بناء على طلب الرئيس.. علماء بالأزهر يعترضون على إلغاء الطلاق الشفوي لأنه "استدراك على الله ورسوله"

تم النشر: تم التحديث:
SISI
Carlo Allegri / Reuters

الفكرة ليست جديدة؛ فقد طرحها الشيخ خالد الجندي عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، والشيخ سعد الهلالي من قبل، واعترض عليها علماء بالأزهر منهم الشيخ أحمد كريمة.

ولكن طرحها هذه المرة على لسان الرئيس الرئيس عبد الفتاح السيسي، على الملأ، يعني البدء فوراً في تنفيذها من جانب الأزهر ونواب في البرلمان.

بعد لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي، نهار الإثنين 23 يناير/ كانون الأول، اللواء أبو بكر الجندي، رئيس الجهاز المركزي للتعبئة؛ للتجديد له في وظيفته لمدة عام، علم منه أن 40% من حالات الزواج السنوية التي تبلغ 900 ألف زيجة، تنتهي بالطلاق، ليقرر الثلاثاء، إصدار قانون ينظم حالات الطلاق رسمياً ولا يعترف بالطلاق الشفوي.


دولة مدنية تحافظ على مجتمعها


طلبُ السيسي أيده شيخ الأزهر، وأعلن وكيل الأزهر رسمياً أنهم يدرسون هذا المطلب، وبادر عضوان بمجلس النواب -أحدهما أستاذة بجامعة الأزهر- بإعلان تقديمهما مشروعاً بالقانون للبرلمان، ولكن ردود فعل المصريين اختلفت.

ووجه السيسي حديثه لشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، خلال كلمته بمناسبة عيد الشرطة الـ65 بأكاديمية الشرطة، الثلاثاء 24 يناير/كانون الثاني 2017، مطالباً بقانون لتقنين الطلاق.

ورغم أن شيخ الأزهر أومأ برأسه موافقاً، فقد قال له السيسي: "تعبتني يا فضيلة الإمام"، دون معرفة سبب قوله هذه العبارة.

وأشار السيسي في كلمته إلى أهمية "توثيق الطلاق" بحيث لا يتم إلا أمام المأذون؛ حتى يعطي فرصة للمتزوجين لمراجعة أنفسهم، قائلاً: "احنا كدولة معنيّة بالحفاظ على مجتمعها، ما نطلعش قانون ألا يتم الطلاق إلا أمام مأذون؟".

ولا يتم الطلاق في مصر إلا بعد توثيقه رسمياً أمام المأذون الشرعي بالفعل، ما أثار تساؤلات حول طبيعة هذا القانون المطلوب. ولكن، هناك حالات طلاق شفوي دون إعلان رسمي تضر بالمرأة ويترتب عليها عدم إنفاق الأزواج على زوجاتهم.


تطور الفكرة منذ 3 أعوام


بدأت الفكرة تتبلور عام 2015 عبر دعوات للشيخ خالد الجندي مع الدكتور سعد الدين الهلالي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، طالب فيها الداعية الإسلامي، الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، بأن يتبنى هذه الفكرة وأن يقدم بنفسه الطلب لمجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء لإصدار قرار بعدم الاعتراف بـ"الطلاق الشفهي"، وإلغائه، وألا يُعتدّ به إلا بعد إتمام الطلاق على يد مأذون شرعي.

أصدر الدكتور سعد الدين الهلالي، مؤخراً، كتاباً بعنوان "فقه المصريين فى إبطال الطلاق الشفوي للمتزوجين، بالوثائق الرسمية"، ذكر فيه أن القانون رقم 100 لسنة 1985م، المعدل للقانون رقم 25 لسنة 1929م، بشأن بعض أحكام الأحوال الشخصية، المادة الخامسة مكرر تنص على أنه "على المطلق أن يوثق إشهاد طلاقه لدى الموثق المختص خلال 30 يوماً من إيقاع الطلاق".

وتابع أنه "تترتب آثار الطلاق من تاريخ إيقاعه، إلا إذا أخفاه الزوج عن الزوجة، فلا تترتب آثاره من حيث الميراث والحقوق المالية الأخرى إلا من تاريخ علمها به".

