تشعر بألمٍ في جسمك ولا يستطيع طبيبك تفسيره؟ اجعله يقرأ هذا وسيشعر بالحرج أمامك

تم النشر: تم التحديث:
S
s

في ليلة من ليالي شهر مايو جلست زوجتي في السرير، وقالت "لدي ألم بشع هنا، في هذا المكان." ثم تحسست بطنها وامتعض وجهها. "يبدو أن شيئاً ليس على ما يرام بالمرة." أوضحت وأنا أتثاءب أن الساعة الثانية فجراً وسألت أي نوع من الألم تعني. قالت "مثل شيء يعض فيّ ولا يتوقف"، كتب جون والش في تقرير نشرته صحيفة الغارديان.

قلت لها مهمهماً "تماسكي، سأساعدك" أحضرت لها قرصين من دواء الإيبوبروفين مع بعض الماء، فابتلعتهم وهي تمسك يدي وتنتظر أن تهدأ الآلام.

بعد ساعة عادت لتجلس في السرير مرة أخرى في محنة حقيقية كما يبدو. وأضافت "إن الوضع أسوأ الآن، سيئ حقاً. هل يمكنك الاتصال بطبيب؟".

بمعجزة أجاب طبيب الأسرة على الهاتف الساعة الثالثة فجراً واستمع للأعراض ثم قال "قد تكون زائدتك الدودية. هل قمت بعملية جراحية لإزالتها؟".

أجابت أنها لم تفعل.

وتوقع "يمكن أن يكون التهاب الزائدة الدودية، لكن إذا كان الوضع خطيراً سيكون الألم أسوأ بكثير. اذهبي إلى المستشفى في الصباح، ولكن في الوقت الراهن تناولي بعض أقراص الباراسيتامول وحاولي النوم."

لم تمض نصف ساعة أخرى حتى ساءت الحالة أكثر واستيقظت للمرة الثالثة، ولكن هذه المرة مع ألم وحشي ولا يمكن احتواؤه ما جعلها تصرخ بشدة. كان وقت الهمهمة بتطمينات شفوية والمماطلة الزوجية قد انتهى. اتصلت بسيارة أجرة وارتديت ملابسي بسرعة وألبستها ثم أسرعنا إلى مستشفى سانت ماري ببادينغتون قبل الساعة الرابعة فجراً بقليل.

الانفعال الذي رافق الحركة جعل الآلام تهدأ قليلاً بسبب الالتهاء. جلسنا لساعات بينما يملأ الأطباء الأوراق ويقيسون ضغط الدم ويجرون الاختبارات. قام الطبيب المقيم بشك إبرة في معصم زوجتي، وسألها "هل هذا مؤلم؟ وهل هذا مؤلم؟ ماذا عن هذا؟" قبل أن يختتم "إن هذا مثير للإعجاب. لديك قدرة على تحمل الألم مرتفعة جداً".

كان الألم من التهاب البنكرياس الناجم عن حصوات فرت من المرارة وشقت طريقها، مثل الهاربين من الأحكام، إلى البنكرياس حيث وجدت ملجأ لها، مما تسبب في المعاناة. تم إعطاؤها جرعات من المضادات الحيوية، وبعد شهر خضعت زوجتي لعملية جراحية لإزالة المرارة.

وقال الجراح ببساطة "إنها عملية بسيطة وستعودين إلى طبيعتك في وقت قريب جداً. بعض الناس يشعرون أنهم بحالة جيدة بما يكفي للعودة بالحافلة إلى المنزل بعد العملية مباشرة."

وكان تفاؤله في غير محله، فزوجتي عادت إلى المنزل في اليوم التالي محملة بالمسكنات. عندما خفت تأثير المسكنات بدأت تتلوى من المعاناة. بعد ثلاثة أيام اتصلت بالطبيب المتخصص الذي قال لها "ليست العملية الجراحية سبب عدم الراحة، إنه الهواء الذي تم ضخه إلى داخلك لفصل الأجهزة قبل الجراحة".
وبمجرد أن أثبتت العملية نجاحها، يبدو أن الجراحين فقدوا الاهتمام بالتداعيات.

وخلال فترة النقاهة شاهدتها تجز على أسنانها وتنفلت منها صرخات من الألم حتى استطاع نظام دوائي ممتد من عقاري الإيبوبروفين والكودايين التغلب على الآلام. وامتلأ رأسي بالعديد من الأسئلة، كان أبرزها: "هل يحق لأحد يمتهن الطب أن يتحدث عن الألم بلغة العارف؟".

