عُذِّب وقُتل ثم سربوا فيديو له.. كيف تسبب مقتل ريجيني بالقاهرة في التأثير على الملف الليبي؟

تم النشر: تم التحديث:
AYTALYA
social media

تتذكر باز زاراتيه آخر محادثة لها مع جوليو ريجيني، طالب الدكتوراه في جامعة كمبردج ذي الـ28 عاماً الذي اختفى من أحد شوارع القاهرة قبل سنة من الآن.

كان سعيداً بحياته وواقعاً في الحب، كما كانت أبحاثه التي يجريها تشعره بتحقيق ذاته، وتذكر أيضاً صحيفة "الغارديان" على لسان زاراتيه "كان يشعر بالتقدير، فقد كان يحاول مساعدة الآخرين بالدراسة".

ولكن، بعدما وُجدت جثة ريجيني مثخنة بالضرب والتعذيب ملقاة على ناصية الطريق التاسع بعد بضعة أيام، هبت زاراتيه وأصدقاء مقربون آخرون لإطلاق حملة عالمية مطالبين بإجابات وتفسيرات؛ كانت تلك هي الحملة التي أتت بنتائج وخيمة على العلاقات بين مصر وإيطاليا، فالأخيرة استدعت سفيرها في القاهرة؛ تعبيراً عن سخطها لقلة التعاون المصري في التحقيقات بمقتل ريجيني.

اليوم، بتنا نعرف المزيد عن آخر أيام طالب كمبردج في حياته، مثل ما أقر به نقيب الباعة المتجولين محمد عبدالله الذي كان من نبّه السلطات المصرية إلى عمل ريجيني في دراسة عن التحركات العمالية.

عُذّب وقُتل على يد السلطة

ليس أكيداً إن كان تنبيهه هذا هو ما تسبب في مقتل ريجيني، ولكن المعتقد السائد في إيطاليا هو أن ريجيني عُذّب وقُتل على يد عناصر من الدولة المصرية حتى لو كانت حكومة عبد الفتاح السيسي قد نفت مسؤوليتها عن الجريمة.

وقال مسؤول إيطالي تحدث شريطة عدم ذكر اسمه: "لقد وصلنا طريقاً مسدوداً"، مضيفاً أن حكومته تجاهد لتقرر كيف تضع نهاية للطريق المسدود الذي وصلته مع القاهرة، خاصة في ظل مخاوف سياسية خارجية أخرى، لا سيما بخصوص الأزمة المتدهورة في ليبيا، حيث لمصر نفوذ كبير.

تشير اللقاءات المنتظمة، التي عُقدت في روما بين محققين مصريين وإيطاليين، إلى وجود تقدم ما، ولكن رغم قول المسؤولين الإيطاليين إنهم قد تسلموا كل القرائن المطلوبة (مثل سجلات الهاتف)، فإن التأكيدات شحيحة على أن هذا الحوار سيقود إلى اتخاذ أي إجراءات جادة حقيقية من جانب نظام القضاء المصري.

فالجهود المستقلة التي بذلتها عائلة ريجيني للمطالبة بالإجابات لم تلقَ سوى الصمت، فمستشار العائلة القانوني في مصر طالب مرتين بنسخة عن ملف قضية الادعاء العام المصري الذي يُعتَقد احتواؤه على معلومات حساسة مثل أسماء المتورطين في مقتل ريجيني، بيد أن العائلة وممثلهم القانوني لم يلقوا جواباً.

يقول أحمد عبد الله رئيس مجلس الأمناء في المفوضية المصرية للحقوق والحريات الذي يتابع محاموه قضية عائلة ريجيني: "لقد طالبنا المدعي العام المصري بالأوراق، وذكّرناه بأننا كنا بالأساس قد طالبنا بالأوراق قبل أكثر من 7 أشهر، وما زلنا لم نلقَ جواباً بعدُ، ولا ندري هل سنحصل عليها يوماً ما أم لا. إن في حصول المحامين على الأوراق اعترافاً بعملنا على القضية وأن في وسعنا المطالبة بمجيء شهود".

