"كأنه سحبة قوس في أوتار الكمان".. سيد حجاب أغنية مصرية بدأت في الأربعينات وانسحبت في ذكرى الثورة التي تنبأ بها

تم النشر: تم التحديث:
SYDHJAB
سيد حجاب | social media

ربما لأنه كتب أولى قصائده عن شهيد مصري حارب المستعمر، اختار له القدر أن يغادر العالم في ذكرى ثورة الشهداء المنسيين، التي حاربت الاستبداد. هكذا رحل الشاعر الكبير سيد حجاب في الذكرى السادسة لثورة تنبأ بها في قصيدته الشهيرة "قبل الطوفان اللي جاي"، وشارك في طوفانها بميدان التحرير، ثم كتب دستورها حالماً بغدٍ لم يأت بعد... فآثر الرحيل قبل أن تأكل الثورة أبناءها، وقبل أن تضيع ذكريات الحلم.

سيد حجاب "ابن البحر" بحسب النشأة في قرية ملاصقة لبحيرة المنزلة، وبحسب القصيدة الأولى -القصيدة العامية التي نشرها له صلاح جاهين- غادر العالم وثورة يناير تحاول لمَّ شمل أبنائها بلا جدوى... فهل تنقذ الثورة أغنية تقول:

"الزمان ده شبابه مش نسّاي
لا يبيع ولا ينشري ولا يخشى من التهديد
طول ما الضمير حي الربيع جاي جاي
وجميع ولاد حارتنا جدعان بجد
وشبابها ماله زيّ
ولا أيّ أيّ
هيطفي ضيّ الروح في جيل استجد
من حقه أنه يعيش في حارتنا سيد"


هذه ملامح في سيرة أغنية طويلة اسمها سيد حجاب، كتبت في الأربعينات وانتهت في ذكري ثورة يناير السادسة.


الميلاد والبحر



ولد سيد حجاب في قرية المطرية على بحيرة المنزلة بمحافظة الدقهلية في دلتا مصر، في الثالث والعشرين من سبتمبر من العام 1940، ومصر ترزح تحت الاحتلال الإنكليزي. وعندما بلغ الثانية عشرة وبدأ يتحسس طريق الفن والأدب وهو تلميذ صغير، قام الضباط الأحرار بالثورة على الملكية والاحتلال الإنكليزي، في 23 يوليو/ تموز 1952.

وعندما قام العدوان الثلاثي على مصر كتب الشاب سيد حجاب قصيدة بالفصحى كانت أولى قصائده المنشورة في مجلة الرسالة الجديدة. وبينما كان الرئيس جمال عبد الناصر يقوم بتحويل مصر إلى الاشتراكية في العام 1961، مدشنا ما أسمته أغنية الفنان عبد الحليم حافظ "بستان الاشتراكية"، كان سيد حجاب يلتقط الخيط ويكتب عن فقراء قريته وأحلامهم في ديوانه الأول "صياد وجنيّة".

وأي قراءة في سيرة حياة شاعرنا الراحل هي بالضرورة قراءة في سفر الثورة والنضال في مصر صعوداً وانكساراً.


أول قصيدة.. في رثاء شهيد



في الحادية عشرة من عمره، كتب سيد حجاب أولى قصائده في رثاء شهيد من بلدته، اسمه نبيل نصير انضم للمقاومة ضد الاحتلال الإنكليزي في بورسعيد في بداية الخمسينات من القرن الماضي. يقول فيها:

"كنا جزافا وأبطالا صناديدا، صرنا لرجع الصدا في الغرب ترديدا..
لكننا سوف نعلو رغم أنفهمُ، ويكون يوم نشورنا في الكون مشهودا"



sydhjab

الشهيد كان طفلاً والشاعر كذلك، ومن هنا بدأت حكاية الشعر مع سيد حجاب ابن الشيخ الأزهري الذي علمه عروض الشعر. وكانت مكتبة الوالد بوابة الثقافة للشاعر الصغير، ففيها تعرَّف حجاب على المتنبي والعقد الفريد وكتب التراث الأدبي القديم.