من طبيب العائلة إلى الجراح، بدت ملاحظاتهم واقتراحاتهم معلقة ومعممة وعلى غير علمٍ، ومن المحتمل أن تكون خطرة. هل كان من حق الطبيب إخبار زوجتي أن مستوى الألم الذي تعانيه لا يبدو ناتجاً عن التهاب الزائدة الدودية حين كان الطبيب لا يعلم ما إذا كان لديها قدرة احتمال مرتفعة أو منخفضة للألم؟ هل كان يجب أن ينصحها بالبقاء في السرير والمخاطرة بأن تنفجر الزائدة الدودية في تجويف البطن؟ كيف يمكن للجراحين توقع أن المرضى سيشعرون فقط "بالانزعاج" بعد العملية مثل تلك عندما شعرت بالعذاب، وهو العذاب الذي تفاقم بسبب الخوف من أن تكون العملية قد فشلت؟.

وتساءلتُ أيضاً إذا كان هناك كلمات متفق عليها من شأنها أن تساعد الطبيب على فهم الألم الذي يشعر به المريض. فكرت في والدي، الطبيب الممارس في ستينيات القرن الماضي وعمله مع التأمين الصحي بجنوب لندن، فقد كان عادة ما يتعجب من أساليب وصف الألم المتنوعة التي كان يسمعها "شعرت بالوجع كأنما هوجمت بدباسة"، "كأنه توجد أرانب تركض على نخاعي الشوكي صعوداً وهبوطاً"، "إنه مثل أن يفتح شخص ما مظلة ورقية مثل تلك التي يزينون بها مشروبات الكوكتيل في قضيبي".. قال لي والدي إن القليل منها يتطابق مع الأعراض المذكورة في الكتب الطبية. فكيف يتعامل؟ من خلال التخمين والأسبرين؟.

pain

يبدو أن هناك فجوة في مناقشات الناس عن الألم. كنت أرغب في معرفة كيف تدرك مهنة الطب الألم - اللغة التي تستخدم لشيء غير مرئي للعين المجردة، لا يمكن قياسه إلا من خلال طلب وصف من الشخص المتألم ولا يمكن معالجته إلا من خلال استخدام مشتقات الأفيون التي تعود إلى العصور الوسطى.


دراسة الألم


الإجراء الأساسي في جميع الاختبارات السريرية عند دراسة الألم هو أن يملأ المريض المتألم استبيان ماكجيل للألم. تم تطوير الاستبيان في سبعينيات القرن الماضي على يد اثنين من العلماء، الطبيب رونالد ميلزاك والطبيب وارن تورجيرسون، وكلاهما من جامعة ماكجيل في مونتريال، ولا يزال الاستبيان الأداة الرئيسية لقياس الألم في العيادات في جميع أنحاء العالم.

ميلزاك وزميله باتريك وول من مستشفى سانت توماس في لندن اقتحموا بالفعل مجال بحوث الألم في عام 1965 مع طرحهم "نظرية بوابة التحكم"، وهو شرح وضع حجر الأساس لكيفية يمكن لعلم النفس أن يؤثر على إدراك الجسم للألم. في عام 1984، كتب الاثنان كتاب "وول وميلزاك عن الألم"، وهو أشمل مرجع في طب الألم. طبع منه خمس طبعات، ويصل إلى أكثر من ألف صفحة.

في أوائل سبعينيات القرن الماضي، بدأ ميلزاك سرد كلمات يستخدمها المرضى لوصف الآلام وتصنيفها إلى ثلاث فئات: الحسية (التي تشمل أحاسيس الحرارة والضغط و"الخفقان" أو "الطرق")، الوجدانية (التي تتعلق الآثار العاطفية، مثل "متعبة"، "مثيرة للغثيان"، "قاسية" أو "مخيفة") وأخيراً التقييمية (عن تجربة- من "مزعج" و"مقلقة" إلى "فظيع"، "لا تطاق" و "طاحنة").

لا يلزم أن تكون عبقرياً لغوياً لترى أن هناك أوجه القصور في هذه المجموعة من المصطلحات. أولاً بعض الكلمات في فئات الوجدانية والتقييمية تبدو قابلة للتبديل -ليس هناك فرق بين "مخيفة" في المجموعة السابقة و"مروعة" في الأخيرة، أو بين "متعب" و "مزعج"– للأسف تبدو كل الكلمات صادرة من دوقة تشكو أن حفلاً راقصاً لم يحظ إعجابها.

لكن قياس ميلزاك للمعاناة شكل أساس ما أصبح يعرف باستبيان ماكجيل للألم. يستمع المريض إلى قائمة من "أوصاف الألم" ويقول ما إذا كانت كل كلمة تصف آلامه، وإذا كان الأمر كذلك يطلب منه تقييم شدة هذا الشعور. ينظر الأطباء بعد ذلك في الاستبيان ويضعون علامات الاختيار في الأماكن المناسبة. وهذا يعطي الطبيب عدداً، أو نسبة مئوية يعمل عليها لاحقاً في تقييم ما إذا كان العلاج خفض أو زاد الألم عند المريض.

