المتمردون على ترامب.. مدن ترفض ترحيل اللاجئين المسلمين وتستعد للمواجهة مع الرئيس الأميركي

تم النشر: تم التحديث:
DEMONSTRATIONS AGAINST TRUMP
Bloomberg via Getty Images

يُواجه واحدٌ من أوائل قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب معارضة سياسية هائلة، ومن شبه المؤكد أنَّه سيسقط تماماً بموجب الدستور، بمجرد أن تبدأ المحاكم في نظر تفاصيله الدقيقة، وهو القرار المتعلق بالهجرة إلى أميركا.

ووقَّع ترامب، في زيارته لوزارة الأمن الداخلي أمس الأربعاء، 25 يناير/ كانون الثاني 2017، قراراً تنفيذياً يهدف إلى الضغط على ما يُسمَّى بـ"مدن الإيواء" أو المدن التي تضم نسب مهاجرين عالية بينها الكثير من اللاجئين العرب والمسلمين، لدفعها إلى التعاون التام مع جهوده لزيادة عمليات ترحيل المهاجرين، مهدداً الولايات بإلغاء التمويل الفيدرالي الخاص بها، واستخدام أساليب مشينة تجاه المقاطعات التي ترفض الانصياع.

وقد صيغ القرار التنفيذي في صورة دعوةٍ للامتثال لقوانين الهجرة الموجودة، على الرغم من أنَّ خبراء الهجرة ومجموعات الحريات المدنية يشكِّكون في أنَّ ترامب يمتلك حتى السلطة الدستورية لفرض تطبيق ذلك القرار.

وبغض النظر عن شرعية هذا القرار التنفيذي، يقول سياسيون من هذه المدن إنَّهم لن يتزحزحوا عن مواقفهم، وتتأهَّب مجموعات الدفاع القانونية استعداداً للمعركة القانونية المقبلة.


"لن نتراجع أمام الدولارات"


وقال السيناتور الديمقراطي في مجلس الشيوخ بولاية كاليفورنيا، سكوت وينر، في تصريحٍ له، إنَّ الرئيس في طريقه لمواجهة "معركةٍ كبيرة".

عمدة مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأميركية، الديمقراطي مارتي والش، قال أيضاً إنَّ مدينته "لن تتراجع قيد أنملة" عن سياستها ضد اعتقال المهاجرين غير الشرعيين، كما أنَّها لن تعتقلهم بناءً على طلبات من إدارة الهجرة والجمارك.

عمدة مدينة سياتل بولاية واشنطن الأميركية، إد موراي، أكد بدوره أنَّ مدينته "لن تخيفها الدولارات الفيدرالية... ولن تخيفها الرسالة المتسلِّطة التي تبعث بها تلك الإدارة".

واتفق عمدة مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، الديمقراطي إد لي، مع سابقيه قائلاً: "ما من شيء تغيَّر" في مدينته، مشيراً إلى افتقار القرار التنفيذي لترامب إلى المواصفات.

وقال عمدة مدينة نيويورك، الديمقراطي بيل دي بلاسيو، في مؤتمرٍ صحفي الأربعاء، 25 يناير/ كانون الثاني 2017 تعقيباً على القرار "سنتصدّى لهذا القرار، وستتصدّى المدن والولايات في أرجاء هذه البلاد له أيضاً".

وبدأ المدِّعي العام الديمقراطي في نيويورك، إريك شنايدر، بالفعل في التلميح بمواجهةٍ قانونية، مُصدِراً تصريحاً بأنَّ ترامب لا يمتلك السلطة الدستورية فيما يتعلَّق بقراره التنفيذي، وأنّه سيفعل "كل ما في سلطته" للتصدي له إذا لم يتراجع عنه الرئيس.

وحذَّر المدَّعي العام في واشنطن، الديمقراطي بوب فيرغسون، كذلك من إمكانية نشوب مواجهةٍ قانونيةٍ قادمة، قائلاً في بيانٍ له إنَّ القرار "يُثير مسائل قانونية سيُحقِّق فيها مكتبي عن كثب من أجل حماية الحقوق الدستورية والإنسانية لسكان بلادنا".


هذا ما يعنيه تسليم المهاجرين..


