مشاعر الإيثار متأصِّلة فينا منذ ملايين السنين.. لماذا مقولة "الإنسان ذئبٌ لأخيه الإنسان" كاذبة؟

تم النشر: تم التحديث:
PEOPLE HELP EACH OTHER
Ten friends are walking in a field at sunset while holding together. | TommasoT via Getty Images

تعتبر المقولة الفلسفية الشهيرة "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان" مجرد أكذوبة، إذ أن العمل التعاوني هو جزءٌ لا يتجزأ من شخصية الإنسان.

ونشرت مجلة Ça m’intéresse الفرنسية، تقريراً يوضح الأسباب التي تكذب هذا الادعاء، نستعرضها فيما يلي:


1 - هل يعد فعلاً الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان؟


في الحقيقة هذه الفكرة خاطئة كلياً، خاصة وأن تصرفات الإنسان تنم على العكس تماماً. فعلى سبيل المثال، لماذا يترك الناس البقشيش لشخص لا يعرفونه وربما لن يروه مرة أخرى؟، على الرغم من أن بعض البخلاء قد يفكرون قبل فعل ذلك لأكثر من مرة.

وفي المقابل، يؤكد هذا التصرف على أن الإنسان ليس أنانياً ولا بخيلاً بطبعه. وفي هذا الإطار، أوردت أخصائية علم النفس التطوري، لينا كوسميد، أن "مشاعر الإيثار وحب الغير قد ولدت داخل الإنسان منذ ما يقارب المليون سنة، فهذه المشاعر انتقلت جينياً من الأب والأم للأطفال، عندما كان الإنسان يعيش وسط مجموعات محدودة العدد".

وتضيف كوسميد، "وكانت العلاقة بين أفراد العائلة مبنية أساساً على التقارب والتعاون قبل أن يتكاثر الإنسان ليؤسس فيما بعد المجتمعات الحضارية. إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن قيم مساعدة الغير ليست موجودة داخل المجتمعات المتحضرة، إلا أن غريزة البقاء تطغى على مشاعر الإيثار".

وفي هذا السياق، أجرى عدد من الباحثين دراسة تقوم على إجراء مقارنة بين الناجين من حادثة غرق سفينة التايتانيك في سنة 1912، وناجين آخرين من حادثة غرق سفينة لوسيتينيا في سنة 1915. وتوصل العلماء إلى أن قرابة 53% من النساء اللاتي تواجدن على متن التيتانيك كان لديهن حظوظ أوفر في أن يتم إنقاذهن من قبل الرجال آنذاك، أكثر من النساء اللاتي تواجدن على ظهر السفينة الأخرى، إذ لم تتجاوز نسبتهن 1.1%.

وتجدر الإشارة إلى أن سفينة التيتانيك سارت في عرض البحر قرابة ثلاث ساعات قبل غرقها، أما سفينة لوسيتينيا فلم يمض على توغلها في المياه سوى 18 دقيقة قبل أن تغرق.


2- المجتمع يسير شيئاً فشيئاً نحو "الفردية"




altruism

هذه النظرية خاطئة أيضاً. قد نشاهد أحياناً اعتداءات تطال أناساً أو مارة في محطة المترو بدون أن يتدخل أي شخص للدفاع عنهم.. فهل يعني ذلك تفشي اللامبالاة؟.

وفي هذا الصدد، أجابنا الأستاذ الباحث في علم النفس الاجتماعي، نيكولا غيغان، قائلاً "في الأغلب، نحن نعلم تماماً كيف يجب أن نتصرف، ولكن حينما نتعامل مع إنسان يعاني من ضغوطات نفسية أو يمر بمحنة، فيصعب علينا تحديد الطريقة الأنسب للتصرف في مثل هذه المواقف".

في الحقيقة، يمكن أن نبرر عدم تدخل أي شخص لإنقاذ المعتدى عليه في محطة المترو، بأن الموقف لم يكن شديد الخطورة. في المقابل، إذا بادر أحدهم للمساعدة فسترى الجميع يشدون من أزره.

علاوة على كل ذلك، يرى غيغان أن طبيعة الإنسان وسلوكياته تتغير حسب المكان والمدينة التي يسكن فيها.

ويراهن عالم النفس الكندي، فيليب روشتون، على أن المدن تؤثر في سلوكيات الناس بشكل كبير. وحسب إحدى الدراسات الأميركية، فإن قرابة 72% من الأميركيين عادة ما يلتقطون أشياء ألقاها متهورون في الشارع ويضعونها في الحاوية. وفي حال كنت من سكان مدينة نيويورك وطلبت استعمال هاتف أحد المارة، فإن حظوظك في الحصول على يد المساعدة تقل بنسبة كبيرة.


3- النساء يبادرن للمساعدة أكثر من الرجال


تعتبر هذه الفكرة خاطئة وصحيحة في الوقت نفسه.

عموماً، تقضي المرأة معظم وقتها في الاعتناء بالعائلة، في حين أن دور الرجل يعتبر ثانوياً في هذه المهمة. كذلك، تعطي المرأة من مالها الخاص أكثر مما يعطيه الرجل.