بعض الرجال قد يجدون صعوبة في تخيل أي شيء أكثر ألماً من ألم الأسنان أو إصابة كرة المضرب.

والاختيار الأحدث هو مقياس تقديري لنوعية الآلام وهو جزء من المبادرة الوطنية للتحكم في الألم أو (PQAS)، الذي يطلب من المرضى تحديد على مقياس من 1-10، مدى "كثافة"- أو "حدة"، "سخونة"، "ملل"، "برودة"، "حساسية"، "ألم"، "حكة"، وما إلى ذلك من آلامهم خلال الأسبوع الماضي.

والمشكلة مع هذا النهج هو عدم دقة مقياس من 1 إلى 10، حيث يكون 10 "أشد إحساس بالألم يمكن تخيله". كيف يمكن للمريض "تخيل" ألم أسوأ من أي وقت مضى ويعطي الألم درجة؟ بعض الرجال قد يجدون صعوبة في تخيل أي شيء أكثر ألماً من ألم في الأسنان أو إصابة في كرة المضرب. يجوز أن النساء اللواتي تعرضن لتجربة الولادة الطبيعية قد يصنفن كل ألم بعد الولادة على درجة 3 أو 4.

سألت بعض الأصدقاء عما يظنونه قد يكون أسوأ ألم جسدي. بشكل حتمي وصفوا أشياء سيئة حدثت لهم. رشح رجل مرض النقرس. وتذكر عندما كان مستلقياً على أريكة وقدمه التي تعاني النقرس موضوعة على وسادة ثم مرت عمته التي كانت تزوره بجواره وانزلق وشاح من الشيفون كانت ترتديه ومس قدمه بخفة وأحدث "عذاباً لا يطاق".

نسيبي وصف علاج جذور الأسنان بالأشد ألماً، موضحاً أنه على عكس آلام العضلات أو الظهر، إذ إنه لا يمكن تخفيفه من خلال تغيير وضعك ووصفه بألم "بلا هوادة". صديق ذكر أن عملية الباسور تركته مع متلازمة القولون العصبي والتي تتسبب في تشنج يومي يصفه "كما لو أن شخصاً ما قد أدخل مضخة داخل المؤخرة وأخذ يضخ بشراسة". وقال إن الألم بلا حدود كما لو أنه لن يتوقف حتى أنفجر".

وأشارت صديقة إلى لحظة علق ظفر قدمها ببنطال زوجها ونزع بالكامل واستخدمت تشبيهاً موسيقياً لشرح التأثير "مررت بولادة، وكسرت ساقي، وتذكرت تلك الآلام كأصوات أنين منخفضة مثل آلة التشيلو. كان خلع الظفر مؤلماً ألماً عظيماً كصرخة عالية مدوية تصم الآذان مثل آلة الكمان السيكوباتي، لم يكن مثل أي شيء سمعته أو شعرت به من قبل".

يبدو من العار أن هذه الأوصاف البليغة يتم خفضها في استبيان ماكجيل لكلمات مثل "الخفقان" أو "حادة"، ولكن وظيفتها ببساطة إعطاء الألم عدداً.. عدداً سوف ينخفض بعد العلاج أو عند إعادة تقييم المريض.

pain

هذا الإجراء لم يعجب البروفيسور ستيفن ماكماهون من كونسورتيوم الألم بلندن، وهي منظمة تشكلت عام 2002 لتشجيع البحوث التنافسية دولياً في الألم. وقال "هناك الكثير من المشاكل التي تأتي مع محاولة لقياس الألم، أعتقد أن الهوس بالأرقام هو تبسيط فالألم ليس ذا بعد واحد. لا يأتي الألم مع ميزان -كثيراً أو قليلاً- لأنه يأتي مع أشياء أخرى: ما هي التهديدات المصاحبة، ما مدى القلق العاطفي الذي يسببه الألم وكيف يؤثر على القدرة على التركيز. هوس القياس ربما يأتي من الأشخاص المعنيين الذين يعتقدون أنه لفهم العقاقير عليك إظهار فعالية. وإدارة الغذاء والدواء الأميركية لا تحب تقييم نوعية الحياة؛ هم يحبون الأرقام المحددة. لذلك نضطر إلى إعطاء رقم وتسجيله وهي عملية تهدر الوقت لأنها تقيس بعداً واحداً من الألم."

الألم يمكن أن يكون حاداً أو مزمناً، والكلمات (كما يظن بعض الناس) لا تعني "سيئاً" و"سيئاً للغاية". "الحاد" يعني شعوراً مؤقتاً بالألم أو شعوراً بعدم الراحة لفترة قليلة، ويتم التعامل عادة مع هذه الحالة بالعقاقير، والألم "المزمن" يستمر مع الوقت ويجب أن يتعايش المريض معه كرفيق يومي صعب العشرة لأن المريض يبني مقاومة للعقاقير ويجب إيجاد أشكال أخرى من العلاج.

