"هل حياتنا تهون مقابل إخفاء الروائح الكريهة عن السيسي؟".. هكذا يروي أهالي أسوان تفاصيل كارثة مصرف "السيل"

تم النشر: تم التحديث:
MSRF
social media

"لن تستطيع أن تقف دقيقة حداد على ضحايا تلك الكارثة من شدة الريحة"، هكذا وجه ضياء الحاج أحد أبناء قرية أبو الريش بمحافظة أسوان حديثه إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، متحدثاً عن أزمة مصرف "السيل" التي اندلعت في أسوان قبل أيام من زيارة الرئيس للمحافظة للمشاركة في مؤتمر الشباب الشهري الثاني داخل المحافظة.

الحاج قال في تصريحات خاصة عبر الهاتف لـ"هافينغتون بوست عربي" إنهم كانوا سعداء بزيارة الرئيس تخيلاً منهم أنها بداية لمعالجة كارثة مصرف السيل وإلقاء مياهه داخل مياه النيل، "إلا أننا فوجئنا بمد مواسير من المصرف لعمق النيل، من أجل راحة الرئيس ومنع استنشاقه رائحة كريهة، اعتباراً أن هذا الأمر أهم من منع انتشار الأمراض داخل القرى المجاورة للمصرف حتى أصبح السرطان سبباً لـ80% من حالات الوفاة ومعظمهم قبل في العقد الرابع والخامس من العمر"، على حد قوله.


اندلاع الأزمة قبل 48 ساعة من وصول الرئيس


الدكتور هشام جمال، أستاذ الجغرافيا في كلية آداب أسوان، قال إن أزمتنا مع مصرف السيل كوني أحد القاطنين بمدينة أسوان، مستمرة منذ سنين كثيرة، وفشلت محاولات حلها بشكل جذري رغم الوضع الكارثي والبيئي لهذا المصرف.

وأضاف "لكن ما تسبب في اندلاع الأزمة قيام المحافظة قبل أيام قليلة بمد مواسير لعمق نهر النيل، لمنع انبعاث روائح مصرف السيول أثناء زيارة الرئيس دون مراعاة للأبعاد الكارثية للأمر".

وعن تاريخ الأزمة تحدث جمال لـ"هافينغتون بوست عربي"، قائلاً إن هذا المجرى تم إنشاؤه في ثلاثينيات القرن الماضي لمواجهة مياه السيول وتوصيلها إلى نهر النيل، إلا أنه مع مرور الزمن ومنذ بداية فترة سبعينيات القرن الماضي، بدأ الأهالي في توصيل مواسير الصرف الصحي تجاه هذا المجرى، ومع الوقت أصبح المصرف الأساسي للكتل السكانية وما بها من ورش دون تدخل للدولة لوقف تلك الكارثة.

وأضاف "بل تقوم الآن المستشفيات العامة مثل مستشفى الصدر ومستشفى أسوان بإلقاء مخلفاتها داخل المصرف".

120 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يتم إلقاؤها بالنيل يومياً، بخلاف أكوام الزبالة التي تلقى بالمصرف، وتفاعلات تلك المواد كونت روائح كريهة عند نقطة مصب المصرف بنهر النيل، والقريب من مقر إقامة الرئيس أثناء زيارته لأسوان، دون الشروع في الحل المطروح من فترة كبيرة بإنشاء محطة رفع كبيرة تغير مسار هذا المصرف لمنطقة العلاقي البعيدة عن نهر النيل واستخدام مياهه في ري غابة الأشجار الكبيرة هناك، وهذا ما تسبب في غضب كبير بين الأهالي.


بلاغات من نائب المحافظة والأهالي وتعنت من المحافظ



ورغم جهود الكثير من أهالي قرى أسوان المتضررة لوقف تلك الأعمال إلا أن جميعها قوبلت بالرفض من قبل المسئولين المحليين بالمحافظة، وهذا ما دفع الكثير منهم لتقديم بلاغات رسمية ضد المحافظ للتضرر من تلك الأعمال.

ومع ضغوط الأهالي حرر عضو مجلس النواب عن المحافظة شرعي محمد صالح، محضراً مماثلاً ضد رئيس شركة مياه الشرب والصرف الصحى بأسوان، ورئيس الإدارة المركزية لري أسوان، ومدير هندسة الري بأسوان، ومدير حماية النيل.