وأضاف أحمد عبد الله: "أريد العدالة لكل الآباء والأمهات، أريد للناس أن يعرفوا أنه لو مسَّ ضرر أبناءهم فإن الناس ستجاهد من أجل مجرى العدالة في القضية؛ إذ لا شيء سيشفي غليل عائلته ولا أصدقائه سوى الحقيقة، ونحن أيضاً نريد الحقيقة".

العلاقات الليبية

وقد ألقى الفشل الظاهر في محاسبة قتلة ريحيني بظلاله على العلاقات المصرية-الإيطالية حتى بات التواصل مع مصر أصعب بشأن استقرار ليبيا، التي هي أهم أهداف السياسة الخارجية لروما.

فمصر تساند اللواء خليفه حفتر، القائد العسكري لحكومة شرق ليبيا التي تجابه حكومة طرابلس المدعومة إيطالياً وأممياً.

وقد أعادت روما تواً افتتاح سفارتها في طرابلس، ويذكر أن ليبيا هي نقطة انطلاق العديد من اللاجئين الذين يصلون سواحل إيطاليا بحراً وزاد عددهم على 180 ألفاً عام 2016.

وكان سفير الناتو السابق لدى إيطاليا، ستيفانو ستيفانيني، قد قال: "المفروض أننا بحاجة لأكبر قدر ممكن من الدبلوماسية الإقليمية في ليبيا، بيد أن قضية ريجيني حجر عثرة".

وأضاف ستيفانيني أنه في حين اتخذت إيطاليا من القضية "موقف مبدأ"، فإن القضية فاقمت العلاقات مع القاهرة حتى تعقدت المشاكل في أماكن أخرى.

وكان مسؤول أميركي رفيع في حكومة أوباما المنصرمة قد قال إن مقتل ريجيني قد "أضر كثيراً بالعلاقة" بين مصر وإيطاليا، فيما نفى أحمد أبو زيد، المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية المصرية، وجود أي آثار عالقة، بقوله: "بالطبع، كانت هناك بعض الحساسيات أول الأمر وبعض التوتر بين السلطتين حينما بدأ التحقيق؛ نظراً لتلهف الجانب الإيطالي على التوصل إلى استنتاجات بأسرع وقت ممكن، ولكن مع الوقت والتعاون...أرى أنه قد اتضح للجانب الإيطالي أن السلطات المصرية تبذل قصارى جهدها كي تكشف من كان وراء هذه الجريمة".

داخل أروقة وزارة الخارجية الإيطالية ما زال المسؤولون يتناقشون في مسألة إرجاع سفير بلادهم إلى القاهرة.

يقول ماريو جيرو نائب وزير الخارجية الإيطالي: "لم نتخذ قراراً حتى اللحظة". ولما سئل عما تنتظره إيطاليا حتى تتخذ قرارها، أجاب: "تسليط ضوء كاشف لما حدث".

رغم تضرر العلاقات الدبلوماسية بينهما، فإن اتفاقيات الطاقة الإيطالية الموقعة مع القاهرة والتي تبلغ قيمتها مليارات من اليورو ما زالت في توسع، فشركة النفط الحكومية الإيطالية Eni أصدرت بياناً طالبت فيه بالعدالة لقضية ريجيني

بيد أنها رفعت من وتيرة أعمالها في مصر، ووعدت بأن خطوط حقل الغاز الطبيعي المصري "ظهر" ستكون قيد التشغيل قبل نهاية عام 2017، ووعدت أيضاً بزيادة الاستثمار هناك بمقدار 3.5 مليار دولار. وكان كلاوديو ديسكالزي، الرئيس التنفيذي للشركة الإيطالية، قد التقى السيسي في وقت سابق من الشهر الجاري.

أما في إيطاليا، فما زالت الرايات الصفراء المطالبة بـ"الحقيقة لجوليو" ترفرف خارج مباني البلديات والمنازل، بيد أن أعدادها خفت عن ذي قبل.

والدة ريجيني، واسمها باولا، تحولت إلى الوجه العام المعذَّب الذي يمثل المأساة، وقد اختارتها صحيفة La Repubblica الإيطالية لتكون امرأة العام، حيث قالت الصحيفة إنها تحولت إلى رمز البحث عن الحقيقة والعدالة، ليس اقتصاصاً لابنها فقط؛ بل لكل أشكال انتهاك حقوق الإنسان.

