استخدمه المصريون والإغريق والرومان ويريد ترامب استلهام أساليبهم.. هكذا ردَّ الخبراء على جدوى "التعذيب"

تم النشر: تم التحديث:
S
s

هل يجدي التعذيب نفعاً؟ دونالد ترامب يعتقد ذلك. إذا كان الاستعمال المستمر للتعذيب على مدار آلاف السنين من التاريخ البشري يشير إلى فعاليته، فربما يكون دونالد ترامب على صواب.

لقد كان استخدام الإكراه، بما في ذلك إلحاق الألم والمضايقة الشديدة للشخص الخاضع للتعذيب، من أجل استخراج المعلومات أمراً جاذباً للأفراد المكلفين بحماية الشعب، وكذلك للمجرمين والمرضى النفسيين وأمراء الحرب والطغاة والساديين، حسبما ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية.

المصريون والإغريق والرومان استخدموا جميعاً التعذيب، حيث كانت حقبة "القرون الوسطى" ترسل صورة ذهنية -يرجع ذلك جزئياً إلى فيلم Pulp Fiction- للأدوات الوحشية المستخدمة لإجبار الناس على الكشف عن أي شيء يفضلون كتمانه.

لكن الإغراءات لممارسة التعذيب واضحة، وتدعمها عشرات الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والكتب التي تروج لضرب السجناء بعنف بواسطة أشخاص يستخدمون أساليب غير مألوفة -لكن تُحركهم دوافع أخلاقية- حين لا يسمح الوقت بإبداء أية اعتراضات ليبرالية على أفعالهم.

ورغم ذلك، فالحقيقة أكثر تعقيداً، وهو ما سيعترف به حتَّى أكثر خبراء الاستخبارات قسوة. المشكلة الأولى تتمثل في أنه من الصعب للغاية جمع معلومات مفيدة وفعالة من أي فرد تحت وطأة التعذيب، فأي شيء يقال تحت الإكراه لا يمكن الاعتماد عليه أصلاً. لهذا يمثل التعذيب مشكلة من الناحية التكتيكية، ناهيك عن الناحية الأخلاقية.


ماذا يحصل المحقق من التعذيب؟


إذا صرخ شخص من التعذيب وقال إن هناك قنبلة سوف تنفجر في مكان معين، فهل يمكنك التصرف بناءً على هذه المعلومات التي ربما أخبرك بها هذا الشخص فقط ليتجنب ألم التعذيب؟ بدلاً من ذلك، يمكنك التصرف بناءً على الأدلة والإرشادات لتجنب الانفجار الحقيقي الذي ربما لا يعرف الشخص الخاضع للتعذيب عنه أي شيء أو قد يضيع الوقت والموارد الثمينة.

من جانبه، يقول أحد الجلادين السابقين في عصر صدام حسين عندما خضع للاستجواب في سجن كردي عام 2003 "يمكنك دائماً جعل الشخص يتحدث.. لكن المشكلة تكمن في ماهية ما يقوله".

المحاكم بدورها تتعرف على حالات التعذيب ولا تعترف بأي أدلة جمعت في مثل هذه الظروف. هذا قد لا يزعج المحققين، لكنه يزعج رؤساءهم -وصولاً إلى القائد الأعلى- الذين يأملون في تحقيق إدانة نهائية لأي متهم.

إن الطريقة الوحيدة المعول عليها لاستخراج المعلومات، كما قال علي صوفان أحد المحققين البارزين ذوي الخبرة في مكتب التحقيقات الفيدرالي بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، هي بناء علاقة مع المتهم. لقد جرب علي صوفان هذه الطريقة مع أبي زبيدة، أحد أبرز مقدمي الخدمات اللوجستية في تنظيم القاعدة، واستخرج معلومات مفيدة مثل اسم مدبر أحداث 11/9، خالد شيخ محمد.

لكن وكالة الاستخبارات المركزية اعتبرت طريقة صوفان ضعيفة للغاية، واستبدلتها بالتعاقد مع وكلاء استحدثوا أساليب عنيفة مختلفة لانتزاع المعلومات، بما في ذلك تعريض المتهم للإيهام بالغرق. لكن ما حصلوا عليه من معلومات من جراء التعذيب لم يثبت على الإطلاق أن نهج صوفان هو الخاطىء.

الواقع أن تعذيب خوسيه باديلا، العضو السابق في عصابة بكاليفورنيا، بالإيهام بالغرق في عام 2002 قد حوله من متشدد صغير إلى رجل تآمر لشن هجوم باستخدام "قنبلة قذرة" ضد الولايات المتحدة. هذه المؤامرة المفترضة ثبت أنها كانت تستند إلى مقالة قرأها خوسيه على الإنترنت، وكانت لا قيمة لها على الإطلاق.

لقد ثار الجدل حول ما إذا كانت أعمال التعذيب قد بلغت ذروتها مع مقتل أسامة بن لادن في عام 2011، فالمعلومات الاستخبارية التي أدت إلى نجاح هذه العملية جاءت من تيارات متعددة على مدى أكثر من عقد من الزمان، وبمجهود الآلاف من المحللين. وجُمعت الكثير من هذه المعلومات إلكترونياً، وجاء الكثير منها من شركاء (استخدم بعضهم التعذيب بشكل منهجي)، في حين جاءت بعض المعلومات من المصادر المفتوحة، لكن الكثير من المعلومات جاءت من أناس اقتنعوا بالكشف عن المعلومات دون أي إكراه بدني.