وقبل حديث السيسي الثلاثاء عن تقنين الطلاق بـ24 ساعة، خرج خالد الجندي ليكرر مطلبه ويثير القضية مرة أخرى، حين أجاب عن سؤال متصلة قالت: "والدي ووالدتي كانوا بيتخانقوا مع بعض وقالها (إنتي طالق)، ودلوقتي عاوز يرجعها ودا أول طلاق"، قائلاً: "الطلاق الذي ينطق به الزوج بفمه، غير صحيح ولا يقع".

وأضاف الجندي، خلال حواره في برنامج "لعلهم يفقهون"، على قناة " دي إم سي" أمس، أن النص القرآني أمر بالوفاء بالعقود، حيث إنه يشترط لصحة الطلاق أن يكون هناك عقد مكتوب يثبت ذلك.

وتابع قائلاً: "الشرع بيقول: اللي اتعمل بعقد لا يلغى إلا بعقد مضاد، عقد زواج وعقد طلاق، الطلاق الشفوي لا قيمة له، لو واحد قال لمراته إنتي طالق 20 ألف مرة لا قيمة له".


الجندي: خطوة على طريق تجديد الخطاب الديني


لهذا أعرب "الجندي" عن ترحيبه بإلغاء السيسي الطلاق الشفوى، واعتبره "خطوة على طريق تجديد الخطاب الديني".

وتعليقاُ على مطالبة السيسي بتقنين الطلاق، قال خالد الجندي، في تصريح خاص لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن "إلغاء الطلاق الشفوى يعد خطوة جيدة على طريق تجديد الخطاب الديني"، منوهاً إلى أن "هناك حديثاً عن عثمان بن عفان -رضى الله عنه- يقول (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)، بمعنى أن سطوة السلطة قادرة على الدفع بقاطرة التجديد إلى الأمام".

وأعرب الداعية الإسلامي عن "ثقته التامة بالأزهر الشريف وشيخه وعلمائه، في سرعة الاستجابة لمبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسي، بإلغاء الطلاق الشفوي".

ورغم أن القانون لم يصدر بعد، هنأ خالد الجندي المرأة بإلغاء الطلاق الشفوي، قائلاً: "مبروك لكل امرأة وطفل وأب وكل أسرة"!

وقال "الجندي" في تصريحاته الخاصة، إن الأزهر ورجاله أغير على الدين من غيرهم، ممن هم خارج المؤسسة الدينية من الدعاة والعلماء، مشدداً على أن المشيخة جديرة بالحفاظ على سمعتها ومكانة الاجتهاد.

وأوضح أن الإمام الأكبر أكد، في مؤتمر دار الإفتاء الذي عقد منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن العلماء السابقين كانوا أكثر اجتهاداً من الحاليين، بعد أن انتقد عدم قدرة رجال الدين الحاليين على إضافة شيء جديد لأمور الاجتهاد والعلم.

وأوضح "الجندي" أنه كان أول من نادى بهذا الأمر مع الدكتور سعد الدين الهلالي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، وطالب هيئة كبار العلماء بالجلوس مع الدكتور سعد الهلالي؛ للاستفادة من الرأي الذي توصل إليه في كتابه "الطلاق الشفوي".


هل إلغاء الطلاق الشفوي جائز شرعاً؟


الشيخ أحمد كريمة، قال في مكالمة هاتفية مقتضبة مع "هافينغتون بوست عربي"، إن تشريعاً قانونياً يلغي الطلاق الشفوي غير جائز شرعاً، وحرام؛ لأنه يخالف الشرع الذي يجيز الطلاق الشفوي، ولكنه رفض الخوض في تفاصيل بشأن تقنين الطلاق الشفوي.

كان كريمة قد ظهر في برنامج "العاشرة مساء" وقال إن إلغاء الطلاق القولي واشتراط الكتابة "استدراك على الله ورسوله، وهذا مرفوض". (بداية الدقيقة الثالثة).

