السلعة الوفيرة بالقطاع!.. غزِّيون يبيعون ركامَ المنازل المدمَّرة.. هكذا يحمل الأطفال والنساء الحجارة على أكتافهم لإطعام أُسرهم

تم النشر: تم التحديث:
GHZH
social media

خلف بقايا ركام المنازل المدمرة يقفون لجمع ما يمكنهم من الحجارة، لبيعها بأثمان زهيدة لتأمين لقمة العيش لهم ولأسرهم، ولتوفير ما يسد رمق العيش في قطاع غزة، الذي يعيش أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر، بفعل الحصار الإسرائيلي المفروض منذ أكثر من عشرة أعوام، الذي أصاب جميع مناحي الحياة بالشلل التام.

هذا حال المواطنة جيهان أبو محسن (50 عاماً) من سكان مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، التي تذهب مع ساعات الفجر الأولى هي وابنها الذي لم يبلغ عامه التاسع، مصطحبة معها عربة يجرها "حمار" لجمع ما يمكنها من الحجارة وبعض النفايات وقطع الحديد والنحاس والألمنيوم، التي تجمعها لبيعها لأحد المصانع، التي تقوم بدورها بإعادة تدويرها من جديد.


4 دولارات


تقول أبو محسن لـ"هافينغتون بوست عربي"، إنها تقوم ببيع حمولة العربة الواحدة بمبلغ لا يتجاوز الـ4 دولارات تقريباً، وتستمر بالعمل هي وابنها لمدة تتجاوز الـ10 ساعات يومياً لجمع أكبر قدر ممكن من الحجارة وقطع الحديد والبلاستيك وعلب الحليب والزيت الفارغة، لتقوم ببيعها لشراء بعض الخبز والطعام لتعود به إلى منزلها وأسرتها، لتترك لجسدها المتهالك قسطاً من الراحة.

وذكرت أبو محسن أنها طرقت أبواب جميع الجمعيات والمؤسسات الخيرية لمساعدتها في محنتها، ولكن دون جدوى، مما دفعها للبحث في مكبات النفايات وجمع أكوام الحجارة لتعيل أسرتها المكونة من أربعة أفراد، الذين يسكنون في منزل من الصفيح لا تتجاوز مساحته الـ100 متر، يفتقر لأبسط مقومات الحياة الآدمية.

وتؤكد أبو محسن أنها إذا لم تبحث عن رزقها بنفسها فسوف تموت هي وعائلتها جوعاً، فزوجها مسنٌّ ويعاني من عدة أمراض مزمنة، ويحتاج إلى رعاية دائمة، وتناول دائم للأدوية والعلاج الطبي، وهو لا يقوى على أداء أي عمل نتيجة وضعه الصحي المتردي.

وتحلم أبو محسن كغيرها من نساء القطاع بغد أفضل، يتحسن فيه وضعها المعيشي بعدما أنهكها الفقر، وهي تناشد جميع المؤسسات الخيرية أن ترأف بحالها وبحال أسرتها، بعد أن أثقل كاهلهم الفقر والجوع والقهر.


طفل يعول 10 من أسرته


أما الطفل خليل دلول، البالغ من العمر (11 عاماً)، من سكان حي الزيتون شرقي مدينة غزة، الذي يرتدي ملابس بالية ومهترئة، فيقول لـ"هافينغتون بوست عربي"، وقد ظهرت على ملامحه البؤس والفقر: "تركت دراستي قبل نحو ثلاثة أعوام لأساعد أسرتي في مصاريف البيت، فوالدي لا يستطيع العمل نتيجة إصابته بشظايا قذيفة إسرائيلية خلال الحرب على القطاع عام 2008، مما أدى لفقدانه بصره".

ويضيف دلول، أنه يعيل أسرته المكونة من 10 أفراد (ولد وسبعة بنات إضافة لوالده ووالدته): "أذهب كل يوم في الصباح الباكر برفقة دابتي (عربة يجرها حمار) لجمع أكوام الحجارة من المنازل المدمرة، والنبش في مكبات النفايات، وأعود إلى المنزل عند غروب الشمس، بعد أن أقوم ببيع ما تم جمعه من الحجارة إلى أحد مصانع الطوب الحجري بمبلغ 10 شواكل (العملة الإسرائيلية المتداولة في القطاع، والدولار يساوي 3.78 شيكل) للحمولة الواحدة.



ghzh

وأوضح أن ما يحصل عليه من مكبات النفايات ومن على جوانب الأرصفة وحوافّ الطرقات كالنايلون والبلاستيك وقطع الحديد والنحاس، يقوم ببيعه لأحد محلات الخردة في المدينة، بما يعود عليه ببعض الشواكل أيضاً.