في المقابل، وحسب إحدى الإحصائيات، فإن نسبة 46 % فقط من النساء يتبرعن بالدم طيلة حياتهن، في حين تتجاوز هذه النسبة عتبة 57% بالنسبة للرجال، نظراً لأنهم يتحملون أكثر وخز الإبر.

وفي سياق آخر، تحدث غيغان، عن دراسة علمية أجراها مجموعة من الباحثين على شخصين من المارة في الطريق، الأول كان امرأة، أما الثاني فكان رجلاً، وطلبوا منهما الحديث في كلمتين عن آخر عمل تعاوني قاما به.

وأكدت المرأة أنها شجعت مؤخراً أحد المقربين منها على تحقيق أحد أهدافه، أما الرجل فصرح بأنه قام بعمل لصالح المجتمع. بعد ذلك، طُلب منهما التبرع بالدم. وفي الأثناء، استجاب الرجل مباشرة للطلب، في حين كانت ردة فعل المرأة عكسه تماماً.


4- لا يوجد هناك شيء اسمه "لا مبالاة"


هذا صحيح، خاصة وأن أغلب الناس لا يتوانون عن تقديم المساعدة وذلك لعدة أسباب، فإما لأنهم يعتبرونها واجباً أو لأنهم يرون تركها عملاً مذموما، أو ربما لأن ذلك يشعرهم بالسعادة.

وفي هذا السياق، قالت الباحثة في قسم البيئة والتطور في جامعة لوزان السويسرية، كريستين كلافيان، إن "إنقاذ طفل من الغرق، لا يعد عملاً تعاونياً عادياً، بل هو عمل نقي نابع من القلب. إن أي شخص يقدم على مثل هذا التصرف ويلقي بنفسه في الماء البارد لا يطمح مطلقاً في أن ينال إعجاب وهتافات الناس وإنما هناك شيء متأصل داخله دفعه للمخاطرة والقيام بذلك".

ومن جهة أخرى، لا يعني ذلك بالضرورة أن كل الناس مستعدون فعلاً للقيام بأعمال تعاونية.


5- الأطفال يتميزون بالأنانية




kids love

إن هذه الفكرة غير صحيحة البتة، وخير دليل على ذلك أنه في حال أوقع إنسان بالغ شيئاً من ثيابه وهو يهم بوضعها داخل الغسالة وإلى جانبه طفل يبلغ من العمر 18 شهراً، فسيترك هذا الأخير ألعابه محاولاً التقاط ما على الأرض وإعادته لصاحبه.

وعموماً، إن "مد يد المساعدة؛ هو عبارة عن ممارسة زرعت داخل الإنسان منذ نعومة أظفاره"، على حد تعبير المختص في علم النفس، فيليكس ويرنيغن.

وأكدت إحدى الدراسات التي أجريت على أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 سنوات و12 سنة، أن حوالي 29% من الأطفال مستعدون لمشاركة ألعابهم الخاصة مع الأطفال الآخرين.


6- الكرم؛ هو عبارة عن مسألة تربوية بالأساس


هذه النظرية فيها جانب من الصحة وجانب من الخطأ.

في الواقع، أجرى مجموعة من العلماء دراسة على العديد من التوائم، أثبتوا من خلالها أن صفة "الكرم" هي شيء موروث جينياً بنسبة 30% إلى 60%. وبالتالي، فإن هذه الصفة الحميدة ليست ناتجة فقط عن التربية السليمة، وإنما هناك أسباب جينية تكمن وراء اكتساب المرء لقيم التعاون.


7- المتدينون هم أكثر الناس إخراجاً للمال


في الواقع إن هذه المقولة صحيحة. فعلى سبيل المثال، حوالي 15% فقط من الفرنسيين يطبقون تعاليم المسيحية في حياتهم. وفي الأثناء، قرابة 59% من هؤلاء المتدينين يشاركون في أعمال تعاونية وعلى استعداد دائم لتقديم صدقات مالية، في حين أن ما يناهز 41% من غير المتدينين لا يقدمون على مثل هذه التصرفات.


8- العطاء يشعر بالارتياح


طبعاً هذا صحيح، خاصة وأن المال لا يمكنه أن يشتري السعادة. خلافاً لذلك، حين يعطي الإنسان من ماله صدقات وتبرعات للمحتاجين، يستطيع أن يحس فعلاً بالراحة النفسية والصحية.

وهذا ما أثبتته الأخصائية في علم النفس، إليزابيت دون، حيث طبقت تجربة "تبادل الأشياء" على طلابها واكتشفت أن من يعطي أكثر تظهر عليه علامات الراحة والسرور.


9- الكرم والسخاء؛ مصدر للسعادة


هذا مما لا شك فيه.

عادة ما يشعر العاملون في المطاعم بالسعادة عندما يكون اليوم مشمساً، فاليوم الجميل، يعني إقبال العديد من الزبائن، وبالتالي سيزيد البقشيش أيضاً. ومن ناحية أخرى، أشار المختص في علم النفس، مايكل كانينغهام، إلى أنه "إذا ضحكت إحدى السيدات في وجه شخصٍ ما وهما بصدد صعود السلالم، فذلك يعزز من احتمال تدخله لمساعدة شخص آخر أوقع شيئاً ما على الأرض بنسبة 45% دون أن يطلب منه ذلك".

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Ça m’intéresse الفرنسية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.