إدارة الألم ومركز العمليات العصبية في مستشفى جاي وسانت توماس في وسط لندن هي أكبر مركز للألم في أوروبا. قائد الفريق هناك الدكتور عدنان القيسي الذي درس الطب في جامعة البصرة بالعراق، وعمل لاحقاً في التخدير في المراكز المتخصصة في إنكلترا والولايات المتحدة وكندا.

قال: "أعتقد أن ما بين 55 إلى 60٪ من مرضانا يعانون من آلام أسفل الظهر، والسبب هو، ببساطة، أننا لا نولي اهتماماً لمطالب الحياة، والطريقة التي نجلس ونقف ونمشي بها وهلم جراً. نجلس لساعات أمام جهاز الكمبيوتر، مع ضغط ثقيل على المفاصل الصغيرة في الظهر".

يعتقد القيسي أن معدل حدوث آلام أسفل الظهر المزمنة في المملكة المتحدة قد ازداد بشكل كبير في آخر 15 إلى 20 عاماً، وأن "كلفة أيام العمل الضائعة حوالي ستة إلى سبعة مليارات جنيه إسترليني".

pain

تعالج العيادة أولئك الذين يعانون من الصداع والإصابات المزمنة الشديدة من الحوادث التي تؤثر على الجهاز العصبي.

هل لا يزال الاستبيان ماكجيل مستخدماً؟ "للأسف نعم"، يجيب القيسي ويضيف "إنه قياس متغير. ولكن الألم يمكن أن يتضخم بسبب خلاف منزلي أو مشكلة في العمل، لذلك نحاول معرفة المزيد عن حياة المرضى، أنماط نومهم، وقدرتهم على المشي والوقوف، شهيتهم. إنها ليست مجرد حالة المريض، كما إنها بيئتهم".

ويتمثل التحدي في تحويل هذه المعلومات إلى بيانات علمية. "نحن نعمل مع البروفيسور ريموند لي، رئيس قسم الميكانيكا الحيوية بجامعة ساوث بانك، لمعرفة ما إذا كان يمكن أن نجد طريقة لقياس موضوعي لإعاقة المريض بسبب الألم، إنهم يحاولون تطوير أداة، ومثل جهاز قياس التسارع، والذي سوف يعطي انطباعاً دقيقاً لمدى النشاط أو الإعاقة بينما يقول المرضى لنا سبب آلامهم من طريقة الجلوس أو الوقوف. نحن حريصون على الابتعاد عن مجرد سؤال المريض عن مدى سوء آلامهم".

يصل بعض المرضى وهم يعانون من آلام أسوأ بكثير من آلام الظهر ويتطلبون معاملة خاصة. يصف القيسي حالة مريض -لندعه كارتر- الذي كان يعاني من حالة رهيبة تسمى الألم العصبي بعضلة الفخذ والتي ينتج عنها ألم وإحساس حرقة شديدة في منطقة العانة.
"خضع لعملية جراحية في منطقة الخصية وتم قطع العصب الإربي. كان الألم مبرحاً. عندما جاء إلينا كان يتناول أربعة أو خمسة أنواع مختلفة من الأدوية، جرعات عالية جداً من المواد الأفيونية، دواء مضاداً للاختلاج، ولزقات أفيونية، بالإضافة إلى الباراسيتامول والإيبوبروفين. تحولت حياته رأساً على عقب، وكانت وظيفته على المحك."

ثم أصبح كارتر المنكوب واحدة من قصص النجاحات الكبيرة للقيسي.


الألم المزمن وعلاجه


منذ عام 2010 يعرض مستشفى غاي وسانت توماس "برنامجاً داخلياً للبالغين الذين لم يستجيبوا لعلاج الألم المزمن في العيادات الأخرى. يأتي المرضى لمدة أربعة أسابيع، بعيداً عن بيئتهم الطبيعية، ويراقبهم طاقم من علماء النفس والعلاج الطبيعي والمتخصصين في الصحة المهنية والتمريض الذين يضعون فيما بينهم برنامجاً لتعليم المرضى استراتيجيات لإدارة الألم".

العديد من هذه الاستراتيجيات تأتي تحت عنوان "تعديل العمليات العصبية"، وهو مصطلح يسمع كثيراً في مراكز إدارة الألم. بعبارات بسيطة يعني تشتيت الدماغ عن إطالة التفكير باستمرار على إشارات الألم التي يتم الحصول عليها من أطراف الجسم. أحياناً يكون الإلهاء صدمة كهربائية يتم نشرها بطريقة ماكرة.

