إحراج للطبقة السياسية أم تلميع للصورة؟ جدل حول تنازل أكبر أحزاب المعارضة المغربية عن رواتب نوابه

تم النشر: تم التحديث:
MOROCCO PARLIAMENT
البرلمان المغربي | STRINGER via Getty Images

هاجم عضو في حزب العدالة والتنمية المغربي، الحاصل على المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الماضية، قرار أكبر معارضيه، حزب الأصالة والمعاصرة، بتنازل أعضائه عن رواتبهم عن الفترة التي كان البرلمان فيها في حالة عطالة.

وقال عبد العزيز أفتاتي عضو حزب العدالة والتنمية، لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن هذا القرار لا يعني حزبه في شيء، وهو ليس إلا اعترافاً من حزب الأصالة والمعاصرة بأن نوابه لا يشتغلون وهم في عطالة، ولا دراية لهم بما يقوم به النواب عن الأحزاب الأخرى، وهذا القرار هدفه تلميع الصورة والظهور إعلامياً.

وأشار إلى أن العمل الحزبي والمهمة البرلمانية لا ينحسران في ممارسة النواب الرقابة على الحكومة وحضور جلسات البرلمان يوم الثلاثاء من كل أسبوع -موعد انعقاد الجلسة- مؤكداً أن عمل البرلماني يبدأ مباشرة بعد انتخابه وتفويضه من طرف الشعب، وينطلق بعد ذلك مباشرة في التواصل مع المواطنين وتهيئ الملفات، وغير ذلك، وإن تأخر تشكيل الحكومة لا يعني أبدا أن النواب لا يشتغلون، وأن القرار يسري على نواب حزب الأصالة والمعاصرة دون غيرهم.

وانتقد أفتاتي قرار حزب الأصالة والمعاصرة، متسائلاً حول مصير الموظفين الذين توقفت أجورهم منذ 13 أكتوبر/تشرين الأول والذين أصبحوا بحكم القانون ملحقين بالبرلمان، وكيف سيتدبرون أمورهم من الناحية المالية في هذه الفترة.

وفي سابقة من نوعها، أصدر حزب الأصالة والمعاصرة، صاحب الرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية المغربية التي جرت خلال أكتوبر 2016 وأحد أبرز الأحزاب المعارضة، بياناً يدعو من خلاله نوابه في البرلمان، والبالغ عددهم 102 نائب ونائبة، إلى التنازل عن رواتبهم لمدة الـ3 أشهر الماضية التي كان خلالها مجلس النواب في "حالة عطالة".
وجاء في نص البيان أن الحزب قرر أن يدعو جميع نوابه البرلمانيين إلى التنازل عن تعويضاتهم الشهرية عن الفترة السابقة التي كان خلالها مجلس النواب المغربي في حالة عطالة.

وأضاف البيان ذاته، أن هذا القرار يأتي في إطار إيمان الحزب بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، والأجر والتعويض المستحق مقابل العمل، واعتبر التعويضات الشهرية للنواب لا تكون مستحقة إلا ابتداء من تاريخ الشروع في أداء المهام البرلمانية التي انتُخب لأجلها النواب من طرف المواطنين والمواطنات.


خلفيات القرار


وبعد قرار حزب الأصالة والمعاصرة، من المنتظر أن يتنازل 102 برلماني وبرلمانية على مستحقاتهم المالية لأزيد من 3 أشهر، وهي الفترة التي لم يشتغل فيها النواب؛ بسبب عدم تشكيل الحكومة وانتخاب رئيس البرلمان. ويصل المبلغ المتنازل عليه مبلغ 140 ألف درهم (14 ألف دولار) لكل نائب، تشمل راتب كل شهر (36 ألف درهم-3600 دولار)، ومكافآت وامتيازات أخرى. وبذلك، سيكون المبلغ الإجمالي الذي سيتنازل عنه الحزب لفائدة خزينة الدولة هو 14.280 مليون درهم ( 1.428 مليون دولار).

القرار جاء بعدما تأخرت عملية انتخاب رئيس مجلس النواب، ودخول النواب في حالة عطالة، وهي رد فعل طبيعي، بالإضافة إلى أن القرار لم يصدر عن قيادات حزب الأصالة والمعاصرة، وإنما من النواب أنفسهم الذين عبروا عن ذلك، وقد تم تأجيل الإعلان عنه إلى حين انتخاب رئيس مجلس البرلمان.

وأوضح خالد أدنون، الناطق الرسمي باسم حزب الأصالة والمعاصرة، في حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن الحزب يعتبر هذا القرار بمثابة الانتصار لمبدأ أساسي والمتعلق بما جاء به دستور المملكة؛ وهو ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفي هذا الإطار يأتي مبدأ التعويض مقابل العمل، ولا يمكن أن يتم تعويض النواب على عمل لم يقوموا به وكانوا في نوع من العطالة المؤسساتية، إن صح التعبير.

