ينصرفون عن أميركا وينصتون لبوتين.. هكذا أصبحت روسيا الفاعل الرئيسي في الشرق الأوسط

تم النشر: تم التحديث:
S
s

أخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على عاتقه استعادة دور بلاده المهيمن الذي لا يمكن الاستغناء عنه في منطقة الشرق الأوسط، وهو الدور الذي يمكن أن ينافس نفوذ الولايات المتحدة. ويبدو أنه ينجح في تحقيق ذلك، وفقاً لبعض المعايير، وفق صحيفة واشنطن بوست.

فلم تنجح الضربات الجوية الروسية على مدار 15 شهراً في إنقاذ نظام الرئيس بشار الأسد فحسب؛ بل أدت إلى انعقاد مفاوضات هذا الأسبوع أيضاً، برعاية روسيا وإيران وتركيا، للاتفاق على آلية لدعم وقف إطلاق النار في النزاع السوري. كانت تلك الجهود الدبلوماسية برعاية روسية تستهدف اختبار الدور المحتمل الذي تضطلع به روسيا كوسيط في عملية السلام، دون وجود أي دور للولايات المتحدة في تلك العملية، بما يحقق الرضا والسعادة لأعضاء الكرملين.

وذكر أليكسي ملاشينكو، الخبير بشؤون الشرق الأوسط بمعهد كارنيغي في موسكو: "لا تسعى روسيا لاستعراض مصالحها الوطنية في منطقة القرم ودونباس وجورجيا فحسب؛ بل في كل أنحاء منطقة الشرق الأوسط". (دونباس هو الإقليم المتنازع عليه شرق أوكرانيا)؛ "إنه رمز هام للغاية".

ويرى بوتين أن مثل هذه المصالح تتعرض لتهديدات الولايات المتحدة، التي اتهمها بوتين بإثارة حالة عدم الاستقرار الحالية في الشرق الأوسط من خلال سياسة خارجية متصدعة للتدخل في شؤون الآخرين وتعزيز الديمقراطية. ويذكر بوتين أن قرارات، مثل غزو العراق عام 2003 وثورات الربيع العربي التي بدأت عام 2011 (والتي اتهم الولايات المتحدة بدعم قيامها)، قد شجعت على انتشار التطرف.


بوتين يرفض الانصياع


وجاءت أسوأ تلك المراحل التي واجهت بوتين في مارس/آذار 2011، حينما كان يشغل منصب رئيس الوزراء الروسي. فقد رفض الرئيس الروسي حينذاك ديمتري ميدفيديف استخدام حق الفيتو ضد قرار الأمم المتحدة بحظر الطيران في الأجواء الليبية، ما مهد الطريق أمام الضربات الجوية لحلف شمال الأطلنطي هناك. ويبدو أن القرار قد أكد دور روسيا باعتبارها قوة من الدرجة الثانية في الشرق الأوسط. وغضب بوتين بشدة من رئيسه ميدفيديف وأعلن أن قرار الأمم المتحدة "يذكرنا بدعوة شن الحروب الصليبية خلال العصور الوسطى". والآن، بعد فترة رئاسة ثالثة وبعد تفاقم الخلاف مع الولايات المتحدة بشأن ضم إقليم القرم، تمكن بوتين من توطيد أقدامه ورفض الانصياع.

وأخبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، خلال كلمته عام 2015، أي قبل إعلان تدخله في سوريا بأيام قليلة: "لم تعد روسيا تحتمل الوضع الحالي في العالم". وقال خلال كلمته: "بدلاً من انتصار الديمقراطية والتقدم، فإننا نواجه العنف والفقر والكوارث الاجتماعية. لا يسعني سوى أن أسأل هؤلاء الذين تسببوا في الوصول إلى هذا الوضع: هل تدركون الآن ما فعلتموه؟ ولكن يؤسفني أنه لن يجيب أحد عن هذا التساؤل".

ويروق لبوتين أن يعتبر نفسه جزءاً من الحل، حيث يشكل تحالفاً مناهضاً للإرهاب على غرار التحالف الذي نشأ ضد ألمانيا النازية. ومع ذلك، يرى الزعيم العالمي الذي يتبنى دور خصم الغرب الليبرالي أن التحول من القوة العسكرية إلى الجهود الدبلوماسية أمر معقد للغاية.

حقق بوتين العديد من الانتصارات الدبلوماسية، ومن بينها اتفاق عام 2013 الذي أبرمه مع الولايات المتحدة بشأن مصادرة الأسلحة الكيماوية السورية (وتجنب الضربات الجوية الموجهة ضد الأسد جراء استخدام تلك الأسلحة). ومع ذلك، فإن تبنّي دور الوساطة بالنزاع السوري، في ظل السياسات المتحولة، يكون أكثر صعوبة من المشاركة في ذلك الدور.


الجميع مضطر في هذه المرحلة إلى الإنصات لمخاوف روسيا


وذكر ليونيد إيساييف، الباحث بكلية الاقتصاد في موسكو حول شؤون الشرق الأوسط: "نعم، يضطر الجميع في هذه المرحلة إلى الإنصات لمخاوف روسيا. ومع ذلك، التأثير لن يكون إيجابياً دائماً. يمكنك أن تصبح قوة مدمرة أو أن تحاول تسوية النزاعات. ويعد البديل الأول أكثر سهولة وتحظى روسيا بالإمكانات العسكرية لتنفيذه. ويتمثل التساؤل فيما إذا كان يمكن الآن ترجمة النفوذ العسكري إلى نفوذ سياسي".

ونتيجة لذلك، كان الهدف من المفاوضات المنعقدة في أستانة، عاصمة كازاخستان، متواضعاً ويتمثل في دعم وقف إطلاق النار بدلاً من السعي وراء التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع الذي استعصى على المفاوضين في جنيف على مدار سنوات. ومع ذلك، فقد حقق الكرملين بعض النجاح من خلال الجمع بين الأطراف المتنازعة معاً للمرة الأولى على مائدة المفاوضات.

وذكر نيكولاي كوزانوف، الخبير بشؤون الشرق الأوسط بجامعة بطرسبرغ، أن "المفاوضات تعد بمثابة "اختبار للقدرات الروسية". وأضاف: "والآن، بعد انتصار النظام في حلب، فإن اجتماع أستانة يعد دليلاً يثبت أن روسيا قد أصبحت قوة ذات نفوذ في المنطقة".

احتل نفوذ بوتين المتنامي في الخارج، وخاصة في الغرب، معظم عناوين الصحف مؤخراً على غرار تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، وتوقعات تدخّلها في الانتخابات الأوروبية القادمة التي يمكن أن تحدد مصير الاتحاد الأوروبي. وهناك ارتياب في علاقة الكرملين بذلك، إلا أن ذلك لم يثبت بعد، ومن غير المحتمل أن يعلن بوتين مسؤوليته عن مثل هذه التدخلات.

ومع ذلك، فقد يسعى بوتين إلى ترك إرث لنفسه في الشرق الأوسط من خلال تبنّي دور دبلوماسي وسياسي في النزاع الذي استمر بعد انتهاء فترة رئاسة أوباما.

- ­هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية٬ اضغط هنا.