سعوديون مشردون في شوارع جدة.. هويتهم مجهولة وظلمتهم العادات والتقاليد.. هذه قصتهم

تم النشر: تم التحديث:
MSHRD
هافينغتون بوست عربي

كان رثَّ الثياب، أشعثَ أغبرَ، شعره متسخ، لا ملامح له سوى آثار العزلة والمرض والانفصال عن الواقع، سعودي مريض نفسي كما وصفه أهل المنطقة مجهول الهوية يجول شوارع جدة وتحديداً حي غليل - جنوبي المحافظة.

إنه واحد من بين المئات الذين جعلوا الأرصفة منزلاً لهم، سألناه من أنت؟ وما اسمك؟ ومن أين أتيت؟

لكنه لم يُجب، وحدَّق إلينا بنظرات خائفة ثم مشى مسرعاً نحو الشارع المكتظ بالسيارات غير آبهٍ بخطورة عبوره بهذا الشكل، وما إن تجاوز السيارات حتى عاد لنفس المكان، وكأنه فقد ذاكرته وعاد من جديد ليكرر نفس الخطوات ونفس النظرات.

المحيطون به من أصحاب المتاجر قالوا لـ"هافينغتون بوست عربي"، إنه يرتاد هذا المكان منذ أقل من سنة ولا يعرفون عنه شيئاً سوى أنه غير متوازن عقلياً.

وعما إذا كان يشكل خطراً عليهم قالوا "لا بل هو مسالم ، حتى إنه يفضل الهرب دائماً حين نحاول أن نعطيه كوبَ ماء".

هذا الشاب المجهول الاسم هو واحد من بين عدد كبير من المرضى النفسيين في السعودية، الذين فرّوا من الأصحاء لعالم آخر يقبع في أركان الأرصفة.

وبحسب دراسة أجراها الدكتور فالح بن قراش الدعجاني، فإن أغلب المشردين تبلغ أعمارهم أكثر من 30 عاماً، ويوضح الأسباب قائلاً "ضعف الدخل الأسري والمشكلات الأسرية وانفصال الوالدين والوقوع في المخدرات والتربية السيئة من أهم العوامل التي تؤدي إلى الهروب للأرصفة والشوارع".


مركز واحد فقط وأغلب المرضى سعوديون


swdywn

وتفتقر السعودية لمراكز إيواء المرضى النفسيين التائهين المشردين في الشوارع، حيث لا يوجد بها إلا مركز واحد له فرعان اثنان في كل من العاصمة الرياض ومدينة جدة، وهو مركز خيري، بحسب سعيد الأسمري المدير التنفيذي للمركز.

يقول الأسمري لـ"هافينغتون بوست عربي "، إن المركز أنشئ قبل حوالي خمس سنوات وتبنى أكثر من 120 حالة.

وبحسب الأسمري فإن أغلب التائهين في الشوارع هم سعوديون، ويوضح "المركز يهتم بأولئك الذين رفضهم أهاليهم والمجتمع"، وأضاف "لا يكتفي المركز بعلاجهم فقط، إنما بتأهيلهم بعد العلاج لاندماجهم مع المجتمع بعد ذلك".


يخجلون منهم


المختصون في علم النفس أكدوا أن مثل هذه الحالة هي ضحية في الأغلب للأعراف والتقاليد الاجتماعية التي لا تحترم حقوق المريض النفسي، الأمر الذي جعله يفضل العيش في مجاهيل الأرصفة والطرقات بعيداً عن الناس.

واتهم الأستاذ الجامعي المتخصص في علم النفس الدكتور علي الزهراني المجتمع بأنه أفرز حالات كثر لجأت للأرصفة والطرقات بسبب العادات والتقاليد في السعودية.

ويقول "الأسرة باتت تخشى وتخجل من نظرة الناس إليها حين يكون لديها مريض نفسي".


العقاقير هي الحل!


إن هذا الصراع امتد أيضاً للمؤسسات الحكومية، فكل وزارة لدينا تلقي مسؤولية هؤلاء على الأخرى، يوضح الزهراني: "وزارة الصحة تقول نحن نقدم الخدمات الصحية، والتنمية الاجتماعية تقول إنها غير ملزمة أن يظل لديها المريض النفسي؛ بل الأسرة هي المسؤولة.

وهكذا كل وزارة تتخلى عن دورها حتى يجد هذا المريض نفسه تائهاً بالشوارع.

"العقاقير هي الحل" هذا ما رأته الدكتورة أسماء فراج، عضو هيئة التدريس في جامعة شقراء في حديثها لـ"هافينغتون بوست عربي"، إذ قالت ليس ثمة حل ناجع سوى العقاقير الطبية التي سوف تجعلهم يعيشون كالأسوياء ويبتعدون عن الشوارع والطرقات، حسب قولها.

وحملت أسماء المسؤولية في المقام الأول للأسرة، فهي المعنية برعاية شؤون شخص يعتبر عاجزاً شرعاً وعرفاً عن الاهتمام بنفسه.

وقالت إن لم تقم الأسرة بدورها فهذا سيجعل الأرصفة والطرقات مكاناً له وربما يشكل خطراً على الناس.

وعما إذا كان تشرد هؤلاء المرضى في الشوارع والطرقات ظاهرة. قالت أسماء "لا أعتقد أنها وصلت حد الظاهرة، فهي حالات فردية ناتجة عن الإهمال وسوء الرعاية من الأسر السعودية لهؤلاء المضطربين نفسياً".