وقد تحولت قضية مقتل ريجيني إلى رمز يعبر عن ارتفاع أعداد ظاهرة "الاختفاءات القسرية" في مصر المرتبطة في الأذهان بالتعذيب، حيث يتم احتجاز الضحايا سراً ويُحرمون التواصل مع أهاليهم أو محاميهم. وكانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات قد رصدت في تقريرها السنوي الأول 789 حالة بين أغسطس/آب 2015 وأغسطس 2016.

ومثل والدته باولا كذلك، ساور صديقته زاراتيه التشيلية المتخصصة بالقانون الدولي شعور بأن الأمور ستسير بشكل سيئ أول ما سمعت نبأ اختفائه، وقالت إن أهون الشر كان عثورهم على جثته وتمكنهم من دفنه.

بعدما صدمهم الخبر، لم يكن أمام أصدقاء ريجيني متسع من الوقت لتنظيم أنفسهم، بيد أنهم تجمعوا للمسارعة في العمل ونشر اسمه وقضيته في العالم.

تقول زاراتيه: "إنه يرمز للعمل الدؤوب وللشخص الذكي والتغلب على الظروف الصعبة والقدرة على خدمة العالم. إنه أمرٌ يوحدنا كلنا، نحن أصدقاؤه، فكلنا باحثون بطريقة ما".

كان تحت مراقبة الحكومة

وكان التلفزيون المصري الرسمي، هذا الأسبوع، قد أذاع مقطع فيديو جديداً أثبت أن جوليو ريجيني كان تحت مراقبة الحكومة، ما أكد مزاعم نقيب أحد اتحادات المهن المصرية بأنه نقل شكوكه المزعومة بأبحاث ريجيني للشرطة قبل وقت قصير جداً من تعرض الطالب للتعذيب والقتل.

ويظهر الفيديو ريجيني وهو يتحدث بالعربية لمحمد عبد الله، نقيب اتحاد الباعة المتجولين بالقاهرة، الذي يكرر على ريجيني طلبه النقود بقوله إنه يحتاجها لدفع مصاريف علاج زوجته من مرض السرطان، فيجيبه ريجيني بأنه لا يستطيع إعطاء عبد الله نقوده التي حصل عليها من منحة –والتي أقر بأنها منحة من المملكة المتحدة- لأسباب شخصية، لكنه اقترح على عبد الله أن يتقدم بطلب منحة؛ لكي يدعم نشاطات اتحاده النقابي.

وكان الفيديو تم تصويره بكاميرا متناهية الصغر مخبأة في زر قميص عبد الله.

وفي حين أن إشارة ريجيني إلى تمويل أبحاثه من مصدر أجنبي لا يعد أمراً غريباً عن الأوساط الأكاديمية، إلا أن مسألة التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية أمرٌ أثار جدلاً كبيراً في مصر منذ عام 2013 عندما بدأت الحكومة حملة لتعقب تلك المنظمات غير الحكومية وقمعها، زاعمة أنها تهديدٌ للأمن القومي.

وقالت ميشيل دون الخبيرة في الشأن المصري بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن الفيديو يدعم المزاعم الشائعة القائلة إن مقتل ريجيني كان على يد الدولة المصرية، وتساءلت: لماذا نشر التلفزيون المصري الحكومي هذا المقطع المصور وأذاعه على الهواء؟

وختمت دون بالقول: "إن هدف الفيديو هو زرع الشكوك والقول بأنه من الواضح أنه كان يدبر مكيدة ما، بضخ الأموال الأجنبية في اتحادات المهن، ولو كان لي التخمين لقلت إن السلطات قد تكون أدركت أن شخصاً من الدولة قتله، فبادرت لتقول إنه مهما كان مَن قتله فإنه كان رجلاً شريراً ويستحق ذلك من المؤسف والمحزن أنه بعد عام من مقتله، فإن شخصاً في الدولة يحاول تلطيخ سمعته".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.