ويقول دلول "بعد كل ما أبذله من جهد خلال اليوم، تكاد تكفي النقود التي يتم جمعها لإطعام أسرتي وستر أجسادنا العارية ووجوهنا الشاحبة الجائعة، ولكن الحمد لله على كل حال فهذا نصيبنا في هذه الحياة".

ويؤكد محللون أن انتشار ظاهرة جمع مخلفات المنازل المدمرة والبحث في مكبات النفايات يرجع بالأساس لارتفاع نسبة البطالة في قطاع غزة، بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض منذ أعوام، مما دفعهم للجوء لممارسة هذه الأعمال لتوفير جزء يسير من قوت يومهم، ليعينهم على سد رمقهم للبقاء على قيد الحياة.


من المسؤول؟


وفِي هذا السياق، يقول المحلل الاقتصادي معين رجب لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن الفقر يعتبر من أهم العوامل التي تؤدي لانتشار هذه الظاهرة، وخاصة أن نسبة كبيرة من المواطنين في قطاع غزة تعيش تحت مستوى خط الفقر بفعل الحصار الإسرائيلي المفروض، بالإضافة إلى نتائج الانقسام الفلسطيني بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006م، وما نتج عنه من الحرمان الوظيفي، وانعدام فرص العمل والوظائف لعدد كبير من سكان القطاع.

وأكد رجب على "ضرورة وقوف السلطة الفلسطينية في رام الله عند مسؤوليتها تجاه أبناء شعبها في قطاع غزة، وأن تزيل السلطة ثوب التهميش وسياسة العزل التي تنتهجها تجاه مواطني القطاع؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى تبعات اجتماعية وسياسية لا تحمد عقباها مستقبلاً"، حسب قوله.

من جانبه يؤكد المحلل الاقتصادي محسن أبو رمضان "أن ظاهرة عمالة الأطفال والفئات المهمشة داخل القطاع هي أحد العوامل الرئيسية التي تهدد المجتمع الغزاوي، محذراً من تفاقم هذه الظاهرة في ظل الظروف الاقتصادية والصحية والاجتماعية والثقافية السيئة التي يعيشها القطاع حالياً، نتيجة العزلة السياسية التي يشهدها القطاع بعد سيطرة حركة حماس عليه".

ودعا أبو رمضان خلال حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي"، إلى "ضرورة أن تتخذ الجهات الرسمية الفلسطينية إجراءاتٍ للحد من هذه الظاهرة، بالإضافة إلى دور وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، باعتبارها الجهة الدولية المسؤولة بالدرجة الأولى عن توفير الخدمات اللازمة للاجئين والدفاع عن حقوقهم المدنية من خلال تحسين أوضاعهم المعيشية والخدماتية".

وكان تقرير إحصائي صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني قد كشف عن أن نسبة البطالة في الأراضي الفلسطينية بلغت 40% خلال عام 2016، أما عدد العاطلين عن العمل في قطاع غزة فقد بلغ 193 ألفاً، وبلغ عدد العاطلين في الضفة الغربية 143 ألف عاطل خلال العام 2015.

وأكد التقرير أن 63% من الشباب في الضفة الغربية وقطاع غزة يرغبون في الهجرة المؤقتة إلى الخارج، نظراً للواقع الذي يعيشونه في ظل تزايد معدلات البطالة سنوياً في الأراضي الفلسطينية.
إذا كان الحصار الإسرائيلي هو سبب الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالقطاع، وأدت لارتفاع نسبة الفقر والبطالة في الأراضي الفلسطينية، فإنه يمكن التخفيف من انتشار هذه الأوضاع الاجتماعية البائسة، خاصة في قطاع غزة، من خلال تكاتف الجميع، سواء كانت مؤسسات حكومية أو مجتمعية لمحاربة هذه الظواهر عبر إيجاد ضمان اجتماعي للأسر الفقيرة يوفر لهم بعضاً مما حرموا منه بعيداً عن التجاذب السياسي.