ويقول القيسي "كنا أول مركز رائد في العالم لتحفيز النخاع الشوكي، وفي حالات الألم ترسل الأعصاب مفرطة النشاط نبضات من الأطراف إلى الحبل الشوكي ومنه إلى الدماغ الذي يبدأ في تسجيل الألم. ونحن نحاول أن نرسل شحنات صغيرة من الكهرباء إلى الحبل الشوكي عن طريق إدخال سلك في المنطقة المحيطة بالنخاع الشوكي. تكون الشحنة فولتاً واحداً أو اثنين، وبالتالي فإن المريض يشعر بمجرد وخز حول مكان الألم، بدلاً من الشعور بالألم الفعلي. بعد أسبوعين، نعطي المريض بطارية داخلية مع جهاز التحكم عن بعد، حتى يتمكن من تشغيله كلما شعر الألم والاستمرار في حياته. إنها في الأساس جهاز تنظيم ضربات القلب الذي يقمع فرط استثارة الأعصاب عن طريق التحفيز. لا يشعر المريض بأي شيء ما عدا تراجع ألمه. إنها ليست عملية كبيرة، وعادة نرسل المرضى إلى المنزل في نفس اليوم".

كارتر كان يعاني من ألم مبرح في منطقة العانة ولم يستجب لأي علاجات لذا حاول القيسي تركيبة جديدة له من العلاجات. "أعطيناه شيئاً يسمى العقدة التحفيزية الجذرية الظهرية، مثل مربع تقاطعي صغير وضع تحت إحدى فقرات العمود الفقري ليستثير العمود الفقري فيرسل نبضات إلى الحبل الشوكي والدماغ. طورت تقنية جديدة لوضع سلك صغير في العقدة العصبية متصلة بطاقة البطارية الخارجية. بعد أكثر من 10 أيام ذهبت شدة الألم بنسبة 70٪ حسب تقييم المريض نفسه. وبعث لي برسالة لطيفة جداً عن طريق البريد الإلكتروني وقال لي أن حياته قد تغيرت وأن الألم قد توقف تماماً، وأنه يعود إلى حياته الطبيعية. وقال أنه حافظ على وظيفته، كما حافظ على زواجه، وأنه يريد أن يعود إلى ممارسة الرياضة. قلت له: "خذ الأمور بسهولة. يجب ألا تبدأ بتسلق جبال الهيمالايا الآن."

وتنفجر أسارير القيسي ويقول: "هذه نتيجة رائعة. لا يمكنك الحصول عليها من أي علاجات أخرى".

أكبر اختراق مؤخراً في تقييم الألم، وفقاً لإيرين تريسي، رئيس قسم جامعة قسم العلوم العصبية السريرية بجامعة نوفيلد أكسفورد كان فهم أن الألم المزمن هو الشيء في حد ذاته. وتشرح: "اعتقدنا دائماً أن الألم الحاد هو الذي يستمر ويستمر، وإذا كان الألم المزمن هو مجرد استمرار للألم الحاد، دعونا نصلح الشيء الذي تسبب في الألم الحاد والألم المزمن سيذوي. وهذا مني بفشل ذريع. الآن نفكر في الألم المزمن على أنه تحول إلى مكان آخر، مع آليات مختلفة، مثل التغيرات في التعبير الجيني، وإفراز المواد الكيميائية، علم وظائف الأعصاب وتشبيك الأسلاك. لقد حصلنا على كل هذه الطرق الجديدة تماماً للتفكير في الألم المزمن. هذه نقلة نوعية في مجال الألم."

يدعو بعض الإعلاميين تريسي "ملكة الألم" وكانت حتى وقت قريب أستاذة علوم التخدير بجامعة نوفيلد كما أنها خبيرة في تقنيات التصوير العصبي التي تستكشف استجابات الدماغ للألم. وعلى الرغم من لقبها، إلا أنها شخص غير صادم بالمرة: امرأة في الخمسينات مشرقة العينين، متحمسة، شديدة الترحيب وتتحدث بطلاقة شديدة وتتكلم عن الألم على المستوى الشخصي. ليس لديها مشكلة في تحديد "الألم الأقصى" الذي يحصل على عشر درجات في استبيان ماكجيل: "لقد مررت بتجربة الولادة ثلاث مرات، وتقييم العشر درجات للألم أصبح مختلفاً بعد الولادة، لقد حصلت على معايرة جديدة في هذا القياس". ولكن كيف لها أن تفسر الألم الأقصى للأشخاص الذين لم يختبروا الولادة؟".

أقول لهم "تخيل أنك قد أغلقت باب السيارة على يدك، وهذا يمثل عشر درجات".