في المقابل أصدر اللواء مجدي حجازي، محافظ أسوان، بياناً أعلن فيه عن استكمال تلك الإجراءات التي تم اتخاذها فى ملف مصرف السيل للقضاء نهائياً على الروائح الكريهة بتلك المنطقة، معلناً أن هناك لجنة تم تشكيلها لدراسة الأمر أوصت بحل علمي وهو إلقاء أوكسيد الكالسيوم بنسب محددة فى مخر السيل للتفاعل مع البكتيريا الضارة، متجاهلاً كافة مطالب أهالي أسوان.


الرئيس مرَّ هنا


وقبل ظهيرة يوم الجمعة 27 يناير/كانون الثاني بدقائق معدودة وعلى ضفاف نهر النيل حيث يقع فندق هلنان التابع للقوات المسلحة، مقر إقامة وفود المؤتمر ومقر انعقاد فعالياته، انطلق موكب الرئيس السيسي باتجاه المسجد الجامع الكبير الذي يبعد حوالي 300 متر فقط عن مقر الإقامة، وبتلك المسافة القصيرة بطريق كورنيش النيل مر الرئيس السيسي على مصب مصرف السيل بعد أن قام المسئولون بتغطية تلك المساحة بفراشة من الصوان.

فيما أكدت وفاء عشري من أبناء أسوان، أن الكارثة الكبرى أن تلك المواسير عبارة عن قنبلة موقوتة من الممكن أن تنفجر في أي وقت، وبالإضافة إلى الكوارث البيئية لمد مياه ملوثة لداخل نهر النيل، هناك تخوفات كبرى من انسداد تلك المواسير في وقت لن يزيد عن 3 أشهر مع استمرار ظاهرة إلقاء القمامة بالمصرف، وهو ما يمثل كارثة داخل المدينة بارتداد مياه الصرف إلى شوارعها.


انتظروا كارثة انسداد المواسير


عشري قالت في تصريحات لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن تلك الكارثة البيئية بالتأكيد تمثل خطراً على جميع المصريين كون النيل هو شريان الحياة لنا، إلا أن الأكثر تضرراً هم سكان 5 قرى تقع شمال نقطة التقاء المصرف مع النيل، وهي قرى أبو الريش قبلي وأبو الريش بحري وبهريف والخطارة والأعقاب، حيث وصل أعداد المصابين بالفشل الكلوي بها إلى 600 حالة في الوقت الحالي.



msrfassyr

ومن كوارث مد تلك المواسير أن غطاس مياه الشرب لتلك القرى يقع في عمق نهر النيل، وهي النقطة الأقرب لمجرى مياه الصرف داخل النهر، لتزيد نسب الإصابة بالأمراض داخل تلك القرى بتلوث مباشر لمياه الشرب، بجانب التلوث الدائم لري الزرع بتلك المياه الملوثة بشكل مباشر.

وتكمل عشري حديثها قائلة "عقب المصرف بـ300 متر هناك عوامة للري التي تغذي المناطق الزراعية للقرى، وهو ما يتسبب في تلوث الثمار واستمرار معاناة أكثر من 50 ألف نسمة بتلك القرى.


مثل مؤتمرات الحزب الوطني


يعود ضياء الحاج ليروي عن آخر حالة وفاة نتيجة مرض السرطان بالقرية، والتي كانت لرجل في العقد الخامس من العمر من أيام قليلة، حيث توفي داخل القطار عندما كان عائداً من رحلة علاج بالقاهرة، والموت ينتظر العشرات مع انتشار سرطانات الجهاز الهضمي والتنفسي بالقرى، حتى الأجنة لم تسلم من هذا الأمر مع نزولها للحياة بأمراض الجهاز الهضمي.

وفي حديثه للرئيس السيسي يقول الحاج "إذا لم تكن تلك المؤتمرات التي تقيمها يا سيادة الرئيس سبباً لحل تلك الكوارث، فإنها تكون مثل مؤتمرات الحزب الوطني، وأصبحت الحياة الجميلة فقط في مسار مرور موكبك، ويستمر الأهالي في شرب مياه تملأها العفونة، فهل هذا الأمر يستحق أن يحدث لنا حتى لا تشم رائحة كريهة نعيش بها دائماً".