وأضاف أن هذا القرار الملزم أخلاقياً وسياسياً للنواب البرلمانيين يتماشى وشعارين أساسيين رفعهما الحزب؛ الأول: عند تأسيسه وهو "السياسة بشكل مغاير" وتجويد العمل النيابي أو البرلماني بشكل مغاير أيضاً، وكذلك ترجمة لشعار الحزب خلال الحملة الانتخابية "التغير الآن" والذي يعتمد الشفافية عنواناً لعلاقة الحزب بالمواطنين.

وقال: "وهو الشيء الذي يتحلى به نواب الحزب، والذين ترشحوا للبرلمان، ليس من أجل غنائم انتخابية، وإنما من أجل خدمة المصلحة العامة للوطن والمواطن، وإرجاع الرواتب هو أيضاً يدخل في صميم الخدمة العامة".


صراع حزبي


وذكر أن هذا القرار جرى أخذه منذ فترة، لكن تأخر إيصاله للرأي العام لسببين؛ "لأننا لا نريد التشويش على رئيس الحكومة المكلف؛ لأنه كان قد دخل في مفاوضات تشكيل الحكومة مع الأحزاب الأخرى، ولم نكن نريد أن يتم اعتبار هذا القرار تشويشاً على المفاوضات".

وقال إن هذا بالإضافة إلى أنهم لا يسعون إلى تحقيق مكاسب سياسية وإعلامية، وبالتالي تم تأخير القرار إلى حين اشتغال المؤسسات، بما في ذلك انتخاب رئيس مجلس النواب، وتمكين رئيس الحكومة المكلف من الوقت الكافي لإجراء مشاوراته لتأسيس الحكومة.

من جهته، قال المحلل السياسي عمر الشرقاوي لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن وراء أي قرار سياسي هناك أهداف ومصالح ومحاولة لكسب بعض النقاط السياسية، وهي ليست مستبعَدة وليست عيباً في الممارسة السياسية، وقرار حزب الأصالة والمعاصرة له أهداف سياسية وأيضاً استجابة لمطالب شعبية وإحراج للطبقة السياسية.

واستطرد المتحدث قائلاً: "لكن، لن يَحول كل هذا دون تثمين فكرة التنازل ووظيفة هذا القرار الذي يتماشى مع مطالب شعبية كبيرة حول عدم أحقية البرلمانيين في الاستفادة من رواتب على عمل لم يقوموا به، وبذلك يعتبر القرار جريئاً ويُحسب لحزب الأصالة والمعاصرة".

وأضاف أن المطلوب اليوم، هو ألا يكون هذا القرار فقط للاستهلاك السياسي، وإنما يجب أن يتم تنزيله على أرض الواقع، وليس بالضرورة أن يتم البحث عن السبل القانونية من أجل إرجاع الأموال إلى خزينة الدولة، مؤكداً أن الأساسي في العملية هو شعور البرلمانيين بأنهم لا يستحقون هذه الأموال لأنهم لم يقدموا أي عمل بالبرلمان، واشتغلوا 4 أيام فقط من 110 أيام على انتخابهم نواباً برلمانيين.


إعادة الرواتب


وفي ظل الإشكال القانوني بخصوص الصيغة التي سيتم بها إعادة الرواتب إلى خزينة الدولة، ارتفعت الأصوات المطالبة بتحويل رواتب البرلمانيين على المدة السابق التي لم يشتغل فيها النواب، إلى أعمال خيرية واجتماعية، وفتح المجال أمام الفئات المهشة والفقيرة للاستفادة منها.

وفي هذا الصدد، يقول خالد أدنون إن الحزب انطلق في تحديد قوائم النواب للبدء في إجراءات إعادة المبالغ لخزينة الدولة أو الحساب الخاص لمجلس النواب.

وأضاف أدنون أنه في حالة ما إذا تعذر تنفيذ أحد المقترحين السالفي الذكر لأسباب مسطرية، سيبقى الحل الوحيد هو تقديمها كهبة لإحدى المؤسسات المعترف بها العاملة في المجال الاجتماعي، والتي ستعود بالنفع على فئات مهمشة وفقيرة.

وعبر عمر الشرقاوي عن ذلك من خلال تدوينة له على حسابه في فيسبوك، متحدياً النواب البرلمانيين بالتبرع بتعويضاتهم التي لا يستحقونها، وفق تعبيره، لمؤسسة للا سلمى للوقاية وعلاج السرطان، وهي المؤسسة التي اعتبرها تقدم خدمات جليلة للمرضى وأن تبرعات البرلمانيين كفيلة بأن توفر للمرضى العلاج، خصوصاً أن تكلفته باهظة الثمن.