واعترض علماء أزهريون على القانون المزمع صدوره، منهم الدكتور محمد الشحات الجندي عضو مجمع البحوث الإسلامية، الذي يؤكد أن الطلاق الشفوي يقع تماماً، كما يقع الصريح منه، ولا علاقة لزيادة نِسب الطلاق بصدور قانون كهذا.

"الشحات" أوضح في تصريحاته لـ"هافينغتون بوست عربي"، أنه "لو كان الطلاق الشفوي لا يُعتد به، ما اجتهد واختلف فيه الأئمة الأربعة؛ الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة، وما قسموه أيضاً إلى بائن وصريح".

وأشار عضو مجمع البحوث الإسلامية إلى أن "الطلاق الشفوي يقع، طالما كان الشخص يقظاً، ويعي ما يقول".

وأضاف أن "الله -سبحانه وتعالى- لم يُقيد الطلاق بأن يكون موثَّقاً، وقال في كتابه العزيز (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان)، وكان الناس قديماً قبل الأول من أغسطس/آب سنة 1931م (صدور أول قانون ينظم الطلاق) يبرمون عقد الزواج شفهياً، فكان المنطق الطبيعي أن يتم حل هذا الرباط بلفظ الطلاق الشفهي على وضع معتبر".

وهو نفس رأي الشيخ محمد زكي، الأمين العام للجنة العليا بالأزهر الشريف، الذي يؤكد أن إلغاء الطلاق الشفهي غير جائز شرعاً.

ويشدد على أن "الطلاق الشفهي يقع، سواء كان يُقصد أم لا"، منوهاً بقول النبي -صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة جدهن وهزلهن جد…، وعدّ منهم الطلاق".


الأزهر يؤيد والبرلمان يشرع


وفور طلب الرئيس السيسي قانوناً لتنظيم الطلاق، أكد الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف والأمين العام لهيئة كبار العلماء، أن الهيئة تعكف على دراسة العديد من القضايا المتعلقة بالطلاق؛ للحد من حالات الطلاق، ومنها عدم وقوع الطلاق إلا بالإشهاد وعن طريق القاضي.

وأشار شومان إلى عرضه دراسات حول هذا على هيئة كبار العلماء "يبحثها بالفعل".

ولكن الدكتور سالم عبد الجليل وكيل وزارة الأوقاف الأسبق، قال إن "دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لإصدار قانون لتنظيم الطلاق الشفهي، يجب ألا يناقشها العامة، ولا بد أن تُعرض هذه الدعوة على مجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء".

وشدد "عبد الجليل" على ضرورة "أن يلتزم الجميع بالاجتهاد الذي سيصدر من الجهتين، والانتظار لحين البحث والاجتهاد في هذا الأمر".


مشروع عاجل أمام البرلمان


وعلى الفور، أعلن النائبان عمر حمروش، وآمنة نصير، عضوا مجلس النواب، سعيهما للتقدم بمشروع قانون بما طالب به السيسي دون أن يوضحا ما هو المطلوب.

وقالت النائبة آمنة نصير عضو مجلس النواب والعميد السابق لكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، إنها ستتقدم بمشروع قانون خاص بألا يتم الطلاق إلا أمام المأذون فيما عدا الحالات التي تلجأ إلى المحكمة، حال تأخر الحكومة في صياغته؛ بهدف الحد من التهديدات التي تواجهها الزوجة باستمرار من قِبل الزوج والإسراف في استخدام الطلاق.

وكانت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، في يوليو/تموز الماضي، أحالت إلى هيئة مفوضي الدولة، دعوى تطالب بتعديل قانون الأحوال الشخصية واعتبار الطلاق شرعياً في حالة توثيقه رسمياً فقط.

وقررت الدائرة الأولى بالمحكمة إحالة الدعوى المطالِبة بإلزام وزير العدل بإصدار قرار بإجراء تعديل على قانون الأحوال الشخصية، ينص على "ألا يعتبر الطلاق شرعياً للمتزوجين بوثائق رسمية إلا بالتوثيق الرسمي".

واختصمت الدعوى التي حملت رقم 12265 لسنة 70 ق، كلاً من رئيس الوزراء ووزير العدل وشيخ الأزهر.