ولا يوجد تعريفٌ دقيقٌ لـ"مدن الإيواء". فمدنٌ مثل سان فرانسيسكو ونيويورك تستخدم هذا المُصطلح بشكلٍ واسع للإشارة إلى سياساتها الودية تجاه المهاجرين، لكن بصورةٍ أكثر عموميةً، ينطبق المفهوم على المدن والمقاطعات التي لا تلتزم بصورةٍ تلقائية بكل دعوات دائرة الهجرة والجمارك لهذه المدن والمقاطعات من أجل التعاون معها.

وتتعاون بالفعل الكثير من هذه المحلِّيات مع إدارة الهجرة والجمارك في اعتقال وتسليم المهاجرين المُشتَبَه فيهم أو المُدانين بتهمٍ خطيرة، لكنَّها في كثير من الأحيان تترك المهاجرين من غير ذوي الأولوية، الذين تطلبهم إدارة الهجرة والجمارك، وشأنهم إن لم يكن هناك سبب آخر يستدعي احتجازهم.

وقال أستاذ القانون بجامعة دنفر في ولاية كولورادو، سيزار كواوتيموك جارسيا هيرنانديز، الذي يُدرِّس في قسم القانون الجنائي والهجرة، إنَّ "السبب في أنَّ الكثير من مسؤولي إنفاذ القانون لا يلتزمون بطلبات الاعتقال هو أنَّ المحاكم قالت إنَّهم بذلك ينتهكون الدستور، وإذا ما انتهكوا الدستور، ستقع المحلِّيات في ورطةٍ مالية".

ولحقت محكمةٌ فيدرالية في ولاية رود آيلاند، الثلاثاء الماضي 24 يناير/ كانون الثاني، بمحاكم عديدة أخرى أصدرت في السنوات الأخيرة أحكاماً تؤكِّد أنَّ طلبات الاعتقال التي تصدرها دائرة الهجرة والجمارك ربما تنتهك حقوق الأفراد الدستورية، حتى بالنسبة للمواطنين الأميركيين.

لكن يبدو أنَّ القرار التنفيذي لترامب يتغاضى عن هذه الحقيقة القانونية، وبدلاً عنه، يُحيط مدن الإيواء بالخطاب المثير للقلق الذي استخدمه خلال حملته.

وأفاد بيان ترامب بأنَّ "السلطات القضائية المُختصة بمآوي المهاجرين في أنحاء الولايات المتحدة تنتهك عمداً القانون الفيدرالي في محاولةٍ لحماية أجانب من الإبعاد عن الولايات المتحدة"، مضيفاً "هذه السلطات القضائية تسبَّبت في ضررٍ بالغ للشعب الأميركي، وللنسيج الأساسي لجمهوريتنا".

أما رئيس صندوق الدفاع القانوني والتعليمي الأميركي المكسيكي، توماس ساينز، فقال إن القرار على الورق لن يمنح ترامب أية سلطاتٍ لتضييق الخناق على مدن الإيواء كما يدَّعي ترامب.

وفي تصريحه لموقع هافينغتون بوست، قال ساينز: "إنها ليست أجواء مشحونة، بل أجواء مشحونة شديدة الخطورة"، وأضاف: "القرار مُصمَّم خصيصاً لترهيب أعضاء مجتمعات الإيواء".

سيتطلب إجبار السلطات القضائية على احتجاز المهاجرين في مدن الإيواء، بناءً على طلب إدارة الهجرة والجمارك الأميركية، أن يمرِّر الكونغرس تشريعاً جديداً. لكن نائبة المدير القانوني لاتحاد الحريات المدنية الأميركية، والمتخصصة في حقوق المهاجرين، سيسيليا وانج، تقول إن الكونغرس سبق أن رفض تشريعاً مشابهاً في العام 2015.

قالت سيسيليا: "تحاول الحكومة الفيدرالية، والرئيس تحديداً، إرغام الولايات والمقاطعات التي اتخذت هذا القرار على حماية الحقوق الدستورية وتوفير الخدمات بغض النظر عن أوضاع الهجرة".


ترامب يطلق الرصاص على الرؤوس


وتابع ساينز من جانبه: "لست واثقاً في أن ترامب يعتقد أن ما يفعله مختلف". وأضاف: "القانون قيد التنفيذ بالفعل. وإذا حاولوا تجاوز القانون بالفعل، سيكون هذا التجاوز عرضة للطعن عليه إذ لا يعد من صلاحياته كرئيس".

