ماذا يعني شعار ترامب الشهير "أميركا أولاً" بالنسبة للعالم؟

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

بعد عطلة نهاية الأسبوع الأول من رئاسة ترامب، هناك بعض الإشارات: يؤمن ترامب بمبدأ "السلام من خلال القوة"، ويريد تنشيط الجيش الأميركي الذي يصفه بأنه "مُستنزَف". تعهد ترامب في خطاب تنصيبه بهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية والقضاء على "الإرهاب الإسلامي المتطرف" -وهي عبارة لا يخشى تكرارها على نحو يثير الغثيان- "تماماً من على وجه الأرض".

لكن تظل الطريقة التي تنوي بها إدارته تحقيق أي من ذلك غير معروفة. ولكن يوجد رسالة واضحة يجب سماعها، وهي شعار ترامب بأن "أميركا أولاً".

يحظى هذا الشعار بماضٍ بغيض -وهو في الأصل الشعار الذي اعتمده المتعاطفون مع الفاشية قبل الحرب العالمية الثانية- غير أن ترامب ينوي إعادة تدويره ليواكب عصرنا الحديث المضطرب، بحسب ما ذكرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية.

فيما يلي، وبناءً على خطابه، تحليل مبكر لما يعتقد أن عبارة "أميركا أولاً" ستعنيه للعالم:


لا حاجة لسلطة أخلاقية عظمى


قال ترامب في حفل تنصيبه: "يجب أن يعرف العالم أننا لا نخرج بحثاً عن أعداء، وأننا نكون سعداء دائماً عندما يصير الأعداء القدامى أصدقاء، وعندما يصير الأصدقاء القدامى حلفاء". كان هذا إبعاداً واضحاً لمشروع المحافظين الجدد الذي كان يحرك الحزب الجمهوري، وهو الاعتقاد بأنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تسعى بنشاط لنشر الديمقراطية والقيم الأميركية، حتى ولو كان هذا بالدبابات والعربات المصفحة.

لكن ترامب ليس انعزالياً، كما وُصف أحياناً. بدلاً من ذلك، ومن خلال دقّ طبول شعار "أميركا أولاً"، لا يقتصر إعلان ترامب على انتهاء الانخراط الأميركي مع العالم وحسب، بل يعني أيضاً نمط الانخراط الذي طالما بدا مألوفاً.

يؤمن ترامب بأهمية الصفقات الدولية، سواء الاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف أو أي ترتيبات دولية أخرى. إذ يمكن للمواقف التي كانت تمثل حجر الزاوية في الدبلوماسية الأميركية -مثل سياسة "صين واحدة" أو دعم حقوق الإنسان وسيادة القانون- أن تصير مجرد ورقة مساومة يقايَض بها في أحد الاتفاقات الثنائية في المستقبل.

عندما يذكر ترامب "الأعداء القدامى" الذين يصيرون أصدقاءً، يمكنك أن تتخيل الرئيس يشير إلى روسيا، الذي ألقى رئيسها فلاديمير بوتين بظلال ضخمة مزعجة على السياسة الأميركية في العام الماضي. وقد تسرّبت في الواقع أخبار خلال الليلة الماضية عن أن وكلاء مكافحة التجسس الأميركيين حققوا في وقوع اتصالات بين مايكل تي فلين، مستشار ترامب للأمن القومي، والمسؤولين الروس.

أما "الصديق القديم" الوحيد المُنتظر أن يصير حليفاً أوثق هو إسرائيل. فسيؤدي تدليل ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واقتراحه بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، إلى وضع الولايات المتحدة في خلاف متزايد مع بقية المجتمع الدولي.

y


صفارات الإنذار القومية


صدم ترامب أوروبا الأسبوع الماضي عندما اعتبر حلف الناتو "بالياً"، وبدا أنه يدعم حدوث مزيد من التفكك في الاتحاد الأوروبي بعد أن احتفل بخطوة بريطانيا نحو البريكسيت.

وبدلاً من اللجوء إلى الساسة والزعماء الذين عملوا بشكل وثيق مع الإدارات السابقة، تودد ترامب -واستمد الإلهام- من متطرفي أوروبا المُهمّشة وقتها. كان اسم ترامب على كل لسان في اجتماع كبار الزعماء الوطنيين الأوروبيين الذي عُقد في المدينة الألمانية كوبلنز في نهاية هذا الأسبوع، وهو اجتماع ضم حزباً أسسه النازيون السابقون.

قالت مارين لوبان، رئيسة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة في فرنسا والمنافسة الحقيقية في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقامة في مايو/أيار: "كان عام 2016 هو العام الذي استيقظ فيه العالم الأنجلوساكسوني. وأنا واثقة أن عام 2017، سيكون عام صحوة شعوب أوروبا". وأضافت: "نحن نشهد نهاية عالم وميلاد آخر.. نحن نشهد عودة الدول القومية".