تأييد المنظمات النسائية


مسؤولون بمنظمات حقوقية نسائية أيدوا فكرة القانون لـ"هافينغتون بوست عربي"، ولكنهم أشاروا إلى أن هذا لن يمنع الطلاق؛ لأن زيادة نِسب الطلاق ترجع إلى أسباب اقتصادية بالأساس؛ بسبب عدم قدرة الأزواج على الإنفاق.

وأيدت منظمات نسائية "تقنين الطلاق"؛ أبرزها المجلس القومي للمرأة، الذي رحبت رئيسته مايا مرسي بدعوة السيسي للتقنين، كما رحبت الدكتورة عزة هيكل، عضو المجلس القومي للمرأة السابق، بدعوة السيسي، مؤكدتين أنها "أمر ضروري؛ للحفاظ على قوام الأسرة وحقوق المرأة والطفل".

ولكن انتصار السعيد، مدير مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، قالت إن قانون توثيق الطلاق "لن يقلل من نسب الطلاق في مصر، لكنه سيساعد المرأة على ضمان حقوقها".

ونوهت إلى أن أغلب حالات الطلاق التي تصل للمركز بنسبة 80% أسبابها اقتصادية؛ بسبب رفض الزوج الإنفاق على الأسرة ولجوء الزوجة إلى طلب الطلاق؛ رغبة في الحصول على معاش الضمان الاجتماعي أو معاش والدها.

وأوضحت أن الرجال غالباً ما يلجأون إلى الطلاق الشفهي؛ للهروب من النفقة.

ويرى الباحث في "المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية" الدكتور سيد إمام، أن "الحالة الاقتصادية تلعب دوراً كبيراً في الطلاق أو الخلع في مصر، بالتزامن مع تردّي ظروف البلاد الاقتصادية"، مشيراً إلى فقدان العديد من المتزوجين أعمالهم، أو عدم انتظام رواتبهم وعدم مجاراتها لارتفاع الأسعار المتوالي.

ويضيف أن هذه الأسباب الاقتصادية تدفع زوجات لطلب الخلع أو الطلاق، خاصة بين فئة الشباب الذين توقفوا عن العمل، وسط الانتشار الواسع للبطالة وصعوبة الحصول على عمل، مشيراً إلى أسباب أخرى؛ مثل: الخيانة الزوجية، والجفاف العاطفي، وعدم الإنجاب، والإدمان، وغيرها.


زيادة سنوية في حالات الطلاق


وتُظهر أهم مؤشرات النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق لعام 2015، التي أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 4 يوليو 2016، أن معدلات الطلاق في مصر ارتفعت خلال عام 2015 بنسبة 10.8% عن العام السابق.

كما كشف أن أعلى نسبة طلاق تم تسجيلها هي التي تمت جراء قضايا الخلع، حيث بلغ عدد الأحكام بها 4 آلاف و142 حكماً بنسبة 67.6%، بينما كانت أقل نسبة طلاق هي التي تمت بسبب حبس الزوج، حيث بلغ عدد الأحكام بـها 5 أحكام تمثل 0.08% من جملة الأحكام

وهو ما دفع محامين للمطالبة بإلغاء قانون الخلع الذي سمح للنساء بخلع الرجال بنسب أعلى من تطليق الرجال للنساء، كما أشارت إحصائية جهاز المحاسبات.


من حق ولي الأمر أن يقيد المباح شرعاً؟


وعلق نشطاء على قرار السيسي، متسائلين عما إذا كان الهدف من القانون هو منع الطلاق، وتساءلوا عن مناسبة هذا الكلام مع ذكرى ثورة 25 يناير السادسة التي تحل اليوم.

وبادر الشيخ مظهر شاهين، إمام وخطيب مسجد عمر مكرم، لتأكيد أن "الرئيس باعتباره ولي الأمر من حقه أن يقيد المباح شرعاً وأن تكون توجهاته محل تنفيذ"، داعياً الفقهاء إلى أن يحولوا هذه الدعوة إلى نصوص وقانون.