تستخدم مثلاً شخصياً لشرح الطريقة التي يمكن للإدراك والظروف أن تغير الطريقة التي نجرب بها الألم، فضلاً عن ظاهرة "قلب المتعة"، والتي يمكن من خلالها تحويل الألم من شعور غير سار إلى شيء لا يزعجك. "شاركت في ماراثون لندن هذا العام وهو شيء يحتاج إلى الكثير من التدريب والركض وعضلاتك تؤلمك، واليوم التالي كنت حقاً في ألم، ولكن ألم لطيف. أنا لست مازوشية، ولكن أنا أربط آلام العضلات مع أفكار مثل: أنا استخدمت جسدي في شيء صحي و أنا أتدرب، وكل شيء يسير على ما يرام حينها. "

سألتها لماذا يبدو أن هناك فجوة بين إدراك كل من الأطباء والمرضى للخوف من الألم، أجابت "من الصعب جداً أن نفهم، لأن النظام يذهب على نحو خاطئ منذ لحظة الإصابة وعلى طول العصب الذي يحمل الإشارة إلى الحبل الشوكي، والذي يرسل بدوره إشارات إلى الدماغ، الذي يرسل إشارات راجعة وهذا كله يتم مع تغييرات مترتبة رهيبة فيكون لدي مريض يقول: لدي آلام مبرحة هنا، وأنا أحاول أن أرى من أين قدمت وهناك عدم تطابق لأنك لا تستطيع رؤية أي ضرر أو أي دم نازف. لذلك قلنا: من الواضح أنك تبالغ ، لا يمكن أن يكون الأمر بهذا السوء. وهذا خطأ، لأنه تحيز ثقافي نشأنا به دون أن ندرك".

تضيف أنه في الآونة الأخيرة كان هناك انفراج في فهم كيفية مشاركة المخ في الألم، وتشرح أن تصوير الأعصاب يساعد على ربط ألم الشخص مع تصور موضوعي عنه، وتضيف "يملأ هذا الفراغ بين ما تستطيعون رؤيته وما يجري الإبلاغ عنه. يمكننا سد هذه الفجوة وشرح سبب تألم المريض حتى ولو كنت لا تستطيع أن تراه على جهاز الأشعة السينية أو أي كان. تساعد في إظهار الحق والصلاحية لهؤلاء الناس المساكين الذين يعانون الألم ولكن لا يصدقهم الناس".

وتضيف "ولكن لا يمكنك ببساطة رؤية ألم متوهج وخافق على الشاشة أمامك. تصوير الدماغ عرفنا على شبكات الدماغ وكيفية عملها، إنها ليست جهاز قياس الألم. إنها أداة وتمنحك رؤية رائعة في علم التشريح، علم وظائف الأعضاء والكيمياء العصبية للجسم، ويمكن أن تبلغنا لماذا لديك ألم، وأين يجب أن نتدخل ونحاول إصلاحه".

توضح أن بعض الطرق مباشرة بشكل ملحوظ وميكانيكية، مثل سلك تنشيط النخاع الذي اخترعه القيسي، قائلة "هناك الآن أجهزة يمكن أن تعلقها على رأسك وتسمح لك بمعالجة أجزاء من الدماغ. يمكنك ارتداؤها مثل قبعات الاستحمام. إنها أجهزة محاكاة الدماغ محمولة مسموح بها من الناحية الأخلاقية، من السهل استخدامها للمرضى والأدلة في التجارب السريرية تتزايد وقد تكون جيدة للسكتات الدماغية وإعادة التأهيل. هناك تواز مع صناعة الألعاب، حيث إنهم يصنعون أجهزة يمكن وضعها على رأسك بحيث يمكن للأطفال استخدام الأفكار لنقل الكرات. صناعة الألعاب للمتعة قادت هذه الفكرة أنه عند استخدام عقلك، يمكنك توليد الأنشطة الكهربائية. إنهم يطورون التكنولوجيا بسرعة كبيرة، ونحن يمكننا استخدامها في التطبيقات الطبية."

أصبح الألم يحتل مساحة ضخمة من البحوث الطبية في الولايات المتحدة، لسبب بسيط وهو أن الألم المزمن يصيب أكثر من مئة مليون أميركي ويكلف البلاد أكثر من نصف تريليون دولار سنوياً في ساعات العمل الضائعة، وهذا هو السبب أنها أصبحت نقطة جذب للتمويل من الشركات الكبرى والحكومة.

يعمل الباحثون في مختبر أبحاث الألم في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا للوصول إلى فهم أفضل للاستجابات الفردية للألم حتى يكون العلاج أدق استهدافاً. لدى المختبر العديد من مبادرات الدراسة - في الصداع النصفي، وآلام العضلات الليفية وآلام الوجه وغيرها من الحالات، ولكن أكبر مبادرة هي في آلام الظهر. وقد وهبته المعاهد الوطنية للصحة عشرة ملايين دولار لدراسة العلاجات البديلة غير العقاقير لآلام أسفل الظهر. العلاجات المحددة هي الدهن، والوخز بالإبر، والعلاج السلوكي المعرفي إلى جانب ردود الفعل العصبية في الوقت الحقيقي.

