي تقدموا بها للجوء في الولايات المتحدة الأميركية، وقالت: "لقد قيل لهم: (لا تأملوا كثيراً)".

وتتابع سركيسيان القول: "جميعنا بشر، والتفرقة بين المسيحيين والمسلمين أمرٌ خاطئ كلياً". فمع اتساع رقعة المعاناة في العراق التي طالت العديد من الأقليات العرقية والدينية، فإن رؤية محاباة المسيحيين وتمييزهم في المعاملة قد تجعلهم مستهدفين، حسب قولها.

وعن قرار ترامب، قالت: "هذا مستنقع خطر".

جوليانا تيمورازي، مسيحية آشورية وناشطة في مدينة شيكاغو، قالت عن الوضع إنه "مسألة معقدة جداً". وبصفتها لاجئة سابقة هربت عائلتها من الاضطهاد، فقد قالت إن أفراد طائفتها في العراق يواجهون "الانقراض"، وإنهم يستحقون المعاملة التمييزية إن شاءوا تقديم طلب للجوء في الغرب. "لكنه إن فتح الأبواب، فلن يبقى أحد في العراق ليحافظ على جذورنا هناك"، تقول تيمورازي التي تجمع الأموال لإعادة بناء الجاليات المسيحية في العراق والتي تنادي بتأسيس محافظة متعددة العرقيات فيما حول الموصل.

وتختم بالقول: "عندما نرى قائداً يجعل التركيز ينصب علينا، نشعر بنفحة هواء نقي، ولكن إن استثنيت نفسك عندها تدرك أن الرسالة ينبغي أن توحد الجميع. أفهم ما يقوم به ترامب، ولكن ينبغي التفكير فيه أكثر، فالطريقة التي يتبعها خاطئة".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة، اضغط هنا.