أفضلية "الدولة القومية" في قلب رؤية ترامب للعالم. وهو ما احتج به لتبرير بناء جدار على الحدود المكسيكية، وحظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، وتخلي الولايات المتحدة عن اللاجئين السوريين الغارقين في محنتهم اليائسة.

وهو ما يماثل شعور معاداة اللاجئين الذي يذكي اليمين الأوروبي المتطرف ويهدد مصير المشروع الأوروبي بأكمله. وبدلاً من أن يستمر ترامب في الدفاع عن الحلفاء القدامى والنظام الليبرالي الغربي، فقد يشجع تفككه من الخطوط الجانبية.

كتب بن سميث، محرر بازفيد، عقب مقابلته مع ستيف بانون ، كبير مستشاري ترامب: "إن قومية ترامب هي قيمة أوروبية مستوردة واضحة، نوع من سياسات الدم والأرض العرقية التي تمكنت نخبة الحزب الجمهوري -بعقلية الشركات التي تميزها- من منعها من التسبب في المشكلات منذ استيراد أتباعها من الديمقراطيين في الستينيات".


رفض اللاقومية


يشعر كل من ترامب وبانون بالغضب تجاه "عولمة" النخب الحضرية. وينتمي كل من رجال الأعمال فاحشي الثراء (عدا ترامب نفسه)، والحضور الأثرياء لاجتماعات مثل المنتدى الاقتصادي العالمي، وتكنوقراط الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ونجم البوب العالمي الموجود على الصفحة الرئيسية للجميع على تويتر - إلى فئة الأشرار في اللوحة الشعبوية الضخمة التي رسمها ترامب والقوميون الأوروبيون.

هؤلاء العالميون حجبوا أو تجاهلوا رجال ونساء الشعب الحقيقيين "المنسيين". يبدو التناقض صارخاً إذ تبدو القومية العرقية التي يتبناها ترامب بوضوح على العكس تماماً من رؤية سلفه للقوة والقيم الأميركية. أكد أوباما الاعتماد المتبادل بين الشعوب وعلى تعقيد عالم القرن الواحد والعشرين بما لا يسمح لدولة واحدة بحمل المسؤولية كاملة.

ويرى النقاد أن رؤية أوباما "للعالم بمنظور كوزموبوليتاني عالمي" انهار في وجه التوترات الطائفية التي شهدها الشرق الأوسط، بالإضافة إلى تدخل القادة السلطويين غير الليبراليين من أمثال بوتين، وهم الأشخاص الذين يرى ترامب أن بإمكانه القيام بأعمال تجارية معهم.

في مقابلة أُجريت معه العام الماضي، قال أوباما: "القوة الحقيقية هي أن تحصل على ما تريده دون اضطرار اللجوء إلى العنف". لا يملك الرئيس الأميركي الجديد هذا القدر من المثالية.

y

لكن كيف سيُترجم هذا على الصعيد السياسي؟ هناك العديد من الأسئلة التي تدور بالفعل حول مجموعة الضباط والجنرالات السابقين المنوط بهم تقديم الاستشارة للرئيس فيما يخص الشؤون الدولية والأمن القومي.

كتبت كارين ديونغ، مراسلة الأمن القومي لدى الواشنطن بوست: "عين ترامب فريقاً قوي الإرادة للأمن القومي، تعارضت بعض آرائهم بالفعل مع الرؤى التي مثلت قاعدة الحملة الانتخابية، مثل حلف الناتو "البالي" والجدار مع المكسيك والأرضية المشتركة مع روسيا".

كما تابعت: "ليس من المعروف بعد كيف سيتفقون سوياً، أو مع البيت الأبيض بطاقمه الخاص المكون من شخصيات قوية وتسلسل هرمي مجهول حتى الآن. غالباً سيرحل بعضهم قبل انتهاء الأربع سنوات بفترة طويلة، ربما بحلول نهاية 2017".

كما توضح ديونغ المشكلات المعقدة الحالية التي تواجه الإدارة الجديدة:

ستأتي التحديات المبكرة من جهة كوريا الشمالية على الأغلب، التي وعدت باختبار أحد الصواريخ الجديدة طويلة المدى، والقادرة على حمل رأس نووية حتى سواحل الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أوكرانيا، حيث سيجب تجديد العقوبات الأميركية والأوروبية تجاه التدخل الروسي أو إسقاطها.

في سوريا، سيكون من الضروري وزن التحالف المرتقب مع روسيا ضد الإرهاب مقابل التحالف الروسي مع إيران، خاصة مع الحاجة للإبقاء على التوازن بين المزيد من الإنفاق العسكري وحرب تجارية محتملة مع الصين، وبين وعد ترامب بمعدل نمو يصل إلى 4% في الولايات المتحدة".

كما أضافت: "وكما اكتشف كل من جورج دبليو بوش وباراك أوباما، فإن أفضل الخطط الاستراتيجية يعطلها غير المتوقع".

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المقال الأصلي، اضغط هنا.