على الجانب الآخر، لا يوجد دليل قاطع على أن تعذيب المشتبه بهم في تنظيم القاعدة، مثل خالد شيخ محمد، الذي تعرض للتعذيب بالإيهام بالغرق عشرات المرات، كان العنصر الرئيسي الذي سمح بالعثور على بن لادن وقتله. لكن وكالة الاستخبارات المركزية زعمت أن المعلومات جاءت نتيجة التعذيب، وهو أمر أنكرته لجنة مجلس الشيوخ التي حققت في هذا الأمر.

وقال تقرير لجنة التحقيق "في غضون أيام من الغارة على مجمع [بن لادن]، صرح مسؤولون في وكالة الاستخبارات الأميركية أن معتقلين لدى الوكالة هم من كشفوا عن المعلومات "السرية" عن أبي أحمد الكويتي [المرسال الذي أخبر عن مخبأ أسامة بن لادن]. لكن تبين من استعراض سجلات وكالة المخابرات المركزية أن الاستخبارات الأولية، فضلاً عن المعلومات المتعلقة بأبي أحمد الكويتي التي اعتبرتها وكالة الاستخبارات المركزية الأكثر أهمية أو الأكثر قيمة، لا علاقة لها بأساليب الاستجواب المعززة التي تستخدمها وكالة الاستخبارات المركزية".


تكاليف باهظة


كل هذه القضايا، التي تجاهلها أنصار التعذيب دون مبالاة، تعد مهمة للغاية. ونظراً لتكاليف التعذيب الباهظة، فهذه القضايا كبيرة بما يكفي لتفوق أي مكاسب تكتيكية من التعذيب لو كان هناك أي مكاسب أصلاً.

فهناك أولاً تكلفة يتكبدها الجلادون الذين نشعر بالقليل من الشفقة تجاههم، فالبلد الذي يلجأ للتعذيب يتعين عليه التعامل مع عشرات ومئات، بل آلاف من الأفراد الوحشيين المصابين بصدمات نفسية جراء التعذيب.

هناك أيضاً عواقب على المؤسسات المعنية - وكالة الاستخبارات المركزية والجيش وكل مؤسسة تتورط في ذلك الأمر، فالتعذيب مثير للجدل والخلاف دائماً، حيث يقسم الزملاء ويضعف معنويات رفاق السلاح، ويجرد الشرعية التي تشتد الحاجة إليها في عيون الجمهور الحذر والمتشكك من أولئك الذين يقاتلون نيابة عنه. وهناك أيضاً عواقب على الدول التي قد تعاني من تضرر سمعتها "القوة الناعمة" بشكل كبير.

وهناك أمثلة تاريخية متعددة تدل على ذلك الأمر، فحينما سمحت إدارة جورج دبليو بوش بممارسة التعذيب المنهجي في مراكز الاحتجاز التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية وغيرها في الفترة من 2002 إلى 2008، فهي لم تأخذ العظة من دروس فيلم معركة الجزائر للمخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو، حيث كانت القوات الفرنسية التي تقاتل الإسلاميين والقوميين في إحدى المدن بشمال أفريقيا في عام 1956 تستخدم التعذيب لانتزاع المعلومات التي كان يتم استخدامها لإحداث تأثير تكتيكي كبير. بدورها، نظمت وزارة الدفاع الأميركية لقاءً لمشاهدة الفيلم في عام 2003.

وبعد سنوات، شاهد كبار مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية والجنود الفيلم مرة أخرى. حينها، كانت "الحرب على الإرهاب" تسير على نحو سيئ، مع انتشار الفوضى في العراق واستمرار الهجمات الإسلامية في جميع أنحاء العالم. لكن هذه المرة أخذوا درساً مختلفاً، فقد حققت القوات الفرنسية انتصاراً قصير الأجل اعتمد جزئياً على التعذيب، لكن على المدى الطويل تعرضت القوات الفرنسية لهزيمة ساحقة في الجزائر في غضون ست سنوات.

لقد لعب الاستخدام المنهجي للتعذيب دوراً هاماً في فشل القوات الفرنسية في الحفاظ على مستعمراتها في الجزائر، بل وسبب صدمة لعشرات الآلاف من المجندين، وقوض الدعم المحلي للجيش -وبالتالي الحرب– وأعطى للعدو دافعاً للتطرف، مما شوه سمعة فرنسا كدولة ديمقراطية في جميع أنحاء العالم. وكان لممارسة التعذيب عواقب غير صحية للغاية بالنسبة لفرنسا كأمة لعقود بعد ذلك. فقد تسبب التعذيب في التوتر الشديد للعلاقات مع الجزائر المتحررة حديثاً، وظل يضر بالعلاقات الدبلوماسية الفرنسية في جميع أنحاء المنطقة وخارجها.

لقد دفعت الولايات المتحدة الكثير من هذه التكاليف على مدى العقد الماضي، وما زالت تدفع. وإذا كان ترامب يعتقد بأنَّ "التعذيب يجدي نفعاً"، فمن غير المرجح أن يكون لديه أدنى فكرة عن تكلفة هذا التفكير.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.