إنهم يخططون لتفقد تحمل الألم لأكثر من 400 شخص على مدى خمس سنوات من الدراسة، يتراوح ما بين متطوعين لا يعانون الألم لمرضى الآلام المزمنة الذين لجأوا لغيرهم من المتخصصين ولكنهم لم يجدوا العلاج. والفكرة هي أن تجد درجة التحمل متوسطة المدى (طلب منهم تقدير الألم خلال المعاناة) لإنشاء خط الأساس صالح للاستعمال. وبعد ذلك يتم إعطاء علاجات غير غازية -مثل الدهن والوخز بالإبر- ويتعرض بعد ذلك لنفس محفزات الألم، لنرى كيف تغير من خط الأساس. ويستخدم جهاز أشعة الرنين المغناطيسي على المرضى في كلتا دورتي المختبر، بحيث يمكن أن يرى الأطباء النتائج واستخلاص استنتاجات من الاختلافات الواضحة في تدفق الدم إلى أجزاء مختلفة من الدماغ.


من المزايا الرائعة لعملية التقييم هي أنه يتم تقييم المرضى نفسياً: لقياس مستوى الاكتئاب والقلق والغضب والوظائف البدنية وسلوك الألم ومدى تعطيل الألم لحياتهم. وهذا سيسمح للأطباء باستخدام المعلومات لتوجيه علاجات محددة. يتم تخزين كافة هذه النتائج في "منصة معلوماتية" تدعى CHOIR، وهي اختصار لسجلات معلومات النتائج الصحية التعاونية وبها ملفات لـ15000 مريض، و54000 زيارة عيادية و 40،000 اجتماع متابعة.

قائد مختبر أبحاث الألم هو الدكتور شون ماكي، أستاذ التخدير وما حول العمليات الجراحية وعقاقير الألم بجامعة ريدليش، والعلوم العصبية وعلم الأعصاب في جامعة ستانفورد. خلفيته العلمية هي في مجال الهندسة الحيوية وتحت قيادته اختير مركز ستانفورد للألم مركزاً للتميز من قبل جمعية الألم الأميركية مرتين. رجل طويل القامة، لطيف، من السهل التعامل معه وطالبته في بعض الأحيان الشركات القانونية بأن يمثل أمام المحكمة للشهادة بشكل قاطع ما إذا كان موكلهم في حالة ألم مزمن (وبالتالي مبرراً في المطالبة بفائدة الغائب) وكان رده يثير الدهشة.

"في عام 2008، طلب مني من قبل مكتب محاماة التحدث في حالة إصابة صناعية في ولاية أريزونا. تعرض هذا المسكين لرش ذراعه بالإسفلت الساخن في العمل؛ وكان يدعي الألم نتيجة حرق الأعصاب. المدعي العام أتى بعالم قام بمسح ضوئي على دماغه وقال إن هناك أدلة قاطعة على أنه مصاب بألم مزمن. طلب مني الدفاع أن أعلق، وقلت: هذا كلام فارغ، لا يمكننا استخدام هذه التكنولوجيا لهذا الغرض".

"بعد ذلك بوقت قصير، تحدثت عن الألم، وتصوير الأعصاب والقانون، موضحاً لماذا لا يمكنك أن تفعل هذا، لأن هناك الكثير من التغييرات الفردية في الألم، والتكنولوجيا ليست محددة الاستشعار بما فيه الكفاية. لكنني اختتمت قائلاً: لو كنت لتفعل هذا، وكنت تستخدم المناهج الآلية الحديثة للتعلم، مثل تلك التي تستخدم لاستطلاع الأقمار الصناعية لتحديد ما إذا كانت الأقمار الصناعية تشهد دبابة أو شاحنة مدنية." وقال بعض طلابي "هل يمكنك أن تعطينا بعض المال لمحاولة هذا؟ قلت: نعم، ولكن لا يمكن القيام به. لكنهم صمموا التجربة - واكتشفوا أنه باستخدام صور الدماغ، يمكن أن توقع بـ 80٪ من الدقة ما إذا كان شخص ما يشعر بألم الحرارة أم لا".