الإخوان والهندسة


كعادة كثير من أبناء الريف في ذلك الزمان، التحق الصبي سيد حجاب بأشبال جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت واسعة الانتشار في الريف المصري منذ تأسيسها على يد حسن البنا في العام 1928. وكان سيد يؤم المساجد ويلقي الشعر الديني في الحلقات والأمسيات التي يتم تنظيمها في المسجد بالقرية، لكنه سرعان ما غادر الجماعة عندما التحق بكلية الهندسة، بجامعة الإسكندرية. ولكنه رسب في السنة الأولى فانتقل إلى كلية الهندسة جامعة القاهرة في العام 1958، وانخرط في الحركة الشعرية والسياسية في الستينات من القرن الماضي، ولكنه لم يكمل دراسته مكتفياً بالشعر والنضال.


من الفصحى للعامية..



كان سيد حجاب يكتب شعر الفصحى في البداية، وقدمه الشاعر الراحل فوزي العنتيل في مجلة الرسالة الجديدة بقصيدة تهاجم العدوان الثلاثي على مصر، وكان حجاب وقتها طالباً. ثم قدمه بعد ذلك الناقد الكبير عبد القادر القط في مجلة الشعر. إلا أن مسيرته تغيرت تماماً عندما نشر له الشاعر الكبير صلاح جاهين قصيدة "ابن بحر" في العام 1961، وكتب جاهين عنه وقتها في باب أسبوعي يقدمه بعنوان (شاعر جديد): "هذا شاعر أحببته من أول شطرة"...

وبسبب صلاح جاهين حسم سيد حجاب صراعاً داخلياً عاشه بين الفصحى والعامية، وقرر الكتابة بالعامية المصرية وحدها، وبها أصدر ديوانه الأول "صياد وجنية" في العام 1964، وانعكست فيه تجارب الحياة الأولى التي عاشها بين القرية والبحر وحياة الصيادين. وكان للديوان صدى كبير في الأوساط النقدية، وتوالت بعده القصائد والإبداع.


السجن


نادراً ما تجد شاعراً موهوباً في مصر الناصرية لم يذق طعم السجن، فقد تعرَّض معظم شعراء مصر وكتَّابها للاعتقال في العهد الناصري، الذي اضهد فريقين متناقضين: الإخوان المسلمين واليساريين. وكان سيد حجاب قد انخرط في الحركة اليسارية، وتعرَّض للسجن في عهد عبد الناصر في عام 1966 بتهمة الانضمام لتنظيم شيوعي معادٍ للدولة.

ورغم ذلك، ظل سيد حجاب مؤمنا بالثورة وإن ظلت عنده مجرد أغنية إلى أن شارك وهو ابن السبعين في ثورة 25 يناير 2011، التي مهد لها بقصيدة بعنوان "قبل الطوفان اللي جاي". كل اللي لابدين فوقنا ومأبدين ياللي إنتو مش منا ولا إنتو أصحاب فضل ولا منة بس إنتو حاكمينا وشاكمينا وظالمينا بالجهل والعجرفة وآيات كتب دموية متحرفة فيها عشرميت إنّ ومآلمينا ياعقول قديمة خالية م المعرفة يا عيون لئيمة في الكدر والصفا ياديول خيول منفوشة متزخرفة حقيقتها باينة لكل مين له عينين! ح تعملوا إزاي في الطوفان الجاي؟ ح تهربو لفين منه يا غفلانين؟ لا ليكو حجة.. ولا الزمان نساي؟ ولا إنتو شايفين الطوفان جاي منين.

منين بيجي الشجن؟!


لا يمكن لمن تابع الدراما المصرية أن ينسى تلك الأغنية التي كتب كلماتها الراحل سيد حجاب، ولحنها الراحل عمار الشريعي، وغناها محمد الحلو لأهم مسلسل درامي مصري وهو "ليالي الحلمية"، للمؤلف أسامة أنور عكاشة، وإخراج إسماعيل عبد الحافظ، ورصد ملامح الشارع المصري سياسيا واجتماعيا خلال نصف قرن، وقرأ تاريخ مصر بين الملكية والجمهورية، وبين انتصار ثورة يوليو وانكساراتها، وحروب مصر ضد اسرائيل، وأثرها على بنية المجتمع المصري وقيمه الاجتماعية، فلخص حجاب في أغنية شجية تاريخ الثورة المصرية وأحزانها ووجعها في أغنية كتب لها البقاء.