وسيكون المصدر الدستوري لمثل هذا الطعن هو القرار البارز الذي اتخذته المحكمة العليا في العام 2012 بالتمسك بقانون الرعاية الصحية، والذي وبَّخَت فيه المحكمة الحكومة الفيدرالية على تهديدها بألا تُموِّل الولايات التي رفضت توسيع برامج المساعدات الطبية الخاصة بها وفقاً للقانون.

ويعتقد رئيس المحكمة العليا، جون روبرتس أن الكونغرس في الأغلب "يصوِّب بندقيته إلى رؤوس الولايات"، بحسب قوله.

كرَّرَت سيسيليا نفس الكلمات، وقالت إنها ستراقب العواقب التي ستقع على مدن الإيواء، مستطردة "يصوِّب الرئيس ترامب بندقيته إلى رؤوس الولايات ويجبرها على الامتثال لأولوياته".

لكن في ولاية كاليفورنيا، حيث يمثِّل المهاجرون ثُلث السكَّان تقريباً، يقول المُشرِّعون إنهم لا ينتظرون أي طعونٍ في المحكمة، متعهِّدينَ بتولي هذه المعركة.

وفي مؤتمرٍ صحفي عُقِدَ أمس الأربعاء 25 يناير/ كانون الثاني، قال السيناتور المؤقت كيفين دي ليون إن السلطة التشريعية ستطرح مشاريع قوانين، كردِ فعلٍ على قرارات ترامب، تشمل مشروع قانون يمنع تنفيذ القوانين المحلية من استخدام الموارد في إنفاذ قوانين الهجرة.

قال دي ليون: "هذه توجيهاتٌ دنيئة ووضيعة من شأنها فقط أن تزرع الخوف في قلوبِ الملايين ممن يدفعون الضرائب ويساهمون في اقتصادنا وحياتنا". مشدداً "لن نشارك على الإطلاق في تنفيذها. لن ننفق سنتاً واحداً، ولن نحرك ساكناً لمساعدته في هذه الجهود".


خطوات استباقية


وكانت السلطة التشريعية في ولاية كاليفورنيا قد اتخذت بالفعل العديد من الخطوات الاستباقية ضد سياسات ترامب. ففي ديسمبر/ كانون الأول، مرَّر كلٌّ من مجلس النواب ومجلس الشيوخ في الولاية قراراً يدعو ترامب للتخلي عن وعده بترحيل ملايين من المهاجرين غير الشرعيين.

وقد طرح المجلسان مشروع قانونٍ بإنشاء صندوقٍ للمساعدة القانونية لأولئك الذين يواجهون الترحيل، وكذلك مشروع قانونٍ آخر يقضي بإنشاء مراكز تدريبٍ للتوعية بقانون الهجرة.

وقال رئيس مجلس النواب في الولاية، أنتوني ريندون، إنَّه "من المؤسف أنَّ ترامب يعتقد أنَّ هذه القرارات التنفيذية ستجعل أميركا أكثر أمناً، ومن المؤسف أنَّه يعتقد أنَّها تنهض بأميركا".

وقال السيناتور في مجلس شيوخ ولاية كاليفورنيا عن مدينة سان فرانسيسكو، سكوت وينر، إنَّ "هذا يومٌ مخز بالنسبة لبلادنا، لكنَّه فقط يقوّي تصميمي على الوقوف في وجه التعصب والكراهية المثيرين للقلق الصادرين من البيت الأبيض".

وتابع "إذا كان الرئيس ترامب يعتقد أنَّ توقيع ورقةٍ سيُغيِّر ولو لثانيةٍ واحدة مقدار التقدير والحماية الذي تمنحهما سان فرانسيسكو وكاليفورنيا لجيراننا المهاجرين، فإنَّه بذلك يستهين بقوَّتنا وهمَّتنا".

وجاءت هذه التصريحات بعد يومٍ واحد فقط من تخصيص جيري براون، حاكم ولاية كاليفورنيا الديمقراطي، جزءاً من خطابه عن حالة الولاية للثناء على مساهمات مهاجري كاليفورنيا، وهو ما يُعَد انتقاداً صريحاً لنظرة ترامب.

وقال: "المهاجرون جزءٌ لا يتجزَّأ من كينونتنا وممَّا أصبحنا عليه". وأضاف: "دعوني أكون صريحاً: سندافع عن كل شخص، كل رجلٍ، وكل امرأةٍ، أتى إلى هنا من أجل حياةٍ أفضل، وساهم في ازدهار ولايتنا".

- هذا الموضوع مترجم عن النسخة الأميركية لـ"هافينغتون بوست". للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.