ماكي نشرت مؤخراً تقريراً حول التجربة. هل أثرت ما توصل إليه من نتائج على قرارات المحكمة؟ "لا. يطلب مني المحامون، وأنا أقول دائماً: لا يوجد مكان لذلك في قاعة المحكمة في عام 2016، ولن يكون هناك في عام 2020. والناس تريد أن تدفع بنا إلى القول أن هذه العلامات البيولوجية موضوعية للكشف عما إذا كان الشخص يعاني من الألم أم لا. ولكن الأبحاث في ظروف تحت السيطرة بالمختبر. لا يمكنك التعميم حول السكان ككل. قلت للمحامين: أنا لا أعتقد أن هناك الكثير من المنفعة الطبية في وجود جهاز لقياس الألم في المحكمة أو في معظم الحالات السريرية."


ما هو الألم إذا؟


ماكي يفسر أحدث الأفكار حول فحوى الألم. "الآن نحن نفهم أن الألم هو التوازن بين صعود المعلومات الواردة من أجسادنا والمعلومات الهابطة من الأنظمة المثبطة بأدمغتنا. ونحن ندعو الصاعدة المعلومات "حس الألم" –من كلمة nocere اللاتينية، لإلحاق الضرر أو الأذى- أي استجابة من الجهاز العصبي الحسي للمؤثرات الضارة المحتملة القادمة من المحيط بنا، وإرسال إشارات إلى الحبل الشوكي والوصول إلى الدماغ مع تصور الألم. النظم الهابطة هي المثبطة أو التي تقوم بالترشيح، والخلايا العصبية التي توجد لتصفية المعلومات غير الهامة لتواجه الإشارات الصاعدة من الأذى. والغرض الرئيسي من الألم هو أن يكون حافزاً كبيراً ليقول للشخص أن عليه أن يولي اهتماماً ويقوم بالتركيز. عندما بدأ مختبر الألم لم يكن لدينا أي وسيلة لمعالجة هذه الأنظمة الديناميكية، والآن نستطيع".

يفخر ماكي كثيراً بقاعدة البيانات الهائلة المسماة CHOIR والتي تسجل مستويات الألم وتحمل الناس وكيفية تأثرهم بالعلاج، وتمت إتاحتها مجاناً لعيادات الألم الأخرى كمنصة مصدرية للمجتمع بالتعاون مع المراكز الطبية الأكاديمية على الصعيد الوطني حتى ترفع الموجة كل القوارب. لكنه هو أيضاً متواضع بما فيه الكفاية للاعتراف بأن العلم لا يمكن أن يقول لنا أين هي مواقع أسوأ الآلام في الجسم.

"ألم الظهر هو الألم الأكثر ذكراً في 28٪ من الحالات، ولكن أنا أعلم أن هناك كثافة عالية من الألياف العصبية في اليدين والوجه والأعضاء التناسلية والقدمين مما هو الوضع في مناطق أخرى".

ويقول ماكي "هناك حالات حاول فيها المتألم الانتحار للهروب من الألم، حالات مثل الألم العصبي ما بعد الإصابة بفيروس الهيربس، وهو شعور مروع بألم الأعصاب الحارق ويحدث بعد تفشي مرض الهيربس. وآخر هو الصداع العنقودي؛ بعض المرضى فكروا في حفر رؤوسهم لجعله يتوقف".

مثل إيرين تريسي، ماكي غير متحمس لصعود التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة ("تخيل تركيب بطارية تسعة فولت عبر فروة رأسك")، ولكن عندما سئل عن نجاحات معينة تحدث عن حلول بسيطة.

قال: "في وقت مبكر من حياتي المهنية، اعتدت أن أكون شديد التركيز على الأطراف وهو الموقع الواضح للألم. كنت أتدخل وبعض الناس تتحسن ولكن الكثير لا. لذلك بدأت الاستماع إلى مخاوفهم وقلقهم، والعمل عليها وأصبحت أكثر تركيزاً على الدماغ ولاحظت أنه إذا كان لديك عصب محاصر في الركبة يمكن أن يكون شعورك بأن الساق بأكملها على نار، ولكن إذا قمت بوضع مخدر موضعي هناك، يمكن أن يلغي الألم.

"جاءتني شابة تعاني من حرقان رهيب في يدها التي كانت دائماً متورمة؛ كانت لا تستطيع تحمل أن يلمسها أي شخص لأنها تشعر وكأن موقد اللحام قد أشعل فيها النار."

لاحظ ماكي أن لديها ندبة ما بعد الجراحة من جراحة سابقة لمتلازمة نفق الرسغ وشكت في أن جذور المشكلة تقع في هذه الندبة ولذا حقنت سم البوتولينوم الذي يرخي العضلات في موقع الندبة.

وبعد أسبوع عادت وعانقتني عناقاً كبيراً، وقالت "استطعت التقاط طفلتي للمرة الأولى منذ عامين. لم أكن قادرة على ذلك منذ ولادتها". وقد ذهب التورم كله. لقد علمتني أنه ليس كل شيء عن الجزء الذي يعاني الألم في الجسم، وليس كل شيء في الدماغ، إنه الإثنان سوياً".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.