ليه يا زمان ما سبتناش أبريا،

وواخدنا ليه في طريق مامنـّوش رجوع؟

ولم تكن ليالي الحلمية وحدها في رصيد سيد حجاب، فهو من أهم من كتبوا الأغنية الدرامية التي ارتبطت بتطور المسلسلات الدرامية في مصر، فقد كتب قبلها مقدمة مسلسل الأيام، الذي يرصد قصة حياة عميد الأدب العربي طه حسين، الذي كان من علامات النجم أحمد زكي:

من عتمة الليل النهار راجع

ومهما طال الليل بيجي نهار

وكانت مقدمة حجاب لمسلسل بوابة الحلواني أغنية عن مصر، يكرر فيها أن "اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني".


وقدم أيضا لأسامة أنور عكاشة الذي ارتبط معه بصداقة كبيرة، مقدمة ونهاية مسلسل الشهد والدموع، ومقدمة ونهاية مسلسل أرابيسك:

وينفلت من بين إيدينا الزمان

كأنه سَحبة قوس في أوتار كمان

أغنية حجاب الدرامية لم تكن تشرح المسلسل أو تزينه بحليات غنائية، بل تقدم قراءة شعرية لروح المسلسل، وتبقى بعده كأغنية يطلبها الجمهور من المطربين الذين غنوها في كل الحفلات، كما يحدث مع محمد الحلو والحجار اللذين كانا من أهم الأصوات التي قدمت أغنيات سيد حجاب.

كانت الأغنية سواء الفردية أو الدرامية المرتبطة بمسلسل تلفزيوني سلاح حجاب الأساسي للوصول إلى الجماهير، الذين آمن بحقهم في الحياة الكريمة، وصور أحلامهم في دواوينه، ولكنه وصل إليهم أكثر عن طريق الأغنية.


ديباجة دستور 2014


بعد أن شارك سيد حجاب في ثورة يناير وتظاهرات 30 يونيو وقع عليه الاختيار للانضمام إلى لجنة كتابة الدستور، وتم اختياره لكتابة ديباجة الدستور، الديباجة التي انتهت بالعبارات الشهيرة:
نكتب دستوراً يؤكد أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وأن المرجع في تفسيرها هو ما تضمنه مجموع أحكام المحكمة الدستورية العليا في ذلك الشأن.

نكتب دستوراً يصون حرياتنا، ويحمي الوطن من كل ما يهددهُ أو يهدد وحدتنا الوطنية.

نكتب دستوراً يحقق المساواة بيننا فى الحقوق والواجبات دون أي تمييز.

نحن المواطنات والمواطنين، نحن الشعب المصري، السيد في الوطن السيد، هذه إرادتنا، وهذا دستور ثورتنا.

هذا دستورنا.

ورغم مشاركة حجاب في كتابة الدستور في عهد النظام الذي جاء بالسيسي رئيسا، فإنه في حوار صحفي لجريدة الوطن المستقلة وجَّه رسالة للرئيس المصري، قائلاً: "أهلك لا تهلك.. ده انت بالناس تكون"، مذكرا بأغنيته الشهيرة في أرابيسك.


وصية شعرية


في ختام السيرة والمسيرة تبقى وصية كتبها سيد حجاب

ولما أموت

لو مت ع السرير ابقوا احرقوا الجسد

ونطوروا رمادي

شوية لبيوت البلد

وشوية ترموهم على "تانيس"

وشوية حطوهم فى إيد ولَد..

ولَد أكون بُسُته.. ولا اعرفوش

ولو أموت قتيل

-وانا من فتحة الهويس بافوت-

ابقوا اعملوا من الدما حنة

وحنوا بيها كفوف عريس

وهلال على مدنة

ونقرشوا بدمى

على حيطان بيت نوبي تحت النيل..

اسمي.